Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غوستاف لوبون يفسر "سيكولوجية الجماهير"

الجمهور بين الفكر المغيب والانفعالات العاطفية حيث تتراجع قدرة الفرد على التفكير النقدي وتتفاعل انفعالاته والعاطفة ضمن الحشود

غوستاف لوبون (1841-1931) (غيتي)

 

ملخص

يحدد لوبون 3 عوامل رئيسة لتكون النفسية الجماعية، أولها الشعور بالقوة الذي يمنحه وجود الفرد داخل جمهور كبير، مما يقلل إحساسه بالمسؤولية الشخصية، وثانيها العدوى النفسية، حيث تنتقل المشاعر والأفكار بسرعة بين أفراد الحشد كما لو كانت مرضاً معدياً. أما العامل الثالث فهو الإيحاء، أي قابلية الجمهور لتلقي الأفكار من دون تمحيص، بخاصة عندما تصدر عن قائد يتمتع بالثقة وبحسن الخطاب والكاريزما.

 

تقول الحكاية إن المؤسس الذي يكاد يكون معلناً لفكرة القومية العربية لم يكن سوى نابليون الثالث، العاهل الفرنسي الذي في خلال لقاء له مع الأمير الجزائري الثائر عبدالقادر الذي اجتمع بعدما تم أسر هذا الأخير، في قلعة وضع فيها في الجنوب الفرنسي، اقترح عليه أنه "بدلاً من الدعوة إلى الثورة باسم الإسلام، ما يعطيك يا حضرة الأمير سمة مَن يقوم بالتحريض لصالح العثمانيين"، من الأفضل له أن يدعو إلى تلك الثورة باسم قومية عربية ستكون أكثر صدقية ومقبولة أوروبياً.

وتختم الحكاية أن الأمير الجزائري اقتنع وتوجه إلى المشرق بناء لنصيحة نابليون الثالث، حيث راح يدعو إلى القومية والدولة العربيتين اللتين تنظران بعين مختلفة تماماً إلى مسألة الأقليات.

والحقيقة أن ما يهمنا من هذه الحكاية هنا، ليس صحتها، بل التساؤل: من أين أتى نابليون الثالث يومها بتلك الفكرة المنسوبة إليه؟ والجواب البسيط هو: من المفكر الذي كان المفضل لديه، والذي كان يقرؤه بشغف، غوستاف لوبون، الذي سيتعرف عليه القراء العرب لاحقاً ويتذكروا منه قوله إن التاريخ ما عرف فاتحاً أرحم من العرب، ولكن بخاصة كتابه العمدة "حضارة العرب" الذي يبدو أن العاهل الفرنسي كان قد قرأه قبل لقائه المذكور بالأمير الجزائري الثائر.

غير أننا هنا سوف نهتم بكتاب آخر للوبون لا علاقة له بالحضارة العربية، وإن كان من شأنه أن يفتح لنا المجال واسعاً لإطلاق تساؤلات بالغة الأهمية حول تلك الظاهرة التي لن يعرفها لوبون أو يعيشها كما نعرفها نحن اليوم ونعيشها، لأنها تفتحت على أوسع نطاق في أفق الفكر العالمي فقط بعد سنوات من موته.

الجماهير وفكرها الكئيب هي الظاهرة التي بدأت إرهاصاتها تنمو مع بدايات القرن الـ20 بعد سنوات من صدور كتاب لوبون العمدة "سيكولوجية الجماهير" (1895) لتصل إلى ذروتها أول الأمر في ثلاثينات القرن الـ20 مع نمو تلك العلاقة التي قامت بين الفاشية وجماهيرها من ناحية، والستالينية وجماهيرها هي الأخرى، من ناحية أخرى، ثم تالياً في أيامنا هذه التي يسود فيها ما يؤكد نظريات لوبون، ولكن من خلال ظاهرة لم تكن لتخطر لا في بال لوبون ولا في بال قارئه المفضل نابليون الثالث. ظاهرة تعبير تلك "الجماهير" عن نفسها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بخاصة "فيسبوك"، تعبيراً قد لا يكون مجحفاً في حقها أن نؤكد منذ الآن أنه أوصل التعبير عن تلك الجماهير، لا سيما في الحيز العربي والإسلامي اليوم إلى أسفل مستوى يمكن توقعه، وإلى أدنى كثيراً مما كان يمكن للوبون أن يتوقعه ويستخدمه مثالاً حياً على الأطروحات التي يعبر عنها، على أية حال، في ذلك الكتاب.

 

فما هي تلك الطروحات؟ ولماذا لن يكون غريباً أن نستعيدها اليوم تحديداً؟ للإجابة عن هذين السؤالين سنلتقي صاحب العلاقة أي غوستاف لوبون (1841-1931) على الفور، باعتباره واحداً من أبرز المفكرين وأكثرهم تأثيراً في دراسة السلوك الجمعي، حتى وإن كان الباحثون يحاولون إقناعنا اليوم، بأن أطروحاته باتت اليوم موضع نقاش ونقد، بل ربما نقض أيضاً. ونتحدث هنا، بخاصة بالطبع، عن تلك الأفكار الواردة في كتابه "سيكولوجية الجماهير"، الذي ترك "أثراً بالغاً في علم الاجتماع وعلم النفس السياسي والدعاية والإعلام، وأثَّر في مفكرين وقادة وسياسيين من اتجاهات متناقضة".

بين الفرد والجمع ينطلق لوبون في هذا الكتاب من فكرة أساسية مفادها بأن الإنسان حين يكون فرداً يتصرف بعقلانية ولو نسبية، لكنه حين ينخرط في جمهور كبير يفقد جانباً من شخصيته الواعية ويخضع لما يسميه "العقل الجماعي". ففي الحشد تتراجع قدرة الفرد على التفكير النقدي وتتفاعل انفعالاته والعاطفة، ويصبح الأفراد أكثر استعداداً لتصديق الشعارات والاستجابة لما يوحى إليه، من هنا رأى لوبون أن الجمهور لا يقاد بالمنطق أو البرهان، بل بالصور الذهنية والرموز والكلمات المؤثرة.

ويحدد لوبون ثلاثة عوامل رئيسة لتكوين النفسية الجماعية، أولها الشعور بالقوة الذي يمنحه وجود الفرد داخل جمهور كبير، مما يقلل إحساسه بالمسؤولية الشخصية، وثانيها العدوى النفسية، إذ تنتقل المشاعر والأفكار بسرعة بين أفراد الحشد كما لو كانت مرضاً معدياً، أما العامل الثالث فهو الإيحاء، أي قابلية الجمهور لتلقي الأفكار من دون تمحيص، بخاصة عندما تصدر عن قائد يتمتع بالثقة وبحسن الخطاب والكاريزما.

دور القادة الأساس

من هنا يحتل القائد مكانة مركزية في نظرية لوبون. فالجماهير في رأيه تبحث عادة عن شخصية قوية وحاسمة تمنحها شعوراً باليقين حتى وإن كان عبر أفكار غاية بالبساطة ولا تتسم بأية دقة، لذلك فإن التاريخ، بحسب لوبون، كثيراً ما تصنعه العلاقة بين الجماهير وقادتها، أكثر مما تصنعه النقاشات العقلانية.

وهذا التحليل هو الذي جعل من كتاب "سيكولوجية الجماهير" مرجعاً مهماً في دراسة الخطابة السياسية والدعاية الجماهيرية، غير أن أهمية هذا الكتاب لا تفترض أن طروحاته قد اعتبرت حقائق علمية نهائية، إذ انتقده علماء النفس والاجتماع المعاصرون على اعتبار أنه رسم صورة مبسطة ومتشائمة لسلوك الجماهير، مفترضاً أن هذه غير عقلانية دائماً وسهلة الانقياد، وذلك بالنظر إلى أن دراسات معاصرة أظهرت على رغم كل شيء، أن الحشود قد تتصرف أحياناً بدرجة كبيرة من التنظيم والعقلانية، وأن سلوكها يتغير تبعاً للظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومع ذلك بقي تأثير لوبون واسعاً لأن كتابه سبق عصر الإعلام الجماهيري وكأنه تنبأ بقوة الصورة والشعار والدعاية في تشكيل الرأي العام.

وقد وجد كثر في تحليلاته تفسيراً لكثير من ظواهر القرن الـ20 من صعود الحركات الجماهيرية الكبرى إلى انتشار الدعاية السياسية، ثم إلى تأثير وسائل الإعلام الحديثة، وصولاً إلى شبكات التواصل الاجتماعي التي تستطيع أن تخلق في ساعات قليلة حالة غريبة من التعبئة والانفعال الجماعي.

ومهما يكن من أمر يمكننا القول إن كتاب لوبون هذا يقرأ اليوم بوصفه وثيقة أساسية تساعد على فهم بدايات التفكير في علم النفس الجماهيري، لا باعتباره تفسيراً متكاملاً لها. فهو، بعد كل شيء، وبحسب دارسيه على أية حال، يذكرنا بأن الإنسان لا يتصرف دائماً بالطريقة نفسها عندما يكون جزءاً من الجمهور، لكنه يدفعنا أيضاً إلى التساؤل عن حدود هذه الفكرة في ضوء ما كشفت عنه العلوم الاجتماعية الحديثة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة