ملخص
يحمل كل مليونير أصولاً شخصية بقيمة 5.75 مليون دولار ما يساوي هجرة 4.6 مليار دولار، ورحيل حتى عدد محدود من رواد الأعمال قد يلقي بظلاله على النمو وفق المتخصصين.
يغادر الأثرياء "الجحيم الضريبي الفرنسي"، إذ سجلت فرنسا هجرة 800 مليونير عام 2025 وفقاً للبيانات التي نشرتها شركة "هينلي أند بارتنرز" في تقريرها حول تدفقات الثروة الوطنية الفرنسية لعام 2025. وينتقل أغنى الفرنسيين إلى الإقامة في الخارج، والأهم من ذلك، أنهم ينقلون رؤوس أموالهم معهم، مما يزعج حكومة باريس.
ويحمل كل مليونير معه في المتوسط أصولاً شخصية بقيمة 5 ملايين يورو (5.75 مليون دولار)، أي ما يعادل 4 مليارات يورو (4.6 مليار دولار) خرجت من البلاد إجمالاً، وفقاً لـ"المعهد الفرنسي لأبحاث الإدارة والسياسات العامة". وعلى رغم أن عدد المليونيرات المغادرين لا يمثل سوى جزء ضئيل من الأسر الميسورة في فرنسا، فإن الاقتصاديين يرجحون أن يكون لاختفاء عدد قليل من كبار أصحاب الثروات تأثير اقتصادي كبير، إذ غالباً ما يمتلك هؤلاء الأفراد شركات ويمولون استثمارات ويدرّون إيرادات ضريبية كبيرة.
وتأتي فرنسا في ذيل قائمة الدول الـ59 التي شملتها الدراسة، ولم تسجل نتائج أسوأ منها سوى البرازيل وروسيا وكوريا الجنوبية والهند والصين والمملكة المتحدة. وفي المقابل، تشهد دول عدة تدفقات إيجابية، ولا سيما الولايات المتحدة وإيطاليا.
ومن النتائج الأخرى التي يخلص إليها التقرير أن عدد أصحاب الملايين في فرنسا ارتفع بنسبة سبعة في المئة بين عامي 2014 و2024 وهي نسبة تضع فرنسا في الشريحة الدنيا من متوسط المعدلات المسجلة في البلدان التي شملتها الدراسة.
ويعتمد تقرير "هينلي أند بارتنرز" على "مؤشر تنافسية تنقل الثروات" (من أصل 100 نقطة) الذي يُحسب استناداً إلى 38 مؤشراً مرجحاً تشمل النظام الضريبي وسيادة القانون وجودة الحياة والاستقرار الجيوسياسي. وسجلت فرنسا 65.7 نقطة، مما وضعها ضمن فئة "البلدان التنافسية التي تواجه ضغوطاً"، إلى جانب ألمانيا والمملكة المتحدة وكوريا الجنوبية.
وصعدت طلبات الإقامة أو الجنسية التي قدمها مواطنون فرنسيون إلى المكتب من قائمة أكثر 40 جنسية طلباً للخدمات عام 2024 لتصبح ضمن قائمة أكثر 15 جنسية عام 2026. وفي هذا الصدد، المسؤول عن منطقة أوروبا في شركة "هينلي أند بارتنرز" غونتر دوبراوز-سالدابينا، "لم تفقد فرنسا جاذبيتها، بل أصبحت أقل تنافسية، تحديداً في ما يتعلق بالمعايير التي توليها الثروات ذات الحركية الدولية أكبر قدر من الأهمية. ثمة فارق جوهري يغيّر المشهد، فالأمر لا يتعلق بهجرة مدفوعة بالذعر، بل بخيار مدروس تتخذه أسرٌ تتعامل مع مسألة ’محل الإقامة الضريبي‘ باعتبارها بنداً واحداً ضمن بنود محفظتها الاستثمارية".
حجم الثروات
و لا تزال فرنسا تضم 2.4 مليون شخص تتجاوز ثرواتهم مليون يورو وفقاً لتقرير "يو بي أس"، البنك السويسري حول الثروة العالمية لعام 2026. وجاءت خلاصته بالنسبة إلى فرنسا على النقيض تماماً، إذ شهدت البلاد ظهور نحو 35 ألف مليونير جديد (ممن تبلغ ثرواتهم ملايين الدولارات) خلال عام 2025، مسجلة بذلك أكبر زيادة في الاتحاد الأوروبي بأسره، مما رفع إجمال عدد الأثرياء المقيمين فيها إلى قرابة 2.4 مليون شخص.
ونحن أمام تقريرين جادين متناقضين تماماً، غير أنهما لا يقيسان الأمر ذاته، فبنك "يو بي أس" يحسب إجمال الثروة التي يمتلكها المقيمون في فرنسا، وهي ثروة تضخمت بفعل صعود أسواق الأسهم والعقارات، إذ يتحول أشخاص إلى أثرياء على الورق من دون أن يغادروا منازلهم. وفي المقابل، تقتفي شركة "هينلي" أثراً لتدفق أضيق نطاقاً بكثير يتمثل في كبار الأثرياء ذوي القدرة العالية على التنقل الدولي والذين يغيرون محل إقامتهم الضريبي.
وهكذا تزداد ثروة فرنسا إجمالاً، بينما تفقد في الوقت نفسه شريحتها الأكثر قدرة على التنقل، أي تلك الفئة التي تمتلك الموارد والشبكات التي تتيح لها الرحيل، إذ يمكن لبلد ما أن يملك الآلاف من أصحاب الملايين، في حين يحزم أصحاب أكبر مئة أو ألف ثروة فيه حقائبهم للمغادرة.
المعركة مع فاحشي الثراءوتُعزى هذه الظاهرة في جوهرها إلى عوامل عدة أبرزها العبء الضريبي المفروض على أصحاب الدخل المرتفع، تحديداً المساهمة الإضافية بنسبة 20 في المئة التي تستهدف الأسر التي يتجاوز دخلها السنوي 250 ألف يورو (287.5 ألف دولار)، وحال عدم الاستقرار الحكومي المزمنة، فضلاً عن التلويح المتكرر بفرض ضريبة على الثروة، وفقاً لمقترح "زوكمان".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقوم استمرار عدم الاستقرار السياسي بدور في هذا المشهد، إذ تعاقب على البلاد ستة رؤساء وزراء في غضون خمسة أعوام وكانت هناك أزمات موازنة متكررة وحال من الغموض حول كيفية معالجة العبء المتزايد للدين العام.
ويضيف احتمال فوز مارين لوبن خلال الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل (نيسان) عام 2027 مزيداً من الغموض على المشهد.
وفي حين يسعى حزبها "التجمع الوطني" إلى طمأنة الشركات والمستثمرين، يبدي خبراء اقتصاديون شكوكاً حول مدى توافق تعهداتها بالإنفاق مع أوضاع المالية العامة التي تعاني قيوداً شديدة، ومع القواعد المالية للاتحاد الأوروبي. وثمة عامل مهم آخر يتمثل في تصاعد الحملات الوطنية والدولية التي تدعو إلى فرض ضرائب أعلى على الأكثر ثراءً.
وتمحور أحدث نقاش في فرنسا حول مقترح قدمه الخبير الاقتصادي غابرييل زوكمان، يقضي بفرض ضريبة سنوية بنسبة اثنين في المئة على الثروات التي تتجاوز 100 مليون يورو (115 مليون دولار).
وتضمن المقترح "ضريبة خروج" صُممت للحيلولة دون حركات رؤوس الأموال التي أضعفت "ضريبة التضامن على الثروة". وبموجب هذا النظام، كان على دافعي الضرائب من الأثرياء المغادرين الاستمرار في سداد الضريبة لمدة خمسة أعوام بعد استقرارهم في الخارج.
وتوقع مؤيدو هذا المقترح أن تدرّ "ضريبة زوكمان" ما يقارب 20 مليار يورو (23 مليار دولار) سنوياً، مع اقتصار نطاق تطبيقها على نحو 1800 أسرة فقط، مشددين على أن تركز الثروات تسارع بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، وأن الأسر الأكثر ثراء ينبغي أن تساهم بقدر أكبر في تمويل الخدمات العامة.
وجهة المليونيرات
سعت دول عدة إلى جذب أصحاب الثروات الضخمة، أما في أوروبا، فبرزت إيطاليا كواحدة من أكبر الدول المستفيدة، منذ أن طبقت حكومة جورجيا ميلوني نظام "الضريبة الموحدة" بنسبة 15 في المئة على فئات معينة من المقيمين الأجانب. وبموجب هذا النظام، يسدد دافعو الضرائب المؤهلون ضريبة سنوية ثابتة على دخلهم المحقق في الخارج.
وكثيراً ما اجتذبت سويسرا أصحاب الثروات الضخمة بفضل المزايا الضريبية المتاحة لبعض المقيمين الأجانب، في حين تظل موناكو وجهة مفضلة للأوروبيين فاحشي الثراء، أيضاً بسبب غياب ضريبة الدخل، كذلك نجحت البرتغال في استقطاب آلاف دافعي الضرائب من الأثرياء بفضل نظامها الضريبي الخاص بـ"المقيمين غير المعتادين".
ولا يمثل صافي خسارة 800 مليونير سوى جزء ضئيل للغاية من شريحة الأثرياء في فرنسا، وفق الاقتصادي جمال بن جميع الذي يستدرك بالقول "إلا أن هذه الظاهرة تسلط الضوء على مسألة أوسع تواجه الحكومات الأوروبية، وهي كيف يمكن زيادة الإيرادات الضريبية وتقليص التفاوتات من دون دفع الاستثمارات ورؤوس الأموال إلى الانتقال لمكان آخر؟ إذ أثبط العبء الضريبي الاستثمار، ودفع رواد الأعمال إلى المغادرة، وأضعف القدرة التنافسية لفرنسا. وأضحى من الواضح أن هناك حاجة إلى نظام ضريبي أكثر تصاعدية لتمويل الخدمات العامة والحد من التفاوتات من دون خسارة رؤوس الأموال".