ملخص
أعرب ناشطون صحيون إثيوبيون عن قلقهم من الاتفاق الذي وقعته بلادهم مع الولايات المتحدة، متسائلين كيف تجمع هذه البيانات؟ وكيف تحفظ؟ وما الضمانات التي تمنع تسريبها إلى جهات خارجية؟
أثارت الاتفاقات الصحية التي أبرمتها الولايات المتحدة مع عدد من الدول الأفريقية جدلاً واسعاً، ومعارضة شديدة بين هذه الدول ونشطاء حقوق الإنسان.
إذ عارضت بعض الدول هذا الاتفاق، بينما لم تقبله دول أخرى بصورة كاملة، ومنها غانا وزامبيا وزيمبابوي، فيما وقعت إثيوبيا الاتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2025.
وعلى رغم أن الولايات المتحدة تزعم أن الاتفاق يهدف إلى تعزيز المناعة والنظم الصحية، فقد أعربت منظمة "هيومن رايتس ووتش" عن قلقها، وذكرت في بيان لها صادر يوم الـ28 من يونيو (حزيران) الماضي، أنها درست اتفاقات مع إثيوبيا وكينيا ورواندا وأوغندا ونيجيريا وموزمبيق لتزويد الولايات المتحدة ببيانات صحية.
وحذرت المنظمة من أن هذه الاتفاق قد يعرض أمن البيانات الصحية الشخصية للخطر، بخاصة وأن الاتفاق ينص على أن تبادل البيانات سيحصل من جانب واحد، فالولايات المتحدة لا تقدم أي بيانات لإثيوبيا، لذا يبدو أنها تريد بيانات من إثيوبيا حول الأمراض المعدية.
وأعرب ناشطون صحيون إثيوبيون عن قلقهم من الاتفاق الذي وقعته بلادهم مع الولايات المتحدة، متسائلين كيف تجمع هذه البيانات؟ وكيف تحفظ؟ وما الضمانات التي تمنع تسريبها إلى جهات خارجية؟ ولفتوا إلى أن المعلومات الجينية، على وجه الخصوص، تعد مدخلاً أساسياً لشركات الأدوية، وأن تسريبها إلى جهات خارجية من دون إذن يعد "غير قانوني".
من جهته، كتب الطبيب الإثيوبي أبيبايهو نيغوسي، الأستاذ المساعد في علوم صحة المجتمع في كلية الطب بجامعة ولاية بنسلفانيا الأميركية، على منصبة "إكس"، "البيانات الصحية التي تجمع من الأفراد او المراكز الصحية التي تشمل السجلات الطبية وسجلات التطعيم ونتائج الاختبارات المعملية، وغيرها من المعلومات التي يجري الحصول عليها من الأفراد أثناء مراجعاتهم الطبية للمستشفيات، تعد معلومات شخصية لا ينبغي مشاركتها مع أية جهة إلا في إطار مساعدة المريض للوصول إلى العلاج المناسب، بخاصة وأنها تتضمن معلومات شخصية مثل العمر والجنس والدخل والظروف العائلية والمعيشية والحالة الاجتماعية ومعلومات الهوية العامة".
ويضيف أن المعلومات المتوافرة حول الاتفاق الأخير بين أديس أبابا وواشنطن يتضمن تقديم الأولى كل تلك المعلومات، إلى جانب سجلات التطعيم والبيانات الجينية ومعدلات المواليد والوفيات والأمراض المزمنة وغيرها من المعلومات المماثلة.
ويرى المتخصص في الجانب الطبي أن خطورة مثل هذه الاتفاقات كونها تتيح إمكان الوصول إلى البيانات الصحية التي يجري توثيقها من خلال استطلاعات رأي المجتمع، للاستفادة منها كمدخلات لعمل المنظمات الأجنبية العاملة في البلاد.
غياب الشفافية
ويضيف أبيبايهو بما أن تفاصيل الاتفاق لم تنشر بصورة كاملة "فليس من الواضح ما هي المعلومات التي تسعى الولايات المتحدة إلى الحصول عليها من إثيوبيا"، موضحاً أن الاتفاق ظاهرياً يبدو وكأنه تبادل معلومات، لكن من الواضح أن الولايات المتحدة لا تقدم أي بيانات لإثيوبيا، مما يعني أن تقديم البيانات الصحية سيجري من جانب واحد، كما يشير عدد من المنظمات المستقلة.
ويتابع "على رغم زعم إثيوبيا أن الاتفاق سيسهم في تعزيز النظام الصحي، إلا أن تساؤلات بعض الدول توحي بشيء ما"، وأن الاتفاق يخدم طرفاً على حساب آخر.
ويؤكد أبيبايهو أن الطرفين الذين وقعا الاتفاق كشفا عن أن الولايات المتحدة ستقدم لإثيوبيا مليار دولار على مدى خمسة أعوام، وأن هناك إمكان لزيادة هذا المبلغ بمقدار 150 مليون دولار بناء على أداء المشروع.
أخطار تسريب البيانات
وتابع قائلاً إن الدول المتقدمة تحتاج إلى مثل هذه المعلومات للسيطرة على تفشي الأمراض والاستجابة لها بسرعة في موقع الحدث، إذ تسعى شركات الأدوية الخارجية إلى الحصول على بيانات صحية فردية وجماعية، وتعد البيانات الجينية على وجه الخصوص مصدراً عظيماً لبحوث وإنتاج الأدوية.
وتساءل "لكن في المقابل ماذا ستستفيد إثيوبيا؟ والسؤال الأهم لماذا لم ينشر نص الاتفاق حتى الآن أو المصادقة عليه من البرلمان الإثيوبي، هذا يثير عدداً من الشكوك".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وشدد على ضرورة تبني الشفافية من الحكومة الإثيوبية، التي ينبغي أن تجيب عن أسئلة المتخصصين، سيما في ما يتعلق بكيفية جمع البيانات وحمايتها؟ وما الضمانات لعدم نقلها إلى أطراف ثالثة؟ وهل ثمة اشتراطات تنص على ذلك في الاتفاق؟ وإذا جرى نقل المعلومات إلى طرف ثالث من دون إذن ومن دون تحديد الغرض الذي سيجري استخدامها من أجله، فإن ذلك يعد "انتهاكاً للقانون". وشدد على أن قانون حماية البيانات الشخصية الإثيوبي رقم 1321/2016 ينص على أن البيانات الجينية تعني البيانات الشخصية التي تحتوي على الخصائص العامة للفرد، التي يجري توريثها أو اكتسابها بصورة طبيعية، وتوفر معلومات محددة حول فيزيولوجيا الفرد أو صحته، بناء على تحليل العينات البيولوجية المأخوذة من الفرد، ومن ثم فإن استخدامها من دون علم الشخص وإذنه، وخارج الظروف التي قد تسمح باستخدامها يثير القلق.
ورأى أن هذه مسائل غاية في الدقة والأهمية وتحتاج إلى معالجات شفافة وذات صدقية، بخاصة وأن دولاً أفريقية عدة رفضت الاتفاق مثل زمبابوي، فيما ألغت دول أخرى الاتفاق بعد احتجاجات واسعة مثل كينيا، التي أوقفت الاتفاق بعد حكم قضائي نافذ أقر بأنها تخالف الشروط القانونية.
شروط مغايرة
من جهته، يرى تشومي تولا، الناشط في "حزب الازدهار" الحاكم، أن أي اتفاقات ثنائية بين الدول تخضع لشروط محددة تخص كل دولة، مشيراً إلى أن الاتفاقات المعروضة على زمبابوي وكينيا أو غيرهما من الدول ليست مطابقة لذلك الاتفاق الذي وقعته بلاده مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن ليس ثمة نص واحد، بل إن الاتفاقات عموماً تخضع للنقاش بين الطرفين حتى التوصل إلى صيغة مشتركة، ومن ثم لا يمكن الاعتماد على الاعتراضات التي حدثت في دول أفريقية أخرى وإسقاطها على ما جرى توقيعه بين أديس أبابا وواشنطن.
ويرى أنه من اللافت أن الاعتراضات صدرت من ناشطين قالوا بأنفسهم إنهم لم يضطلعوا على نص الاتفاق، مما يؤكد أن الأمر له علاقة بالخلافات السياسية مع الحكومة، وليس بالضرورة لوجود ثغرات مقلقة في الاتفاق.
ويوضح أن "الاتفاق الذي جرى توقيعه العام الماضي لم يدخل بعد حيز النفاذ، وأنه سيعرض للجهات التشريعية للمصادقة عليه، ومن ثم لا داعي لكل هذا القلق".
التسييس هو المشكلة
ويرى تولا أن المعلومات المتوفرة تؤكد أن الاتفاق يشمل على جزئين صحي ومالي، الأول يتعلق بتوفير قاعدة بيانات صحية ستجرى حولها أبحاث معمقة من المؤسسات البحثية والصحية الأميركية، مما سيسهم في إعداد تصور متكامل للوضع الصحي في البلاد، ومن ثم مضاعفة الجهود الوقائية من الأوبئة والأمراض المحتملة، أما الجزء الثاني فيتعلق بمساهمة الولايات المتحدة في تمويل مشاريع صحية عدة، بقيمة تتجاوز مليار دولار خلال الأعوام الخمسة المقبلة.
ويختم تولا إفادته بالقول "على رغم بعض الاعتراضات من العاملين في المجال الصحي، لجهة حرصهم على سرية البيانات الشخصية للمرضى، فإن ما ينبغي إدراكه أن قاعدة البيانات المطلوبة لا تتعلق بالمعلومات الشخصية للأفراد، بقدر ما تركز على الأمراض الأكثر انتشاراً وشيوعاً وأسبابها، فضلاً عن دراسة الأسباب الجينية للأمراض المعدية، في سبيل الوصول إلى وضع وقائي مبكر، إضافة إلى الإسهام في ابتكار الأدوية"، مطالباً الناشطين عدم تسيس الاتفاق الذي سيكون متاحاً لممثلي الشعب في الدورات البرلمانية المقبلة.