ملخص
ولا تزال الحرب المتقطعة بين الولايات المتحدة وإيران تلقي بظلالها على أسواق الطاقة العالمية، إذ يواصل الصراع تقليص تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، في وقت امتدت الاضطرابات إلى البحر الأحمر بعد دخول جماعة الحوثي، المدعومة من طهران، على خط المواجهة.
إرتفعت أسعار النفط مع اندلاع جولة جديدة من التوترات في الشرق الأوسط، في تذكير بالخطر المستمر على التدفقات من المنطقة. وصعد سعر مزيج "برنت" بأكثر من 5% ليتجاوز 88 دولاراً للبرميل، وجرى تداول خام "غرب تكساس" الوسيط قرب 83 دولاراً. وتقلبت أسعار الخام بشكل حاد هذا الشهر، مع تحول الوضع بين الولايات المتحدة وإيران من التصعيد إلى ما بدا كاتجاه نحو المسار الدبلوماسي، قبل أن تعودا لتبادل الهجمات.
ولا تزال الحرب المتقطعة بين الولايات المتحدة وإيران تلقي بظلالها على أسواق الطاقة العالمية، إذ يواصل الصراع تقليص تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، في وقت امتدت الاضطرابات إلى البحر الأحمر بعد دخول جماعة الحوثي، المدعومة من طهران، على خط المواجهة.
في أحدث موجة من التصعيد، وسعت إيران نطاق الضغوط على صادرات الطاقة عبر حلفائها في اليمن، إذ استهدفت هجمات الحوثيين مساراً بديلاً تستخدمه السعودية لتصدير نحو 4 ملايين برميل من النفط يومياً عبر مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.ومن الواضح أن التصعيد الحوثي بات يستهدف أمن الطاقة العالمي ، حيث يرى رئيس أبحاث أسواق النفط الكلية في شركة "وود ماكنزي" آلان غيلدر، أن العالم يقف أمام خيارين لا ثالث لهما، إما استمرار الصراع بما يحمله من تداعيات اقتصادية خطرة، أو التوصل إلى اتفاق مستدام يعيد الإمدادات المقيدة إلى الأسواق العالمية.
استمرار الصراع والركود اقتصادي
يحذر غيلدر من أن استمرار المواجهات في الخليج والبحر الأحمر، حتى بصورة متقطعة، سيؤدي إلى تعطيل صادرات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال لأشهر.
وقد يؤدي ذلك إلى توقف إنتاج ما يصل إلى 12 مليون برميل يومياً من السوائل النفطية، أي ما يعادل نحو 12 في المئة من الإنتاج العالمي، إلى جانب تعطل نحو 86 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، وهو ما يمثل نحو خمس الإنتاج العالمي.
ضغوط متزايدة
يشير التقرير إلى أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى ضغوط متزايدة على سلاسل الإمداد، مع احتمال تعرض بعض الحقول النفطية لأضرار نتيجة توقف الإنتاج لفترات طويلة.
وعلى رغم إعادة تكوين جزء من المخزونات بعد توقيع مذكرة التفاهم، فإن مستويات المخزون العالمي لا تزال منخفضة، فيما تتسارع وتيرة السحب من الاحتياطات التجارية في الأسواق الرئيسة.
واقتربت المخزونات في مركز كوشينغ الأميركي، نقطة تسليم خام غرب تكساس، من الحد الأدنى التشغيلي، الأمر الذي يقلص الكميات المتاحة للتصدير.
ويتوقع التقرير أن تتزايد الضغوط على أسعار الطاقة، لا سيما مع دخول النصف الثاني من الصيف، الذي يمثل ذروة الطلب العالمي على النفط.
وعلى رغم احتمال لجوء الصين إلى استخدام احتياطاتها النفطية الاستراتيجية بدلاً من زيادة وارداتها عند الأسعار المرتفعة، فإن ذلك لن يكون سوى حل موقت.
عوامل تدفع النفط
وقال المتخصص في شؤون الطاقة علي الريامي إن أسواق النفط تمر بحالة تذبذب حادة، نتيجة تداخل عوامل جيوسياسية وأخرى مرتبطة بأساسيات السوق، موضحاً أن الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، واستهداف جماعات مسلحة في العراق، والتهديدات التي تطاول مضيقي هرمز وباب المندب، إلى جانب الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية النفطية الروسية، كلها عوامل تدعم ارتفاع الأسعار.
وأضاف أن انخفاض المخزونات النفطية الأميركية أسهم أيضاً في تعزيز مكاسب الخام، لكنه يرى أن الأسعار الحالية لا تعكس بالكامل حجم الأخطار، وكان من المفترض أن تتجاوز مستوياتها الحالية إذا استمرت هذه التطورات .
تصعيد إضافي
وأشار الريامي في حديثه لبلومبيرغ الشرق إلى أن أي تصعيد إضافي، سواء عبر تعطيل الملاحة في مضيق هرمز أو باب المندب أم فرض رسوم على السفن، سيؤدي إلى ارتفاع كلفة الشحن والتأمين ويزيد الضغوط على أسواق الطاقة العالمية.
ورجح أن يكون مستوى 100 دولار للبرميل هدفاً أكثر واقعية إذا استمر التصعيد، بينما رأى أن بلوغ 120 دولاراً يتطلب تطورات أكثر حدة، مثل اتساع نطاق العمليات العسكرية أو حدوث تعطل واسع في إمدادات النفط العالمية.
هل يمكن التوصل إلى اتفاق؟
يشير التقرير إلى أن الطريق نحو اتفاق لا يزال معقداً، على رغم وجود دوافع قوية لدى الطرفين للعودة إلى طاولة المفاوضات فبالنسبة لإيران، يعني انهيار مذكرة التفاهم فقدان عائدات تصدير النفط التي كانت قد استعادت جزءاً منها، كما تسعى طهران إلى التوصل إلى تسوية للملف النووي قريبة من الاتفاق النووي الذي وقعته عام 2015.
أما الولايات المتحدة، فتواجه ضغوطاً متزايدة من شركائها التجاريين، لا سيما الدول المستوردة للطاقة التي تعاني ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المسال.
لكن التقرير يرى أن التحدي الأكبر بالنسبة للإدارة الأميركية يظل داخلياً، إذ إن استمرار ارتفاع أسعار الوقود قد ينعكس سلباً على شعبية الحزب الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي، خصوصاً إذا تجاوز متوسط سعر البنزين أربعة دولارات للغالون واستمرت الأزمة من دون حل.
هل هي موقتة؟
مع بداية الهدنة الإيرانية - الأميركية يبدو أن هناك فرصة حتى تلتقط سوق النفط أنفاسها، وتستعيد حركة الشحن نشاطها من جديد، في وقت تستند التوقعات إلى أن الحركة عبر هذا الممر المائي الحيوي لن تستعيد سوى جزء من مستوياتها بحلول نهاية العام المقبل، مُقارنة مع التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى عودة كاملة إلى الوضع الطبيعي بحلول أوائل 2027.
وتتوقع "رابيدان" أن ترتفع حركة العبور عبر مضيق هرمز إلى نحو 35 في المئة من مستويات ما قبل حرب إيران بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، ثم إلى نحو 65 في المئة على مدى 2027.
وشهدت أسواق الطاقة اضطرابات واسعة بعدما أدى الانهيار المفاجئ لاتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران إلى تجدد المواجهة العسكرية بين البلدين، في وقت يواصل الحوثيون شن هجمات على سفن الشحن التجارية في البحر الأحمر.
وبحسب محللين فإن سوق النفط العالمية ستظل في حال عجز لمدة عام إضافي في الأقل، لكن هذه الأخطار يقابلها جزئياً ضعف الطلب الصيني، فإذا استقر خام "برنت" ضمن نطاق يراوح ما بين 90 و100 دولار للبرميل، تتوقع الشركة أن تواصل بكين السحب من مخزونات النفط الخام بوتيرة تقل عن 500 ألف برميل يومياً حتى نهاية 2026، قبل أن تستأنف بناء المخزون مجدداً مطلع العام المقبل.
بين الهدنة والحرب
بين من يحدد استمرار هذا الهدوء أو انهياره اتجاه الأسواق العالمية يراقب المستثمرون أيضاً اجتماعات ثلاثة من أكبر البنوك المركزية في العالم، يتقدمها مجلس الاحتياط الفيدرالي الأميركي غداً.
ويشير المتخصص في شؤون النفط والطاقة أنس الحجي، حول أزمة مضيق هرمز إلى أنها أكبر توتر جيوسياسي واقتصادي منذ الحرب العالمية الثانية، وقال إن الأزمة ليست مجرد تحول في النفط أو الطاقة، بل هي أزمة شاملة تمتد إلى كل القطاعات، الصناعة والزراعة والسياحة والمواصلات، حتى سوق العقارات، وأوضح أنها ستؤدي إلى ركود وتضخم وربما تغيرات سياسية في بعض البلاد.
وقال إنه مع إغلاق المضيق يواجه العالم شحاً في الإمدادات وارتفاعاً حاداً في الأسعار، وهو ما يؤثر في كل الاقتصادات العالمية، والأخطر أن هذا التأثير لن يقتصر على المدى القصير، بل سيمتد لأعوام، وتشير الأخبار في الأيام الماضية إلى تظاهرات في عدد من دول العالم احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود والسماد، في فرنسا وإيرلندا والنرويج ونيجيريا والفيليبين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من منظور المنتجين في الخليج: كيف يمكن تجنب تكرار هذه الأزمة مستقبلاً، وهل سيجري التحول نحو أنابيب نفط وغاز جديدة تغير خريطة الطاقة في المنطقة، أم إن الحل يكمن في تحالفات سياسية وهدن طويلة الأمد لضمان استقرار التصدير، وهل سنرى تغيراً كبيراً؟
يؤكد الحجي أن التجارب التاريخية تظهر أن مثل هذه الأزمات تؤدي إلى مزيج من الأمرين، لكن الفرق الجوهري اليوم هو وجود بدائل تقنية واقتصادية لم تكن متاحة سابقاً، ولذلك فمن المتوقع أن يكون تأثير أزمة هرمز على خفض الطلب، وبخاصة على النفط والغاز الخليجي، أكبر بكثير مما سبق، وأكبر مما توضحه الدراسات الأكاديمية.
ومع اقتراب الصراع من نهاية شهره الخامس، تتزايد المخاوف من استمرار الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، في وقت يراقب فيه المستثمرون أي تطورات قد تؤثر في حركة الملاحة وإمدادات النفط.
ويشير محللون إلى أن أسعار البنزين لا تتحرك بالتزامن المباشر مع أسعار النفط الخام، إذ تستغرق عادة عدة أيام حتى تنعكس تغيرات أسعار الخام على أسعار الوقود في محطات التعبئة.
في المقابل، ارتفع متوسط سعر غالون الديزل إلى 5.30 دولار، مسجلاً زيادة تقارب 41 في المئة مقارنة بمستواه عند بداية الحرب، وهو ما يعكس استمرار الضغوط على كلفة النقل والشحن والأنشطة الاقتصادية.