الذكرى 46 للمقاطعة النفطية

تمثل هدفها الأساس في الضغط لوقف دعم الدول الغربية العسكري لإسرائيل ودفعها للرجوع إلى حدود 1967 وهو ما لم يتحقق

الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز مع الرئيس المصري أنور السادات (أ.ف.ب)

صادف يوم السبت الماضي الذكرى 46 لبداية المقاطعة النفطية للولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية التي ساندت إسرائيل في حرب رمضان من عام 1973 ميلادية. وكان قد سبقتها مقاطعتان في عام النكسة في 1967 وأثناء الهجوم البريطاني-الفرنسي على قناة السويس في عام 1956.

وبعد دراسة مستفيضة لموضوع المقاطعة النفطية تبين أنه هناك أخطاء كثيرة مكتوبة في الكتب والمجلات والجرائد أثّرت في الرأي العام في العالمين الغربي والعربي، كما نتج عن هذه الأخطاء، سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة، سياسات أضرت بالدول المنتجة والمستهلكة للنفط.

وقد يرى البعض أن هذا الموضوع عفا عليه الزمن ويجب تجاهله. والرد على ذلك أن الدول العربية حتى اليوم ما زالت تدفع ثمن المقاطعة النفطية والسياسات الغربية التي نتجت عنها، كما أنها تعتبر من الأدبيات الأساسية للتخلص من النفط والتخفيف من الاعتماد على الدول العربية النفطية.  لذلك لا يمكن تجاهلها. ونظرا لوجود كثير من الأخطاء التاريخية والفهم الخاطئ للأحداث من كلا الطرفين، فإنه لابد من إثارة الموضوع بهدف تصحيح الأخطاء والمفاهيم. 

والواقع أن الفكر الغربي النفطي-الاقتصادي-السياسي، الذي تبنى عليه السياسات الخارجية للولايات المتحدة وبعض الدول الغربية تجاه الدول النفطية مبني بشكل عدائي ضد الدول النفطية بناء على أخبار ومفاهيم خاطئة، وفي بعض الأحيان كاذبة تماما. من هذا المنطلق يجب إعادة النظر في ذلك التاريخ وتصحيحه.

القصة من وجهة نظر الغرب

يرى الغربيون أن العرب استخدموا النفط كسلاح فقاموا بقطع إمدادات النفط عن بعض الدول الغربية للضغط عليها لوقف دعم إسرائيل بالسلاح وإجبار إسرائيل على التراجع إلى حدود 1967.  ونتج عن ذلك نقص في إمدادات "الطاقة" وتضاعف أسعار النفط أربع مرات، الأمر الذي هز الاقتصاد العالمي فنتج عنه كساد في اقتصاديات الدول الغربية، صاحبه زيادة كبيرة في التضخم والبطالة.  ونظرا لأن الدول الغربية ترفض تدخل الدول العربية في سياساتها فإنها قامت بتبني سياسات عديدة تهدف على تخفيف الاعتماد على النفط بشكل عام، وتخفيض الاعتماد على واردات النفط من الشرق الأوسط، وتنويع مصادر واردات النفط.  كما تبنت بعض الدول التي تملك احتياطيات نفطية سياسيات تهدف إلى زيادة إنتاج النفط المحلي مثلما حصل في ألاسكا في الولايات المتحدة وفي بحر الشمال بين بريطانيا والنرويج.

القصة من وجهة نظر العرب

القصة الشائعة لدى الناس أن العرب استخدموا سلاحهم العتيد "النفط" وأنهم "ركعوا" العالم الغربي، ولهذا يعتقد الناس حاليا أنه يجب إعادة استخدام هذا السلاح.  وطبعا يتم بالاستدلال بما نشر الغرب عن حالة الكساد والتضخم والبطالة التي ضربت الدول الصناعية، وكيف أن سلاح النفط سلاح فتاك.

وأقول "القصة الشائعة بين الناس" لأنه كان هناك بعض الكتابات والآراء التي نظرت إلى الموضوع نظرة مغايرة لما هو شائع عند الناس.

التسمية: هل هي مقاطعة عربية نفطية؟

الأمر المؤسف أن كثيرا مما كتب في العالم العربي مأخوذ كما هو من الأعلام الغربي.  كما أن الطلاب العرب من المبتعثين وغيرهم الذين درسوا في الغرب، درسوا التاريخ والسياسة والاقتصاد بناء على النظريات والمفاهيم الغربية للمقاطعة. فدخلت تعبيرات مختلفة إلى الثقافة العربية فيما يخص المقاطعة تتنافى حتى مع أبسط القواعد السياسية في بلادهم.

المقاطعة لا علاقة لها بأوبك، وليس لها علاقة بأوابك، ولا تشمل كل الدول العربية.  فقد شارك في المقاطعة دول عربية، ولما تشارك فيها دول أخرى، بل على العكس، انسحبت الحكومة العراقية من الاجتماع ورفعت إنتاج النفط! وكانت السعودية وبعض دول الخليج تعارض المقاطعة حتى اللحظة الأخيرة.

ونظرا للهجوم الإعلامي والهوليوودي الرهيب على العرب، خاصة في السبعينيات، وترسيخ فكرة أن مأساة الأميركيين سببها العرب في أذهان الأميركيين، فإن الأفضل تسمية المقاطعة بـ"مقاطعة 1973 النفطية" بدون ذكر العرب، أو "مقاطعة أكتوبر (تشرين الأول) النفطية". والذي يريد أن يأخذ منحى سياسي يمكن أن يسميها "مقاطعة حرب رمضان النفطية"! 

ولعل تأثر الإعلام العربي وبعض المثقفين العرب بالثقافة الغربية يتضح عندما نرى مقالات وأخبارا في الصحافة العربية تتكلم عن "الصدمة النفطية الأولى"، إشارة إلى المقاطعة النفطية في عام 1973.  صدمة؟ لمن؟ هل نسوا أنه في الخليج يسمونها "طفرة"؟ 

أكبر خطأ تاريخي: ارتفاع أسعار النفط لا علاقة له بالمقاطعة

أغلب الارتفاع في أسعار النفط وقتها لا علاقة له بالمقاطعة إطلاقا. فقد جاء قرار رفع الأسعار من أوبك قبل المقاطعة بيومين، مدعوما بجهود كبيرة من شاه إيران، والذي استغل أخبار المقاطعة وارتفاع الأسعار وبدأ يبيع النفط الإيراني في الأسواق الحرة للمرة الأولى. قيام الشاه بهذه العملية حرم الشركات العالمية التي كانت تشتري النفط الإيراني بأسعار منخفضة جدا من الحصول على النفط الإيراني فدخلت هذه الشركات الأسواق بقوة لشراء أي نفط يمكن أن تحصل عليه، ومن أي دولة ، وبأي سعر، للوفاء بالتزاماتها لزبائنها، فاستمرت أسعار النفط بالارتفاع.  هنا ظن الإعلاميون والسياسيون أن المقاطعة هي السبب، أو أنهم أُقنعوا أنها السبب.

مع استمرار أسعار النفط بالارتفاع، دخل المستثمرون والمضاربون على الخط، وبدأوا بتخزين النفط، الأمر الذي أسهم في استمرار تناقص الإمدادات. ونظرا للارتفاع الشديد في الأسعار خلال فترة قصيرة، وجدت المصافي نفسها في وضع غريب: إعادة بيع النفط الخام يدر أرباحا أكبر بكثير من عمليات التكرير، فقامت بالتجارة في النفط الخام، الأمر الذي يفسر جزءا من نقص إمدادات البنزين والمنتجات النفطية، وما عرف لاحقا بـ"طوابير البنزين".

ثاني أكبر خطأ تاريخي: المقاطعة لم تسبب أزمة الطاقة الأميركية و"طوابير البنزين"

أزمة الطاقة الأميركية بدأت في نهاية الستينيات وبدأت بالتفاقم في عام 1972.  وكان أحد أسباب تفاقهمها هو تخبط سياسات الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، التي نتج عنها شح في إمدادات الطاقة ككل، وليس في المنتجات النفطية فقط،  قبل المقاطعة النفطية بفترة طويلة. وكانت حكومة نيكسون تبنت عدة سياسات بيئية بشكل سريع ومفاجئ، نتج عنها شح في إمدادات البنزين بالذات، حيث أجبرت المصافي على إنتاج بنزين خالي من الرصاص، ثم قامت بتبني سياسة تسعير حكومية للنفط الخام والمنتجات النفطية. نتج عن ذلك طوابير البنزين المشهورة، التي مازالت صورها تظهر من حين لآخر، والتي يمكن مشاهدة صور عديدة منها في حسابي في تويتر.

خلاصة القول إن من يقل إن المقاطعة هي سبب الأزمة النفطية في الولايات المتحدة وقتها إما جاهل أو كاذب، ومن يقل إن المقاطعة سببت طوابير البنزين، فهو ناكر للحقيقية.  ومن المؤسف أن وسائل الإعلام الغربية والعالمية تنشر صورا اليوم تقول إنها طوابير البنزين بسبب المقاطعة النفطية العربية في عام 1973، وهذا كذب صريح لأن أغلب هذه الصور من فترة ماقبل المقاطعة، ولاعلاقة للمقاطعة فيها.

تساؤل ينقض الروايات الشائعة

إذا كانت المقاطعة هي سبب تضاعف أسعار النفط أربعة مرات، فلماذا لم تعد أسعار النفط إلى ماكنت عليه قبل المقاطعة، علما بأن المقاطعة استمرت فعليا شهرين؟ لماذا بقيت أسعار النفط بعد انتهاء المقاطعة في مستويات فترة المقاطعة؟ 

عدم عودة الأسعار إلى ما كانت عليه يدل على أمرين، الأول أن أغلب الارتفاع الشديد في الأسعار لا علاقة له بالمقاطعة، والثاني أن أزمة الطاقة الأميركية موجودة قبل المقاطعة بسنوات.

وهناك أدلة كثيرة على هذا، أذكر بعضها هنا: نشرت مجلة التايم الأميركية مقالا يوم 22 مايو (أيار) من عام 1972، قبل المقاطعة بسنة وأربعة شهور تقريبا، بعنوان "للسنة الثالثة على التوالي تعاني الولايات المتحدة شحا في إمدادات الوقود والطاقة"، وفي أخر عام 1972، نشرت مجلة التايم مقالا يوم عيد الميلاد، وقبل المقاطعة بتسعة شهور، ذكرت فيه ما ترجمته "تم تحذير الأميركيين من حدوث شح في إمدادات الوقود في الطاقة في الشتاء منذ عام 1970!".  هذا قبل المقاطعة بأربعة سنوات!

هل حققت المقاطعة النفطية أهدافها المعلنة؟

هدف المقاطعة الأساسي كان وقف الدول الغربية للدعم العسكري لإسرائيل ورجوع إسرائيل إلى حدود 1967.  لهذا لم تحقق المقاطعة أهدافها "المعلنة"، فإسرائيل لم تتراجع إلى حدود 1967 كما كان مشروطا لإنهاء المقاطعة، وأميركا والدول الأوروبية لم تتوقف عن دعم إسرائيل. إلا أن الخبراء يرون أنه كانت هناك أهداف غير معلنة أسهمت في النهاية في استقرار المنطقة ومنعها في دخول ربقة الشيوعية أو تحت سيطرة القوميين العرب.  وعلينا أن نتذكر هنا أن هناك العديد من التصريحات للملك فيصل والملك عبد الله (كان الملك عبد الله وقتها أميرا) رحمهما الله، ضد استخدام النفط كسلاح، وضد فرض أي مقاطعة.  باختصار،  كانا ضد تسييس النفط.

والحقيقة أن الدول العربية بشكل عام والمنتجة للنفط بشكل خاص دفعت ثمنا كبيرا جدا للمقاطعة، على الرغم أن المقاطعة لم تكن سببا في ارتفاع أسعار النفط والأزمات الاقتصادية التي عانت منها الدول الصناعية. فقد نجح الغرب في استخدام المقاطعة النفطية كغطاء لكل مشكلاته في مجال الطاقة ولام العرب عليها.  ونتج عن ذلك انخفاض كبير في الطلب على النفط، وتمكن الغرب من زيادة إنتاجه من النفط بأكثر من 5 ملايين برميل يوميا، الأمر الذي نتج عنه انهيار الأسعار في الثمانينيات.  وجاء هذا الانهيار على الرغم من خسارة النفط العراقي والإيراني في تلك الفترة بسبب الحرب العراقية الإيرانية. ونتج عن ذلك كساد اقتصادي في الخليج، وعجز في الموازنات لفترة طويلة من الزمن.

نهاية أود أن أذكر أن الحديث في هذا المجال ذو شجون، وتتداخل معه أمور عاطفية وسياسية كثيرة ومتعددة الجوانب. هذا المقال يهدف إلى إبراز الواقع مجردا من أي عواطف أو أهواء سياسية، كما فهمته من بحثي الطويل في هذا الموضوع.  

المزيد من آراء