ملخص
على رغم أن الاجتماعات قدمت رسمياً كسلسلة من اللقاءات الثنائية المنفصلة التي أجراها المبعوث الأميركي، فإن وقوعها في العاصمة المصرية يوحي بأن القاهرة تقوم بدور متقدم لتقريب وجهات النظر بين واشنطن والعواصم الأفريقية
أثارت الاجتماعات الموسعة التي شهدتها العاصمة المصرية القاهرة الأسبوع الماضي بين كبار المسؤولين من الولايات المتحدة ومصر وإريتريا والصومال، موجة من الجدل، حول ما وُصف بـ"التقارب الإقليمي المتزايد" بين الولايات المتحدة ودول البحر الأحمر والقرن الأفريقي الذي فرضته الظروف الدولية، بخاصة بعد حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز.
وبرز الاهتمام الإعلامي والسياسي بلقاءات القاهرة، بعد المحادثات التي أجراها كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشؤون أفريقيا والمنطقة العربية مسعد بولس، مع وزراء خارجية كل من مصر وإريتريا والصومال، مما يشير إلى اهتمام واشنطن المتنامي بالدخول مع هذه المجموعة وسط تصاعد التنافس الجيوسياسي في المنطقة.
وعلى رغم أن الاجتماعات قدمت رسمياً كسلسلة من اللقاءات الثنائية المنفصلة التي أجراها المبعوث الأميركي، فإن وقوعها في العاصمة المصرية يوحي بأن القاهرة تقوم بدور متقدم لتقريب وجهات النظر بين واشنطن والعواصم الأفريقية، بخاصة أسمرة ومقديشو فضلاً عن الخرطوم، كما عُدت اللقاءات جزءاً من مشاورات أوسع نطاقاً "لتعزيز الأمن في القرن الأفريقي ودعم جهود السلام الإقليمية والدولية ومعالجة التحديات الأمنية لضمان الاستقرار الإقليمي".
كما عقد بولس وعبدالعاطي لقاءات مع كل من وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح ووزير الخارجية الصومالي عبدالسلام عبدي علي، في ما وصفته القاهرة بأنها مشاورات دبلوماسية منسقة حول الأزمات الإقليمية الممتدة من البحر الأحمر إلى السودان والقرن الأفريقي.
وتأتي هذه الاجتماعات في وقت عززت مصر وإريتريا والصومال تنسيقها الاستراتيجي بصورة مطّردة منذ التداعيات الدبلوماسية التي أعقبت مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع صوماليلاند عام 2024 والتي نصت على تأمين الوصول البحري على طول ساحل صوماليلاند، إلا أن هذا الملف تراجع إلى الخلفية.
أجندة البحر الأحمر
ووفقاً لما كشف عنه بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية، فان الوزيرين الإريتري والمصري أكدا أن "أمن وإدارة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المطلة عليه"، رافضين "أية محاولات من جهات غير ساحلية لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية أو تأمين منفذ بحري في هذا الممر المائي الاستراتيجي بما يخالف القانون الدولي".
وبحسب متابعين لشؤون منطقة البحر الأحمر، فإن هذا الموقف أضحى مبدأ ثابتاً لكل من مصر وإريتريا والصومال خلال العامين الماضيين، مما يفهم بأنه رفض علني لحملة إثيوبيا المستمرة منذ عام 2023 والمتعلقة بإيجاد منفذ بحري سيادي على سواحل البحر الأحمر، ومن ثم فإن التنسيق مع الولايات المتحدة يشير إلى الموافقة الضمنية لواشنطن حول ضرورة الحفاظ على سيادة الدول المطلة على البحر الأحمر ومسؤوليتها الحصرية في إدارة قضايا الأمن والسلم على طول السواحل الممتدة من باب المندب وحتى قناة السويس المصرية.
وبالتزامن مع ذلك، جدد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح منتدى الحوار الوطني الإثيوبي، إصرار بلاده على المضي قدماً في مشروعها الخاص بالوصول إلى البحر عبر "الوسائل السلمية والدبلوماسية"، واصفاً الوصول البحري بأنه مصلحة وطنية استراتيجية وليس هدفاً توسعياً.
وقال آبي أحمد في أحدث تصريحاته العلنية أمام 4000 مشارك في المنتدى الذي انطلق الأسبوع الماضي، إن فقدان إثيوبيا منفذها إلى البحر الأحمر يعود لـ"ضعفها الداخلي"، وإن إثيوبيا "أدارت البحر الأحمر وامتلكته واستغلته لآلاف السنين".
محادثات مثمرة
من جهته وصف مسعد بولس محادثاته مع الوزير الإريتري عثمان صالح بأنها "مثمرة وجيدة"، موضحاً أن الجانبين بحثا فرص توسيع التعاون في "التجارة والتنمية الاقتصادية الإقليمية والأمن".
وأضاف بولس خلال بيان عقب اللقاء أن الحكومتين أكدتا على العمل المشترك "لمعالجة النزاعات الإقليمية وتعزيز السلام والاستقرار والازدهار الدائمين في البحر الأحمر والقرن الأفريقي".
وتُعد هذه المحادثات والبيان اللاحق الذي أصدره بولس أول اتصال علني رفيع المستوى بين مسؤولين أميركيين وإريتريين منذ أن كشفت التقارير عن أن واشنطن تدرس تخفيف العقوبات وإعادة ضبط العلاقات الدبلوماسية مع أسمرة، مع بروز أمن البحر الأحمر كركيزة أساسية للتقارب المقترح.
ووصف بولس مصر بأنها "شريك أساس في تعزيز السلام والأمن والازدهار في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا"، مضيفاً أن المحادثات شملت ليبيا والسودان ولبنان والقرن الأفريقي، وأكد أن واشنطن تتطلع إلى "مواصلة التنسيق الوثيق مع مصر لمواجهة التحديات المشتركة".
القاهرة مركز الثقل
من جهته يرى الباحث في العلاقات الدولية محمد السيد علي أن اللقاءات الأخيرة بين بولس ووزراء خارجية إريتريا والصومال، فضلاً عن وزير الخارجية العماني، تكشف عن ثقل العاصمة المصرية القاهرة على المستوى الدبلوماسي، وسعيها إلى إعادة مركزيتها في القضايا العربية والأفريقية، مشيراً إلى أن ذلك يؤكد من جديد اعتماد واشنطن على القاهرة كفاعل دبلوماسي رئيس في المنطقتين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأوضح أن التقارب المنسق الذي جرى الأحد الماضي يسلط الضوء على مساعي القاهرة الأوسع لترسيخ مكانتها الدولية عموماً، وجهودها المشهودة لضمان الأمن والاستقرار بصورة خاصة في منطقة القرن الأفريقي التي تُعد عمقاً استراتيجياً لمصالحها المتعلقة بالملاحة الدولية المرتبطة بقناة السويس، ولا سيما بعد أزمة المضايق المائية التي أفرزتها تداعيات حرب إيران.
ويقول السيد "كما تمت الإشارة إليه عبر بيان الخارجية المصرية عقب لقاء عبدالعاطي وبولس، فإن القاهرة ترى استقرار القرن الأفريقي باعتباره امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري"، مضيفاً أن رؤية القاهرة قائمة على ضرورة "دعم مؤسسات الدول واحترام سيادتها ووحدتها وسلامة أراضيها"، كجزء من التزام مصر الاستقرار الإقليمي، ومشيراً إلى أن القاهرة أعلنت مراراً رفضها لـ"أية إجراءات أو سياسات من شأنها تقويض الاستقرار الإقليمي".
ويوضح السيد أن مصر وقّعت عدداً من اتفاقات التعاون البحري مع كل من إريتريا والصومال، ووسعت نطاق التعاون في مجال الموانئ عبر البحر الأحمر، وكثفت المشاورات مع أسمرة، وعززت التعاون الدفاعي مع مقديشو، إضافة إلى مشاركتها في بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار بالصومال، فضلاً عن دعمها المستمر للمجلس السيادي السوداني بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، مذكراً باللقاء الذي رتبته القاهرة بين مسعد بولس وعضو مجلس السيادة السوداني الفريق أول شمس الدين كباشي في الـ10 من يوليو الجاري.
ويتابع أن الجهود الدبلوماسية الواسعة التي اضطلعت بها القاهرة خلال الأسابيع الأخيرة بالتنسيق مع واشنطن، تُعد جزءاً من رؤيتها لضمان استقرار المنطقة، مشيراً إلى دور القاهرة في التقريب بين أسمرة وواشنطن، بعد أعوام من انقطاع العلاقات بينهما.
ويردف السيد أن التصريحات الصادرة عن مقديشو بعد محادثات وزير خارجيتها عبدالسلام عبدي مع كل من بولس وعبدالعاطي أكدت على تركز المباحثات حول "سيادة الصومال ووحدة أراضيه وسواحله البحرية"، مما يشير إلى أن الدول المطلة على البحر الأحمر قد قدمت رؤيتها إلى المبعوث الأميركي بضرورة دعم الولايات المتحدة لمواقفها المبدئية حول انحصار المسؤولية الأمنية والعسكرية الخاصة بحماية سواحل البحر الأحمر على الدول المطلة عليه وحسب، مع تأكيد التنسيق مع الولايات المتحدة، باعتبارها طرفاً يمتلك مصالح حيوية في الممر المائي الاستراتيجي.
ويرى السيد أنه على رغم عدم صدور بيان مشترك من الأطراف الأربعة، فإن قرار واشنطن بالتواصل مع مصر وإريتريا والصومال في القاهرة تباعاً يعكس جهداً واضحاً للحفاظ على الحوار مع تكتل إقليمي بات نفوذه متزايداً في تشكيل سياسات القرن الأفريقي.
ملفات التنسيق
من جهته يقول المحلل السياسي الإثيوبي بيهون غيداون إن استضافة القاهرة لمحادثات المسؤول الأميركي مع كل من إريتريا والصومال، تتركز بالأساس على ملفين يشغلان السياسة الخارجية المصرية، وهما ملف المنفذ البحري الذي تطالب به إثيوبيا، إذ ترى القاهرة إنه سيعزز من نفوذ إثيوبيا في الإقليم المضطرب، والملف الثاني يتعلق بسد النهضة الإثيوبي الكبير.
ويتابع غيداون "على رغم عدم إعلان البيانات الصادرة من القاهرة، أن ملف سد النهضة كان ضمن أجندة النقاش، فإن تحركات القاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عما يشكله هذا الملف من أهمية في سياستها الخارجية، بخاصة الموجهة نحو واشنطن"، مذكراً بمواقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول السد الإثيوبي، إذ عرض مبادرة للتوسط بين القاهرة وأديس أبابا، فيما لم يكف عن توجيه الانتقادات للأخيرة بدعوى أن بناء السد يخصم من حقوق مصر المائية.
من التنافر نحو التحالف
ويرى غيداون أن القاهرة وأسمرة كانتا على خطي نقيض أثناء الحرب الأخيرة في تيغراي، إلا أنهما تقاربا أخيراً لأسباب ذات علاقة بإثيوبيا، ولا سيما بعد تصاعد مطالب أديس أبابا بالحصول على منفذ بحري، إذ اعتبرت إريتريا ذلك تهديداً لسيادتها، فيما ظلت مصر منذ أكثر من عقد ونصف العقد ترى في سد النهضة الكبير تهديداً لمصالحها المائية، ويضيف أن العلاقات الإثيوبية- الأميركية قد تضررت كثيراً، بخاصة خلال عهد ترمب على خلفية تصريحاته المتكررة عن سد النهضة وزعمه أنه بني بموارد مالية أميركية، وكذلك إشارته إلى إمكان استهدافه عسكرياً من قبل مصر نظراً إلى إضراره بمصالحها.
ويردف أنه من الضرورة بمكان قراءة التحركات الأخيرة التي حدثت في القاهرة ضمن هذا السياق الراهن، مضيفاً أن "من الواضح أن إدارة آبي أحمد تبدو غير متعجلة لإعلان مواقف تجاه ما يحدث، بخاصة أنها لم ترد على أي من الدعوات التي أطلقها ترمب للتوسط بينها والقاهرة، إذ تدرك أن الإدارة الحاكمة في واشنطن ليست محايدة، ولديها مواقف مسبقة تجاه التغول على الحقوق الإثيوبية في النيل.
مخاوف متعاظمة
ويؤكد غيداون أن التحركات الواسعة التي تقودها القاهرة بمشاركة واشنطن تعزز مخاوف إثيوبيا من الربط بين قضايا إقليمية عدة، من مياه النيل إلى أمن البحر الأحمر، ضمن استراتيجية دولية فرضتها الظروف الإقليمية القائمة كجزء من تداعيات حرب إيران، مشيراً إلى البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية الإثيوبية منذ نحو شهر والذي اتهم القاهرة باتباع "سياسة التطويق" من خلال توسعها عسكرياً وبحرياً ودبلوماسياً مع الصومال وإريتريا.
ويضيف، من المؤكد أن ثمة تحولات واضحة يعيشها المشهد الجيوسياسي في القرن الأفريقي الذي أضحى يتشكل من خلال شراكات أمنية وعسكرية متداخلة، بخاصة في ظل التحديات الجديدة التي أضحت تمثلها جماعة الحوثي في اليمن وتهديدها بإغلاق مضيق باب المندب، لافتاً إلى أن هذه التحديات الأمنية والعسكرية الناتجة من حرب إيران، يجري استغلالها بصورة ممنهجة من قبل القاهرة لتقليم أظافر إثيوبيا في المنطقة.
تحولات موازين القوى الإقليمية
ويرى غيداون أن على أديس أبابا الخروج من موقع المُبشر بمشروع المنفذ البحري، إلى مواجهة التحديات القائمة، بخاصة ما يتعلق بإعادة تشبيك علاقاتها التاريخية مع واشنطن، وطرح نقاط الخلاف مع القاهرة على طاولة المفاوضات عوضاً عن إصدار بيانات الإدانة، لأن ما يحدث يمثل تهديداً مباشراً للمصالح الاستراتيجية الإثيوبية، بخاصة أن السعي المصري يهدف إلى توطيد شبكة علاقات واسعة تربط بين ملفات إقليمية حساسة عدة، أهمها الإدارة الأمنية والعسكرية للبحر الأحمر وضم ملفات السودان والصومال وأمن القرن الأفريقي بصورة عامة تحت قيادة مصر، بدعم من الولايات المتحدة.
ويدلل غيداون على ذلك بجهود القاهرة لإخراج إريتريا من عزلتها الدولية، وترسيخ مكانتها كطرف إقليمي محوري في ملفي البحر الأحمر وكذلك في الأزمة السودانية، إضافة إلى تقديم الصومال كشريك متزايد الأهمية في الاستراتيجية العسكرية والأمنية لرؤى مصر الإقليمية.
ويختم المحلل الإثيوبي إفادته لـ"اندبندنت عربية" بأن واشنطن قد تدعم أي توجه نحو تشكيل محور إقليمي قوي وفاعل يسهم في تعزيز نهج مستدام لأمن البحر الأحمر واستقرار القرن الأفريقي، ومن ثم فإن التوجه المصري الأخير يخاطب المصالح المشتركة للقاهرة وواشنطن من خلال إقامة تحالفات جديدة في منطقة تسيطر على أهم الممرات المائية للملاحة الأميركية والدولية، مشيراً إلى ضرورة إدراك أديس أبابا أن قضاياها الاستراتيجية مثل ملفي السد والمنفذ البحري أصبحت عرضة لميزان القوى الإقليمية المتحول بصورة متزايدة في المنطقة.