ملخص
سحبت منظمة العفو الدولية فرع بريطانيا تقريراً أدرج 117 كياناً بينها كنائس ومنظمات مسيحية ضمن ما سمته "حركة معادية للحقوق"، بعد يومين فقط من نشره وموجة احتجاج واسعة. 11 مؤسسة كاثوليكية وبروتستانتية خاطبت مفوضية الجمعيات الخيرية في إنجلترا وويلز مطالبة بتصويب الصورة والدفاع عن حق المؤسسات الدينية في الجدل العام. المفوضية فتحت ملف امتثال لـ"أمنستي"، فيما تلوح تهديدات بدعاوى تشهير قد تحوّل خلافاً في الرأي إلى نزاع قضائي ومالي مكلف.
في الثامن من يوليو (تموز) الجاري نشر فرع منظمة العفو الدولية في بريطانيا وثيقة بعنوان "تهديد متنامٍ: الحركة المعادية للحقوق في المملكة المتحدة"، رسمت خريطة لـ117 كياناً بريطانياً وصفتها بأنها منظومة واحدة تتقاسم القيم والأهداف والأساليب، وتعمل على تقويض حقوق النساء والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي والعابرين جنسياً. وبعد يومين فقط اختفت الوثيقة من الموقع الإلكتروني للمنظمة، ثم أُعلن لاحقاً سحبها نهائياً.
و"العفو الدولية" أو (أمنستي) منظمة حقوقية عالمية أسسها المحامي البريطاني بيتر بنينسون عام 1961 للدفاع عن سجناء الرأي، وفرعها في المملكة المتحدة واحد من 72 كياناً وطنياً، ويعمل من مقره في لندن ككيان قانوني ومالي مستقل مسجل كجمعية خيرية.
استند تقرير أمنستي إلى بيانات مالية وتنظيمية، فقال إن أكثر من 60 في المئة من الكيانات التي رصدها نشأت بعد 2017، وإن 37 منها أنفقت ما يزيد على 144 مليون جنيه استرليني بين 2019 و2024، وأشار إلى أن واحداً من كل ثلاثة من هذه الكيانات مسجل كجمعية خيرية، مما يتيح له طلب التمويل المؤسسي والاستفادة من نظام الإعفاء الضريبي على التبرعات المعروف باسم (Gift Aid)، وحدد الإنفاق الأكبر في خانة "منظمات السياسات والمناصرة المسيحية المحافظة جداً" بنحو 46.7 مليون جنيه، تليها الفروع البريطانية لجماعات أميركية بـ43.9 مليون، ثم المنظمات المناهضة للإجهاض بـ35.8 مليون.
ولم يقف التقرير عند التوصيف، بل أوصى مفوضية الجمعيات الخيرية بمراجعة منح الصفة الخيرية للمنظمات التي "تدعو إلى إزالة حماية حقوق الإنسان أو تستهدف الأقليات"، وبتشديد معايير اختبار المنفعة العامة. ودعا هيئة الخدمات الصحية الوطنية إلى التحقيق في نشاط مراكز الحمل الطارئ ووقف إحالة المريضات إليها، وطالب الجهات المانحة بتشديد إجراءات التدقيق قبل تمويل هذه المنظمات وتخصيص أموال لمراقبتها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شكوى المنظمات
بعد 20 يوماً وجّهت 11 مؤسسة كاثوليكية وبروتستانتية رسالة مفتوحة إلى رئاسة مفوضية الجمعيات تطالبها بأمرين: التأكيد على حق الجمعيات في المشاركة بالنقاش العام حول القضايا الأخلاقية الخلافية من دون وصمها بأنها تهديد لحقوق الإنسان، والاعتراف بأن الجمعيات المسيحية العاملة في قضايا قدسية الحياة والأسرة والحقوق القائمة على الجنس البيولوجي تقدم إسهاماً مشروعاً في الحياة العامة.
نسّق الرسالة تحالف "التحالف الدولي للدفاع عن الحرية"، ووقّعها مديرو ورؤساء منظمات "كير" و"كريستيان كونسيرن" و"المعهد المسيحي" و"زمالة الأطباء المسيحيين" و"التحالف الإنجيلي" و"الرابطة الطبية الكاثوليكية" و"بريمير كريستيان ميديا" و"أنغليكان مينستريم" و"أفينيتي" و"لافوايز".
وتتلخص اعتراضات الموقعين في أربع نقاط، الأولى أن جمع 117 كياناً متباين الرسالة والفلسفة في "منظومة واحدة" تعميم متسرع، إذ تضم القائمة صحفاً مسيحية وهيئات مهنية ورابطات طبية ومجموعات قاعدية ومراكز لدعم النساء الهاربات من العنف، ولا يجمع بينها في الغالب سوى اختلافها مع أمنستي في ملفات محدودة.
أما النقطة الثانية فهي أن وصف "معاداة الحقوق" مقلوب، لأن بعض هذه المؤسسات أنشئ أصلاً للدفاع عن حريات أساسية منصوص عليها في المواثيق الدولية. والثالثة أن الحادثة ليست منفردة، فالرسالة تستشهد بمدونة نشرتها أمنستي في يونيو (حزيران) 2025 عن 65 "جماعة معادية للحقوق"، وبتقرير صدر في مايو (أيار) الماضي بعنوان "مثل كرة الثلج" قدّم لوسائل الإعلام توصيات تحريرية بعدم تأطير القضية باعتبارها "نقاشاً". وبالنسبة إلى النقطة الرابعة فهي أن توصيات التقرير تشكل دعوة صريحة إلى التمييز عبر نزع الأدوات والموارد التي تتيح لهذه المنظمات الاستمرار.
واستندت الرسالة إلى موقف سابق للمفوضية نفسها عام 2023، عقب حكم محكمة الطعون في نزاع بين مؤسستي "ميرمايدز" و"إل جي بي أليانس"، قالت فيه "إن على الجمعيات أن تنخرط في النقاش العام باحترام وتسامح، وإن شيطنة المختلفين سلوك غير مقبول من أي جمعية مسجلة".
أمنستي والمنظم
الفرع البريطاني لمنظمة العفو الدولية لم يدافع عن المضمون. قال إنه يأسف لرفع الوثيقة إلى موقعه من دون المرور بمسارات المراجعة الداخلية المقررة، وإن لغتها لا تعكس موقف المنظمة، ولهذا سُحبت سريعاً، مؤكداً أنه لن يعيد نشرها وأنه فتح مراجعة داخلية وأخطر المنظم ببلاغ حادثة خطرة. وشدد على أنه يبقى ملتزماً بالدفاع عن حقوق النساء وحقوق العابرين جنسياً معاً، وأن الحماية الحقوقية تكون أقوى حين تسري على الجميع من دون إفراد أي جماعة بمعاملة جائرة، أما الأمانة الدولية للمنظمة فنأت بنفسها، وقالت إنها لم تشارك في إعداد التقرير وإنها تنتظر نتائج مراجعة الفرع البريطاني وتؤيد قرار السحب.
بعد تقييم أولي، أعلنت مفوضية الجمعيات الخيرية فتح "ملف امتثال تنظيمي" لبحث الشكاوى المتعلقة بالوثيقة، وقالت إنها تتواصل مع أمناء الصندوق الخيري التابع لأمنستي لجمع مزيد من المعلومات. وملف الامتثال درجة وسطى بين التقييم الأولي والتحقيق القانوني الرسمي، وقد ينتهي بإرشادات وتوجيهات تنظيمية، أو بإنذار رسمي، أو بالتصعيد إلى تحقيق قانوني كامل يمنح المنظم صلاحيات أوسع، أو بإغلاق الملف من دون إجراء.
الجبهة المسيحية ضد أمنستي ليست وحدها. فقد أرسل مكتب محاماة نيابة عن مركز "بيراز بليس" إنذاراً يصف التقرير بأنه تشهيري ويطالب باعتذار علني، وسحب دائم تحت طائلة التقاضي، وعرضت مؤسِّسة المكتب جيه كيه رولينغ تمويل الكلف القانونية لمنظمات أخرى ترغب في المقاضاة. وفي الـ16 من يوليو خاطبت منظمة "سكس ماترز" ومعها نحو 40 كياناً رئيسة المفوضية، بينما قُدّم في مجلس العموم طلب مناقشة مبكرة يعبّر عن "قلق بالغ" من التقرير وقّعه ستة نواب. وانضم إلى الانتقادات متبرعون سابقون بارزون بينهم الممثل جون كليز ولاعبة التنس مارتينا نافراتيلوفا.
سوابق الصدام
الخلاف بين أمنستي والأوساط المسيحية ليس جديداً. ففي أبريل (نيسان) 2007 تخلت المنظمة عن حيادها التاريخي تجاه الإجهاض وتبنت سياسة تدعو إلى نزع التجريم عنه وضمان الوصول إليه في حالات الاغتصاب وسفاح المحارم والخطر على حياة الأم أو صحتها. رد الفاتيكان عبر الكاردينال ريناتو مارتينو الذي دعا الكاثوليك والمؤسسات الكاثوليكية إلى وقف تمويلها، معتبراً أنها خانت رسالتها، فيما انسحب الكاردينال الاسكتلندي كيث أوبراين من عضويتها، وحلّت مدارس كاثوليكية أنديتها الطلابية التابعة للمنظمة.
وتكرر الاحتكاك في 2015 حين أقرت المنظمة سياسة تدعو إلى نزع التجريم عن العمل بالجنس بين بالغين برضاهم، وفي 2016 حين اعترض أنغليكان بارزون على إعلانات نشرتها صحيفة كنسية بريطانية لدعم حملة أمنستي لتحرير الإجهاض في إيرلندا. وخاضت المنظمة عبر فرعها في إيرلندا الشمالية حملة مطولة لإلغاء تجريم الإجهاض هناك وضعتها في مواجهة مباشرة مع الأساقفة الكاثوليك والأحزاب المحافظة.
ثمة 3 مسارات مفتوحة أمام الصدام الجديد. الأول تنظيمي وعنوانه ما ستنتهي إليه مفوضية الجمعيات، إذ إن أي توجيه أو إنذار يصدر بحق أمنستي سوف يصبح سابقة يستشهد بها في نزاعات لاحقة داخل القطاع الخيري حول حدود الحملات السياسية. والثاني قضائي، إذ قد تتحول التهديدات بدعاوى التشهير إلى دعاوى فعلية، وهو مسار مكلف مالياً وإعلامياً، ويصبح أثقل إذا تحققت وعود تمويل التقاضي للمنظمات الأخرى. والثالث مؤسسي، ويتعلق بثقة المتبرعين وسمعة العلامة الحقوقية الأقدم في بريطانيا، بعدما نأت الأمانة الدولية بنفسها عن فرعها الوطني علناً.