Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ثالث موجة جفاف تضرب بريطانيا خلال 5 أعوام

نصف إنجلترا يعيش العطش رسمياً ليذكر بأزمة 1976 ويختبر جاهزية البلاد في توفير المياه

سبع مناطق في بريطانيا بينها لندن تصاب بالجفاف رسميا (غيتي) 

ملخص

أعلنت وكالة البيئة في بريطانيا دخول 7 مناطق تضم نصف مساحة البلاد في حال جفاف رسمية، بعد يوليو لم تتجاوز أمطاره 7% من معدله العام، وهبطت في جنوب إنجلترا إلى 1% فقط. الإعلان يأتي في ثاني صيف جفاف متتال، ويعيد إلى الواجهة سجلاً طويلاً للمملكة المتحدة مع شح المياه يمتد أكثر من قرن ونصف القرن، في قلبه صيف 1976 الذي أجبر الحكومة على استحداث منصب وزير للجفاف. وخلف الأرقام سؤال أعمق عن جاهزية بلد يُعرف بأمطاره، لكنه لم يُنجز خزاناً واحداً لمياه الشرب العامة منذ 3 عقود، ويواجه عجزاً متوقعاً بـ5 مليارات ليتر يومياً منتصف القرن.

في بيان صدر ظهر اليوم الأربعاء، أعلنت وكالة البيئة البريطانية أن 7 مناطق بينها العاصمة لندن، دخلت رسمياً في الجفاف، ولفتت إلى أنه إضافة للمناطق السبع التي تشكل نصف مساحة إنجلترا، تمر بقاع واسعة وسط البلاد وشرقها وجنوبها في ما يُعرف بالجفاف الخاطف، الذي ينشأ سريعاً من تضافر أمطار شحيحة مع حرارة مرتفعة.

الأرقام التي استندت إليها الوكالة صادمة بمعايير جزيرة اعتادت الرطوبة. فبعض المناطق لم تشهد يوم مطر واحداً منذ 50 يوماً، فيما صار 78 في المئة من أنهار إنجلترا دون المعدل الطبيعي، وسدس هذه الأنهار في مستوى استثنائي الانخفاض لهذا الوقت من السنة، بينما تراجع مخزون الخزانات إلى 75.3 في المئة، أي 7.4 في المئة تحت المعدل طويل الأمد.

وفرضت سبع شركات مياه قيوداً موقتة على الاستخدام تشمل 23 مليون مشترك، أي قرابة 40 في المئة من سكان إنجلترا، كما فُرض 1506 قيود على رخص السحب من المجاري المائية، وسُجل 110 حرائق برية في مواقع ذات أهمية علمية خاصة.

وتتزامن هذه الحصيلة مع موجة الحر الرابعة في البلاد هذا العام، بعد ثلاث موجات سابقة تضمنت 12 يوماً متتالية تجاوزت فيها الحرارة 30 درجة مئوية، مع بلوغ الحرارة اليوم ذروتها عند نحو 35 درجة في جنوب شرقي إنجلترا.

قالت هيلين ويكهام، مديرة قطاع المياه في وكالة البيئة ورئيسة المجموعة الوطنية للجفاف، إن البلاد "تستهلك المياه أسرع مما تستطيع الطبيعة تعويضه"، واصفة تكرار الجفاف صيفين متتاليين بالوضع الخطر الذي ستمتد آثاره طويلاً على البيئة والحياة البرية والاقتصاد. أما وزيرة المياه إيما هاردي فربطت الأمر مباشرة بتغير المناخ، معتبرة أن على البلاد الاستعداد لهذا "الوضع الطبيعي الجديد"، ومشيرة إلى استثمارات قياسية في البنية التحتية تشمل تسعة خزانات جديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أزمة وطنية

الأزمة لا تقتصر على إنجلترا. فقد أعلنت هيئة "الموارد الطبيعية" في ويلز قبل أيام دخول شمال ويلز وحوض "السيفرن" الأعلى في حال جفاف، بعدما تلقت المنطقة أقل من اثنين في المئة من أمطارها المتوقعة للشهر، فيما انتقلت بقية أحواض جنوب غربي ويلز إلى مرحلة "الطقس الجاف الممتد". وبذلك صارت ويلز كلها بين جفاف رسمي ووشيك، مع ترجيح أن يكون يوليو (تموز) الأكثر جفافاً في سجلات البلاد منذ نحو 200 عام. وفي اسكتلندا، حذرت وكالة "حماية البيئة" من أن مناطق واسعة في الشرق والجنوب قد تنتقل إلى مستوى الشح الحاد خلال أيام ما لم تهطل أمطار متواصلة.

تاريخياً، الجفاف ليس طارئاً على بريطانيا بل ضيف متكرر. فقد حددت دراسات هيدرولوجية نحو 30 حدثاً جفافاً منذ 1798، فيما تعود دلائل وثائقية إلى أربعينيات القرن الـ18 في هذا الصدد، ويُعد ما يسميه الباحثون "الجفاف الطويل" بين 1890 و1910 هو الأطول زمناً والأكبر من حيث العجز المائي التراكمي في إنجلترا وويلز.

يبقى صيف 1976 المرجع الذي تُقاس عليه كل أزمة لاحقة. فقد بدأ الأمر بصيف جاف عام 1975 تلاه شتاء جاف، ليصبح 1976 أكثر الأعوام جفافاً منذ الحرب العالمية الثانية، مع أطول موجة حر امتدت 13 يوماً فوق 30 درجة غرب لندن، وتراجع مخزون الخزانات والأنهار إلى مستويات قياسية. ومرت على أجزاء من الجنوب الغربي 45 يوماً بلا قطرة مطر خلال يوليو وأغسطس، فيما شهدت أنهار "الدون" و"الشيف" و"شاير بروك" و"مييرز بروك" في مدينة شيفلد، جفافاً تاماً.

الاستجابة السياسية آنذاك كانت غير مسبوقة. إذ أقر البرلمان "قانون الجفاف" وعُيّن النائب دينيس هاول وزيراً للجفاف، وفُرض تقنين للمياه أُغلقت بموجبه الشبكة الرئيسة في أشد المناطق تضرراً، واستُبدلت بصنابير جماعية في الشوارع. ودخل القانون حيز التنفيذ في السادس من أغسطس (آب) بصلاحيات طوارئ تصل إلى قطع الإمداد المنزلي والصناعي، ووُزع صنبور واحد لكل 20 منزلاً في أحياء كثيرة، فيما كان أمام لندن مخزون 90 يوماً وأمام ليدز 80 يوماً في أواخر ذلك الشهر.

تجاوزت كلفة الموسم في جفاف عام 1976 أكثر من 500 مليون جنيه إسترليني خسائر للمزارعين، مع ارتفاع أسعار القمح بنسبة 25 في المئة، وتغير في توزع النباتات في جنوب إنجلترا أصاب أنواعاً حساسة للحرارة مثل شجر الزان. وأدت الأزمة إلى تحول جذري في نظرة الحكومة إلى الجفاف، ودفعت إلى مطالبات بإنشاء هيئة وطنية للمياه تتولى التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.

بعد نحو عقدين، عاد الاختبار في صورة مختلفة، ففي 1995 اضطرت شركات المياه الشمالية إلى نقل المياه بالصهاريج داخل مناطقها لتلبية الطلب، وشهدت خزانات "يوركشير" مستويات حرجة حتى فبراير (شباط) 1996، وصدر 97 أمر جفاف خلال تلك الفترة. وعرف الطريق السريع (M62) مشهداً استثنائياً حين امتلأ أحد مساراته بصهاريج تنقل مياه الشرب إلى خزان يغذي بلدة "هاليفاكس" التي لم يتبق لديها سوى مخزون 10 أيام، في أكبر تعبئة صهاريج بريطانية منذ الحرب العالمية الثانية.

 

دروس مستفادة

ويرى فيليب دافي، الرئيس التنفيذي لوكالة البيئة، أن خمسة عقود من الدروس أنتجت منظومة مختلفة. فقد صارت خطط الجفاف وخطط إدارة موارد المياه لـ25 عاماً إلزامية قانونياً على شركات المياه مطلع الألفية، ثم جعل تشريع الفيضانات وإدارة المياه لعام 2010 من وكالة البيئة جهة استجابة من الفئة الأولى في الطوارئ المدنية. كما افتُتحت خزانات عدة جديدة، وتراجعت نسبة الفاقد من أكثر من 30 في المئة قبل ثلاثة عقود إلى دون 20 اليوم.

لكن الصورة ليست وردية تماماً، فخلال 30 عاماً من عمر وكالة البيئة لم يكتمل خزان واحد جديد لمياه الشرب العامة، بينما زاد عدد سكان إنجلترا 11 مليون نسمة عما كان عليه في 1976، ويُتوقع أن يزيد 8 ملايين أخرى بحلول منتصف خمسينيات القرن. والأدهى أن استهلاك الفرد اليومي كان دون 100 ليتر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وصار نحو 140 ليتراً اليوم، فيما تستهدف الحكومة خفضه إلى 110 ليترات بحلول 2050.

قبل شهرين فقط من الإعلان الحالي، كانت الرسالة قد وصلت من البرلمان. ففي 21 مايو (أيار) 2026 نشرت لجنة البيئة وتغير المناخ في مجلس اللوردات تقريراً بعنوان "النجاة من الجفاف: استعيدوا المطر"، دعا إلى تحسين التخطيط والرصد، والاستثمار في تخزين المياه، وإصلاح نظام رخص السحب، وإشراك المجتمع كله في خفض الطلب. وشدد التقرير على أن إنجلترا "ليست فقيرة بالمطر" لكنها تفشل في تخزينه وإدارته، محذراً من عجز يبلغ 5 مليارات ليتر يومياً بحلول 2055، ومن أن البلاد قد "تسير نائمة" نحو شح مائي خطر.

وطالب التقرير الحكومة بنشر خطة أولويات لحالة جفاف طارئة قبل خريف 2026، وبتشديد معايير كفاءة المياه في المنازل الجديدة إلى حد أقصى 105 ليترات للفرد يومياً، وبجعل شركات المياه جهة استشارية قانونية في قرارات التخطيط الكبرى بما فيها مشاريع الإسكان ومراكز البيانات، وقبلت الحكومة 11 من أصل 17 توصية، وقبلت أربعاً أخرى جزئياً.

العام الماضي كان إنذاراً مبكراً، إذ سجلت إنجلترا أكثر ربيع جفافاً منذ 132 عاماً، وأشد صيف حرارة منذ بدء السجلات عام 1884، ولم تتجاوز أمطارها بين يناير (كانون الثاني) وأكتوبر (تشرين الأول) 83 في المئة من المعدل، وأعلنت "المجموعة الوطنية للجفاف" في أغسطس (آب) نقصاً مائياً ذا أهمية وطنية. كذلك كان 2025 الأدفأ والأكثر سطوعاً للشمس في تاريخ القياسات البريطانية، مع حظر خراطيم شمل قرابة 10 ملايين شخص.

مع إعلان اليوم تكون بريطانيا قد شهدت ثلاث موجات جفاف في خمس سنوات، في 2022 و2025 و2026، بعد تحول دراماتيكي هذا العام من شتاء شديد الرطوبة إلى صيف بالغ الحرارة والجفاف. ويقول عالم الأرصاد ويل لانغ إن مؤشرات أوائل أغسطس (آب) توحي بفترات متقلبة قد تجلب أمطاراً محدودة، من دون أي علامة على الهطول الواسع المستدام الذي تحتاج إليه المناطق الأشد تضرراً.

وتؤكد وكالة البيئة أن الاحتياطات الحالية تكفي للأشهر المقبلة حتى موسم الأمطار المستدام، شرط أن يقلص الجميع استهلاكه ويلتزم القيود المفروضة. لكن الدرس الأعمق الذي تختصره خمسة عقود من التجربة أن الأزمة لا تبدأ حين تتوقف الأمطار، بل حين يتأخر بناء ما يخزنها.

اقرأ المزيد

المزيد من بيئة