ملخص
وزير الأمن يسرائيل كاتس، وعلى رغم تطرقه لملف إيران بعد إلغاء القرار لم يردّ على أي سؤال بشكل مباشر عن دوافع التأجيل واكتفى بتكرار التفاخر بالعمليتين السابقتين لإسرائيل في إيران "الـ 12 يوماً" و"زئير الأسد"، وألمح إلى أن الهجوم لم يسقط عن طاولة الأبحاث بل إن الاستعدادات لهجوم إسرائيل وما سماه هجوم "أزرق أبيض" في ذروته.
مع الترويج لرفض إيران المقترح الأميركي بفتح مضيق هرمز حتى انتهاء الحرب، اعتبرت إسرائيل احتمال توجيه هجوم مستقبلي أميركي أو أميركي - إسرائيلي على إيران لن يتأخر كثيراً، بل إنها خرجت خلال اجتماع تقييمي بقرار تعزيز جاهزية المؤسسة العسكرية والمنظومتين الجوية والدفاعية ورفع مستوى التأهب والاستنفار في مختلف تشكيلات الجيش إلى أقصى الدرجات، تحسباً لتطورات متوقعة استناداً لتنسيق بين تل أبيب وواشنطن. لكن إسرائيل في الوقت نفسه ما زالت ملتزمة بالصمت ولم تظهر موقفاً واضحاً لدافع الرئيس دونالد ترمب إلى إلغاء الهجوم باستثناء الترويج لبعض تقارير تتحدث عن الخشية من النقص في المعدات القتالية الهجومية والدفاعية، ومن جهة أخرى ما اعتبرته تقارير مسؤولين أمنيين تفيد بأن القرار جاء بعد ضغوط كبيرة وغير مسبوقة من الدول العربية.
مبالغ طائلة
ولم يخفِ مسؤولون عسكريون وأمنيون عدم استيعابهم حتى اللحظة القرار الأميركي، بل أشار بعضهم إلى أن الاستعدادات التي نفذتها المؤسسات العسكرية الأمنية والسياسية إلى جانب الجبهة الداخلية كبدت إسرائيل مبالغ طائلة "تكلفة عمليات باهظة ومستنزفة وضعت المؤسسة الأمنية برمتها أمام وضع هزيل، بل زعزعت ثقة السكان بمتخذي القرار سواء في المستوى الأمني أو السياسي"، قال مسؤول إسرائيلي، مضيفاً أن القرار أدى إلى إرباك عسكري وسياسي في تل أبيب، والأخطر انعكاساته من حيث التداعيات الاستراتيجية على إسرائيل "جراء نمط ترمب المتكرر والمتقلب والذي يبقي إسرائيل في حالة ضبابية".
الصمت الإسرائيلي جاء بعد أن تحدث عسكريون وأمنيون عن الأضرار التي لحقت بالقدرات العملياتية للجيش الإسرائيلي وإضعافها، وبحسب المسؤول الإسرائيلي ذاته "الأمر في غاية الضبابية والقلق، فللمرة الثانية خلال أسبوع، أبلغت الولايات المتحدة إسرائيل بهجوم مخطط له قد يزعزع استقرار الشرق الأوسط، لكنه أُلغي في اللحظة الأخيرة من دون أي تفسير، ومن جهتنا قمنا بتجهيز وتحضير آلاف الجنود والمنظومات الهجومية والدفاعية وحتى تم فتح الملاجئ وألغيت برامج، كذلك كان مسؤولو الأمن يستعدون لتصعيد إقليميّ خلال نهاية الأسبوع الماضي، ضمن استعدادات استمرت أسابيع".
الغضب الذي يعبر عنه مسؤولون أمنيون وعسكريون تجاه الولايات المتحدة وترمب يعكس الموقف الداخلي في إسرائيل، حتى أن مسؤولاً أمنياً قال بكل صراحة "من الصعب الاستعداد والتخطيط بجدية في ظلّ سلوك الرئيس ترمب".
"الـ 12 يوماً" و"زئير الأسد"
وزير الأمن يسرائيل كاتس، وعلى رغم تطرقه لملف إيران بعد إلغاء القرار لم يردّ على أي سؤال بشكل مباشر عن دوافع التأجيل واكتفى بتكرار التفاخر بالعمليتين السابقتين لإسرائيل في إيران "الـ 12 يوماً" و"زئير الأسد". وألمح إلى أن الهجوم لم يسقط عن طاولة الأبحاث بل إن الاستعدادات لهجوم إسرائيل وما سماه هجوم "أزرق أبيض" في ذروته. وبحسب كاتس "الجيش الإسرائيلي مستعد لجميع السيناريوهات، دفاعاً وهجوماً، بما في ذلك التوجيه الذي أصدره رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، والذي أصدرناه نحن أيضاً للجيش، بأن يكون مستعداً لعملية إسرائيلية مستقلة في إيران". وأضاف "لقد سبق ووجهنا لإيران ضربتين بغض النظر عن قرار التأجيل، نحن الآن مستعدون لهجوم، ونتنياهو حقق إنجازاً عندما استطاع أن يجعل الولايات المتحدة تهاجم معنا، نحن اليوم مع جيش مستعد ومتدرب على أهبة الاستعداد بالهجوم وأيضاً بالتنفيذ وتحقيق الأهداف".
كاتس الذي أخفى قلق وإرباك المستوى السياسي بعد قرار ترمب فوجئ كغيره من متخذي القرار وبينهم رئيس الحكومة، بإلغاء الهجوم على إيران، ولم يعلم أحد بالقرار، بل أعلنت تل أبيب أن واشنطن لم تبلغها عبر أي طرف من قبلها بأي تغيير في الخطط خلال الساعات التي سبقت الإعلان. ونقلت القنوات الإسرائيلية عن مسؤول عسكري أن الجيش رفع مستوى تأهّبه بناء على تقييمه بأن الهجوم الأميركي هذه المرة سيُنفَّذ بالفعل. وقدّرت إسرائيل بأن أي عملية عسكرية واسعة النطاق في إيران، ستؤدي على الأرجح إلى انخراط إسرائيل في التصعيد، لذلك وُضع العديد من الكتائب بالجيش الإسرائيلي في حالة تأهّب قصوى.
وما زاد استغراب الإسرائيليين أنه قبل موعد الهجوم جرت محادثات بين قيادة أركان الجيش والقيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، ولم يكن هناك ولا حتى أي تلميح بإمكان إلغاء الهجوم. علماً أن الذريعة التي يتحدثون عنها والمتعلقة بكمية الأسلحة والمعدات القتالية لا تتناسب وهذه الوضعية التي أدت إلى إلغاء مباشر ومباغت، بحسب تعبير الإسرائيليين، ما يزيد احتمالات التوقعات أن ما أدى إلى اتخاذ هذا القرار هو ضغط الدول العربية، وهو جانب زاد من القلق الإسرائيلي الذي استخلص خلال اجتماع عقد، الإثنين الماضي، بين أمنيين وعسكريين سابقين، أن تصريحات وزير الأمن وما يسرّب من قبل متخذي القرار بإمكانية تنفيذ هجوم قريب غير مؤكدة لأن الدول العربية ستواصل ضغطها وستعمل كل جهدها لمنع هذا الهجوم خشية رد إيران على أهداف استراتيجية وعسكرية لها.
الإسرائيليون في ظلام
تعابير عدة وصفات كثيرة للإسرائيليين بعد قرار ترمب، وبينها صفات للرئيس الأميركي نفسه بالمريض النفسي والمتقلب، واعتبر الإسرائيليون أنهم في حالة ضبابية. وقال كبار المسؤولين الأمنيين عن الساعات التي تلت إلغاء الهجوم إنها "فترة من عدم اليقين غير المعتاد. لقد تركَنا الرئيس ترمب في الظلام. نحن نسير في الظلام". والأكثر من هذا فإن جهات إسرائيلية أمنية وسياسية عدة قالت إنها علمت بالقرار من خلال منصات شبكات التواصل الاجتماعي الخاصة بالرئيس ترمب.
البعض اعتبر ذلك تعبيراً عن استهتار ترمب أيضاً برئيس حكومتهم، بنيامين نتنياهو، وقالوا إنه أشبع نتنياهو أوهاماً خلال جلسة واشنطن بكل ما يتعلق بالملف الإيراني والتنسيق والتوافق بينهما.
في مقابل هذا الوضع، الجيش الإسرائيلي روّج إلى استمرار حالة الطوارئ الحربية وأعلن عن مناورات شاملة لتشكيلات الجيش براً وبحراً وجواً، ولمنظومات الدفاع والهجوم، تجرى في الشمال والمركز والجنوب وهي مستمرة حتى مساء الثلاثاء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
استراتيجيات جديدة
إزاء هذا الوضع الذي آلت إليه تل أبيب في أعقاب قرار ترمب والقلق من قرارات مماثلة في المستقبل أو التوصل إلى اتفاق مع إيران لا يصب في مصلحة إسرائيل ولا يلبي مطالبها، تعالت الأصوات الداعية إلى البحث عن سياسة واستراتيجيات جديدة لإسرائيل.
كبير المسؤولين السابقين في "الموساد" والاستخبارات الإسرائيلية، حاييم تومر، دعا إلى خلق سياسة جديدة لمواجهة إيران بعيداً من التعلق والارتباط بالولايات المتحدة والرئيس ترمب، وفي مركزها خلق تحالفات استراتيجية جديدة. كذلك دعا الحكومة الحالية والحكومة المقبلة إلى بناء قوة إسرائيلية مستقبلاً من دون الاعتماد فقط على القوة العسكرية إنما على التحالفات والشراكات الاستراتيجية التي تضمن لها الحفاظ على أمنها القومي. ورأى أن التحديات الرئيسة التي على إسرائيل وأي حكومة تكمن في مواجهة الوضع الحالي لمنع تآكل مكانة إسرائيل الدولية "تكمن الخطورة في العبء الأمني والتآكل الذي يعاني منه الجيش الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية وكل الدولة منذ ثلاث سنوات نتيجة النشاطات المتواصلة والكثيفة في ست جبهات". ولفت إلى أن إيران ما زالت تمثل التهديد المركزي لإسرائيل ويتطلب الوضع ردوداً على المستوى الاستراتيجي "يكمن جوهر التحدي في احتمال سعي طهران إلى الوصول للمجال النووي في المستقبل القريب، واستخدام اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، الذي تمتلكه لإنتاج منشأة نووية عسكرية".
من جهة أخرى، بعد حرب "زئير الأسد" و"شعب كالأسد" أصبح من الواضح "أن إسرائيل وحدها لا تملك القدرة على هزيمة إيران"، يحسم حاييم تومر، مؤكداً أن هزيمة إيران تحتاج إلى شراكة دولية واسعة، كانت حجر الزاوية في استراتيجية إسرائيل منذ عام 2002، و"سيكون من الصحيح لأي حكومة جديدة إعادة تبني هذه الاستراتيجية. الخطوة التالية المطلوبة هي سلسلة إجراءات دبلوماسية، علنية وسرية، لتشكيل تحالفات تعمل على فرض نظام نووي جديد وتقييد قوة النظام في طهران".
مفهوم أمني جديد
حاييم تومر، ومن خلال تجربة عمله الاستخباري والأمني رأى أن الخطوة الأولى في بناء التحالفات التي تحدث عنها تتمثل في بناء مثل هذه التحالفات بصياغة مفهوم أمني جديد يتناسب مع مستوى التهديدات التي تواجه إسرائيل، ومواقف الجهات الفاعلة المعنية، و"من شأن مبادرة إسرائيلية لإغلاق جبهات قتال أن تعزز بشكل كبير دوافع الجهات الإقليمية والدولية من أجل العمل مع إسرائيل ضد إيران". ولفت إلى ضرورة سعي إسرائيل لإغلاق جبهتي سوريا ولبنان من خلال اتفاقيات أمنية وحتى سياسية، مستبعداً أن ينجح أي اتفاق بين لبنان وإسرائيل في نزع سلاح "حزب الله" على رغم ما يحمله الاتفاق من أهمية "لأنه سيسهم في كبح تعزيز قدرته العسكرية، ويتحقق ذلك من خلال الالتزامات التي تمنعه من استخدام الموانئ والمطارات في هاتين الدولتين، وتقييد قدرته على استخدام نظام البنوك الوطني والدولي".