ملخص
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب هيكلة الرسوم الجمركية عبر فرض تعريفات جديدة تراوح ما بين 10 و12.5 في المئة على واردات أكثر من 80 دولة، في خطوة تهدف إلى تجاوز العقبات القانونية التي واجهت سياساته السابقة.
تحافظ إعادة هيكلة التعريفات الجمركية على متوسط الرسوم قرب 10 في المئة وسط استمرار التضخم السلعي، فيما تكافح الشركات للتكيف من دون أن تنجح السياسة التجارية حتى الآن في تقليص العجز التجاري أو إنعاش التصنيع.
وأعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب رسم ملامح سياسته التجارية مجدداً بإطلاق حزمة جديدة من الرسوم الجمركية، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على حربه التجارية بعدما واجهت تعريفاته السابقة تحديات قانونية. وعلى رغم أن الرسوم الجديدة لا تمثل تصعيداً كبيراً مقارنة بما كان مطبقاً خلال الأشهر الماضية، فإنها ترسخ حال عدم اليقين التي باتت الشركات والمستهلكون الأميركيون يتعاملون معها بوصفها واقعاً دائماً.
وبعد نحو 18 شهراً على بدء الحرب التجارية خلال الولاية الثانية لترمب، يرى اقتصاديون أن أبرز أثر لهذه السياسة تمثل في ارتفاع أسعار السلع المستوردة، بينما لم تحقق الأهداف الرئيسة التي أعلنها البيت الأبيض، والمتمثلة في تقليص العجز التجاري وإعادة إحياء الصناعة الأميركية.
إعادة هيكلة الرسوم
ولا تختلف ملامح السياسة التجارية الجديدة كثيراً عن السابقة، إذ تركز التغييرات الأخيرة على إيجاد أساس قانوني أكثر صلابة لاستمرار فرض الرسوم الجمركية.
وكانت المحكمة العليا الأميركية قد أبطلت في فبراير (شباط) الماضي مجموعة واسعة من الرسوم التي فرضتها الإدارة على الواردات العالمية، مما دفع ترمب إلى استبدالها برسوم عالمية بنسبة 10 في المئة استناداً إلى صلاحيات قانونية مختلفة، إلا أن القانون كان يسمح بتطبيقها لمدة لا تتجاوز 150 يوماً، وهي المهلة التي انتهت الجمعة الماضي.
ولتفادي انتهاء العمل بهذه الرسوم، أعلن الرئيس الأميركي الخميس الماضي فرض تعريفات جديدة تراوح ما بين 10 و12.5 في المئة على واردات أكثر من 80 دولة، من بينها معظم الشركاء التجاريين الرئيسين للولايات المتحدة، مستنداً هذه المرة إلى صلاحيات مختلفة، بما يضمن استمرار فرض رسوم جمركية بمستويات قريبة من تلك التي سادت خلال الأشهر الخمسة الماضية.
الاعتماد على المادة 301
تعتمد الإدارة الأميركية في فرض الرسوم الجديدة على المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، وهي الأداة القانونية التي استخدمها ترمب على نطاق واسع خلال ولايته الأولى لفرض رسوم على مئات السلع الصينية الاستهلاكية والصناعية.
وتستند هذه المادة إلى مبررات تتعلق بمواجهة الممارسات التجارية غير العادلة، ولا سيما استخدام العمالة القسرية في إنتاج السلع المصدرة إلى الولايات المتحدة، وهو ما يمنح هذه الرسوم أساساً قانونياً أكثر متانة مقارنة بالإجراءات التي أبطلتها المحاكم.
ويرى محللون أن هذا التغيير القانوني لن يحدث فارقاً كبيراً في الأثر الاقتصادي، إذ يتوقع أن يبقى متوسط الرسوم الفعلي على الواردات الأميركية قريباً من 10 في المئة، وهو المستوى السائد خلال معظم العام الحالي.
وقال الاقتصادي في مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس" توماس رايان لصحيفة "وول ستريت جورنال"، إن الاقتصاد الأميركي لن يواجه ضغوطاً إضافية كبيرة مقارنة بما شهده بالفعل خلال الأشهر الماضية.
الشركات تتكيف مع الحرب التجارية
على رغم التقلبات المستمرة في السياسات التجارية، أظهرت الشركات الأميركية قدرة لافتة على التكيف مع المتغيرات، مستفيدة من الخبرات التي اكتسبتها خلال جائحة كورونا وأزمة التضخم اللاحقة.
وقال رئيس مجلس إدارة مجموعة "بوسطن كونسلتينغ غروب" ريتش ليسر، للصحيفة إن الشركات أصبحت أكثر مرونة في إدارة سلاسل الإمداد واتخاذ قرارات التسعير، مما ساعدها على امتصاص جزء كبير من آثار الرسوم الجمركية.
وفي هذا السياق، أعلنت شركة "جنرال موتورز" أنها تتوقع أن تراوح الكلفة الإجمالية للرسوم الجمركية خلال العام ما بين 2.5 و3.5 مليار دولار، إلا أن الرئيسة التنفيذية للشركة ماري بارا أكدت أن النتائج المالية جاءت أفضل من المتوقع، مضيفة "لم نبحث عن أعذار، بل واصلنا تحقيق الأداء".
اعتراضات قانونية من الشركات
على رغم نجاح كثير من الشركات في التكيف، فإن بعض المديرين التنفيذيين يشككون في الأساس القانوني للرسوم الجديدة.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة "ليرنينغ ريسورسز" المتخصصة في الألعاب التعليمية ريك وولدنبرغ، إن الحكومة الأميركية لم تثبت أن استخدام العمالة القسرية في الخارج هو السبب في خسارة الشركات الأميركية لأعمالها.
وأضاف أن الإدارة تستخدم هذا المبرر ذريعة لفرض ضرائب جديدة من دون المرور عبر الكونغرس.
وتقود شركته الدعوى القضائية التي نجحت سابقاً في إسقاط جزء من الرسوم السابقة، ورفعت دعوى جديدة للطعن في الرسوم الأخيرة.
وأوضح وولدنبرغ أن شركته تستورد ألعاباً مصنعة في الصين والهند ودول آسيوية أخرى، مشيراً إلى أن الرسوم الجديدة سترفع كلفة الواردات بصورة تؤدي إلى زيادة التضخم.
التضخم... النتيجة الأوضح
حتى الآن، يبقى الأثر الأكثر وضوحاً للرسوم الجمركية هو ارتفاع أسعار السلع، إذ ارتفعت أسعار الملابس والأجهزة الإلكترونية والأثاث والسيارات بصورة ملحوظة، وتشير تقديرات "كيلي بلو بوك" إلى أن الرسوم أضافت ما بين 1600 و9000 دولار إلى أسعار السيارات الجديدة خلال العام الحالي.
ويقدر اقتصاديون في مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن الرسوم رفعت أسعار السلع الأساس، باستثناء الغذاء والطاقة، بنحو 3.1 في المئة حتى فبراير الماضي، وهو ارتفاع ملحوظ مقارنة بالعقد الذي سبق جائحة كورونا، عندما كانت أسعار السلع تتراجع بصورة عامة.
وعلى رغم ذلك، فإن التأثير الكلي في التضخم بقي محدوداً نسبياً، لأن الجزء الأكبر من إنفاق المستهلكين الأميركيين يذهب إلى الخدمات مثل الإسكان والرعاية الصحية والسفر والترفيه، وليس إلى السلع فحسب.
ويقدر "الاحتياطي الفيدرالي" أن الرسوم أضافت نحو 0.8 نقطة مئوية فقط إلى معدل التضخم الأساس.
الشركات الصغيرة تحت الضغط
لكن أثر الرسوم يبدو أكثر وضوحاً بالنسبة إلى الشركات الصغيرة، إذ قال مالك شركة "ويسكونسن نيتوير" ستيفن أرينزون، إنه اضطر إلى رفع أسعار القبعات والمنتجات الصوفية التي تنتجها شركته بنسبة تراوح ما بين 35 و40 في المئة خلال العام ونصف العام الماضيين، لتعويض ارتفاع أسعار الخيوط المستوردة من البرازيل.
وأوضح أن الخيوط أصبحت تخضع لرسوم جمركية بنسبة 25 في المئة، بينما سترتفع الرسوم إلى 37.5 في المئة بعد تطبيق التعريفات الجديدة.
وأضاف "لا أملك الأموال الكافية لتحمل هذه الرسوم الإضافية... نحن شركة صغيرة عالقة وسط شبكة معقدة من التعريفات الجمركية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم ارتفاع الأسعار، لم تظهر مؤشرات إلى تعرض الاقتصاد الأميركي لضغوط حادة، إذ نما الاقتصاد، بعد احتساب التضخم، بنسبة 2.7 في المئة بين الربع الأول من عام 2025 والفترة نفسها من عام 2026، مدعوماً باستمرار قوة إنفاق المستهلكين والاستثمارات الضخمة في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وارتفع مؤشر "ستاندرد أند بورز 500" بنحو 31 في المئة منذ بدء تطبيق أولى الرسوم الجمركية في الولاية الثانية لترمب.
أهداف لم تتحقق
في المقابل، لم تحقق الرسوم حتى الآن اثنين من أهم أهداف الإدارة الأميركية، إذ بلغ العجز التجاري الأميركي خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 نحو 297.9 مليار دولار، بانخفاض يقارب 10 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، لكنه لا يزال عند مستويات مرتفعة.
أما قطاع التصنيع، فعلى رغم ارتفاع الإنتاج الصناعي بنسبة 3.1 في المئة منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، فإنه فقد نحو 75 ألف وظيفة، إذ انخفض عدد العاملين في المصانع خلال يونيو (حزيران) الماضي مقارنة بيناير (كانون الثاني) 2025.
تصعيد تجاري جديد
لا تبدو إدارة ترمب في طريقها إلى التراجع عن نهجها التجاري، بل تواصل توسيع نطاق الضغوط، إذ أعلنت نيتها فرض رسوم مرتفعة على مجموعة من الواردات الكندية اعتباراً من الشهر المقبل، في خطوة يُنظر إليها على أنها ورقة ضغط قبل إعادة التفاوض على اتفاق التجارة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وتدرس الإدارة فرض رسوم إضافية على واردات من الاتحاد الأوروبي رداً على الغرامات التي فرضتها بروكسل على شركات التكنولوجيا الأميركية.
وفي الوقت نفسه، تواصل واشنطن التلويح بفرض رسوم مرتفعة على الأدوية الجنيسة (نسخة مكافئة لدواء يحمل علامة تجارية مسجلة لكن تصنعه شركات الأدوية بعد انتهاء مدة براءة اختراع الدواء الأصلي)، إلا أن تطبيقها لن يبدأ قبل عامين.
ويرى مراقبون أن الحرب التجارية الأميركية دخلت مرحلة جديدة تقوم على تثبيت الرسوم الحالية أكثر من رفعها، لكنها تبقي الشركات والمستثمرين أمام حال مستمرة من عدم اليقين، فيما يظل نجاح هذه السياسة مرهوناً بقدرتها على تحقيق أهدافها الاقتصادية من دون إبطاء النمو أو إشعال موجة تضخم جديدة.