ملخص
في فيلمها الروائي الطويل الأول "ولنا في الخيال... حب؟" )بدأ عرضه أخيراً على منصة شاهد) وعنوانه الفرعي "مرة واحد حَبّ واحدة"؛ تريد المخرجة والمؤلفة المصرية سارة رزيق أن تتكلم عن شجون عديدة.
تريد سارة رزيق أن تتكلم عن الفنانين الخالدين وتأثيرهم في أجيال بعيدة زمنياً عنهم، على سبيل المثال شخصية الرسام الشهير فان غوخ. وعن الشباب الحالمين بأن يصبحوا فناني اليوم بظروفه السريعة المُتغيرة. وعن موقع الحُب في المسافة بين الخيال الذي يفتح باب الاحتمالات، وبين الوهم الذي يتركها كلها. غير أن أحد أهم الموضوعات التي يستكشفها، هو موضوع الفقد، وصعوبة إعادة بناء العالم بعد انقضاء ماضٍ جميل.
ينضح الفيلم بالحنين، وتتعلق شخصياته بأطراف من دنيا أخرى غير التي نحيا فيها حالياً. منذ الدقائق الأولى تتقدم شخصية يوسف مراد (أحمد السعدني) وهو أستاذ للفن التشكيلي عائد من غربة طويلة في ألمانيا بعد فقد زوجته، كي يُدرّس في معهد السينما بأكاديمية الفنون بالقاهرة؛ يتقدم بصفته موضة قديمة يستمع إلى الأغاني على أسطوانات الغراموفون، ويُسخّن المياه على الموقد، وليس بسخّان كالناس.
يتوازى هذا التقديم للأستاذ، مع شخصية طالبه نوح (عمر رزيق) الذي يتحرك على الشاشة في باليتة ألوان مُستقاة من لوحات فان غوخ، ويحلم بالحب والرومنسية بطريقة تتجاوز أبناء هذا الجيال المتأثرين أكثر بالعلاقات السريعة والعوالم الافتراضية على وسائل التواصل الاجتماعي.
ليس هذا فحسب ما يبعث على الحنين في "ولنا في الخيال". إنما طبيعة الفيلم الأقرب إلى البنية الموسيقية، ومزاجه الذي يُذكّرنا بعوالم حسن الإمام مثلاً في فيلم "خلي بالك من زوزو"، من حيث الرقص والاستعراض والميل إلى البهجة وحب الحياة. وطبعاً بطيف من روح يوسف شاهين، لا سيما مع حضور عمر رزيق الذي يستحضر، منذ مشاركته في فيلم "شرق 12" للمخرجة هالة القوصي 2024، طاقة محسن محيي الدين، مُلهِم شاهين الذي جسَّد بعض أهم أحلامه في التعبير بالرقص على شاشة السينما (في اليوم السادس، إسكندرية ليه؟).
على أن قدرات رزيق التمثيلية تظهر هنا أقل منها في فيلم هالة القوصي، ربما لأن شخصية نوح على مرحها وسرورها تفتقد التعقيد المُفجّر للقدرات التمثيلية، هي شخصية ساذجة ستتكفل الحياة بإنضاجها.
أما ذروة الحنين فتتجلى في القصة التي تحرك الأحداث أساساً: من ناحية غرام نوح بظل امرأة جميلة يعتقد أنها ابنة أستاذه، ولا يعرف أنها دمية اصطنعها الفنان السابق لزوجته الراحلة ليلى (بسنت أبو باشا) تحت وطأة الفقد. ومن ناحية ثانية حالة الوهم التي لا يخرج منها الأستاذ نفسه حين ينعزل عن العالم، ويعيش مع تمثال صامت. السر الذي يُثقل عليه، ويضاعف من غرابة أطواره مع طلبته. يتصور نوح أن الدمية امرأة حقيقية حالمة مثله تذوب كل النهار وهي جالسة في البلكونة مع الموسيقى، ويُسقِط عليها أحلامه الرومنسية التي يعجز عن عيشها مع محبوبته الحقيقية وردة (مايان السيد). يكتب لها "جوابات" يرميها من شباك منزله، في عصرنا هذا المحكوم باستخدام رسائل تطبيق "واتساب"، ومحادثات "الفيسبوك" التي يسهل حذفها وإعدام تاريخها بمجرد ضغطة زر.
سؤال الحب
لا يرينا الفيلم عمق علاقة نوح مع وردة. نرى فقط التباين الظاهري في شخصيتيهما. هي ملتزمة، تتدرب على العمل في الديكور السينمائي، أثناء دراستها في معهد السينما. بينما نوح متردد، مُتفجر الطاقة ومُشتتها أيضاً. جرّب الباليه والموسيقى، وغير مستقر في دراسة التصوير السينمائي. على الطول المفترض للعلاقة عشرة أعوام كما نعرف من الحوار، ولحظة الانفصال الكاشفة التي ستتأتى من إصرار نوح على أداء رقصة رومنسية مع وردة في أحد مواقع التصوير التي تعمل بها، ما سيسبب لها مشكلات.
فإننا لا نستشعر نبض هذه الرابطة، وتستعيض المخرجة في محاولة لتكثيف المعنى بعرض مشهد المواجهة بين الزوجين من فيلم Revolutionary road عام 2008. يهتم السيناريو أكثر بتبعات هذا الفراق، ففي حين يغرق نوح في أوهامه، تكتشف وردة بمحض الصدفة سرّ أستاذها يوسف مراد، وبالتبعية السر الذي يخفيه نوح عنها. هكذا ربما تُعجب بوفاء الحبيب القديم، وتبدي بالتدريج اهتماماً أكبر بشخص النحّات الصامت، وتحاول إنقاذه ببث شيء من الروح في بيته الذي يكاد يصبح متحفاً.
سؤال الحب نفسه، من حيث ما هو الحب؟ طرحه في السنوات الأخيرة فيلم "الهوى سلطان" (2024) من تأليف –وإخراج- هبة يسري، ومثل ظاهرة بنجاحه. كان أيضاً فيلم يحنّ بطلاه إلى زمن التسعينيات بأغانيه وأفلامه ويصنعان من حولهما سياجاً شفيفاً من الذكريات يرفضان معه التورط في عالمنا اليوم. بدا في "الهوى سلطان" (والعنوان مأخوذ من أغنية جورج وسوف الشهيرة)، أن الحب هو التعود والعشرة وربما حتى الصداقة.
أما في "ولنا في الخيال"، فالأستاذ يوسف يسأل وردة بعد لحظة من اعترافها الطائش بالحُب له: "بتحبيني يعني إيه؟". وهو سؤال يعجز الفيلم عن تقديم إجابة خاصة عنه. ربما يُرينا العمل حب الفن وحب الحياة أكثر مما يُرينا الحب بين نوح ووردة، ولعل هذا ليس عجزاً من السيناريو، بقدر ما هو قصور في رؤيتنا الاجتماعية العامة، إذ تغيرت صورة الحب عما كانت عليه في الأفلام القديمة، لكن رؤية جديدة لم ترسخ بعد. ولعل صانعي السينما التجارية، فقدوا اهتمامهم بالسؤال على مر الأعوام مع صعود أفلام الأكشن الشعبي والكوميديا رديئة الصنع.
عمق الفيلم
من بين المصادر المستوحى منها الفيلم باليه "كوبيليا" الشهير، وأسطورة بغماليون. إلى هذا يُذكّرنا "ولنا في الخيال... حب" بفيلم "ملك وكتابة" 2006، من إخراج كاملة أبو ذكري، وفيه أيضاً ينعزل أستاذ تمثيل عن نبض الحياة الحقيقية بعد مأساة عاطفية، وتُعيده إليها ممثلة شابة (هند صبري)، كما تفعل هنا وردة مع يوسف مراد. تمثل العلاقة لحظة تحرر كل من الأستاذ والطالبة، حرية تساعد كل منهما على العودة إلى الحياة بروح أشد شغفاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اللافت أن التطور الدرامي المحسوس في الفيلم لا يحدث على صعيد العلاقة بين الشابين (الأقرب إلى مراهقين)، بل في اختبار الحداد كاملاً وحتى النهاية على رغم الألم، حداد يوسف أو أحمد السعدني. اعترف الممثل في حوار مع منى الشاذلي بكلمات قليلة أن شخصية يوسف تمثله، وهو الذي مرّ بتجربة فقد لشريكة حياته السابقة. يتحقق العمق العاطفي في "ولنا في الخيال" تحديداً من مشاهد بكاء يوسف، وقصّه عن زوجته، واستعادته لذكرياتهما القديمة، وحتى مواجهة أسرتها التي لم ترض عن الزيجة حين أبعدت ابنتها لتعيش سنوات مع يوسف مراد في ألمانيا، ثم لتموت هناك فتفقدها الأسرة مرتين. لا عجب إذاً أن السعدني، الإنسان لا الممثل، قد تمكن بعد هذا الفيلم من بدء حياة جديدة، وامتن علناً للفن الذي سمح له بالتعبير عن تجربته.
تحفظ سينمائي
في مقابل هذه الكثافة الشعورية، ربما نلمس غياباً لشخصية البطلة وردة، وهي الرابط المشترك بين يوسف ونوح. لقد رأينا بيت نوح، وعشنا في بيت يوسف. لكننا لم نطلع على حياة وردة الداخلية. إنها شابة مفعمة بالطاقة، بحبّ الناس. لكنها تُنكِر نفسها، على نحو ما، كي تُنقذ يوسف، وفي هذا الإنقاذ يُهيأ إليها أنها تحبه، أو تحب أن يكون حبيبها على شاكلته. حين تأتي لحظة الاعتراف بالحب منها، فإنها تصيبنا بالحيرة كما تصيبه.
تقدم وردة صورة للمرأة المنقذة المحبوبة من المجتمع لأنها ستسامح نوح على تخليه، لحظة دافعت عن حقها في الإخلاص لعملها في السينما، وهو قطاع يسيطر عليه الرجال. لعل لحظة الجرأة الوحيدة التي رأيناها عليها في الفيلم، ساعة ارتدت الفستان الأحمر ورقصت مع كل من نوح ويوسف في الاستعراض الأخير. ولا يغيّر هذا شيئاً من موهبة مايان السيد التي تبدت أكثر جموحاً في دورها المركّب في فيلم "كولونيا" 2025 إخراج محمد صيام.
من هذه الناحية يمكن القول إن "ولنا في الخيال... حب؟"، فيلم متحفظ، ومحافِظ حتى. مقارنة أيضاً بمشهد التعبير عن الحب في "الهوى سلطان" الذي أثار الجدل وقت عرض الفيلم، وجعلنا نرى إلى أي حد صارت رقابة الجماهير أسوأ من رقابة المصنفات الفنية. هذا فيلم لا يستفز أحداً، ومن الصعب تصوّر أنه كان يمكن أن يبلغ نهاية أخرى، لا تعيد الشابين بعضاً إلى بعض، وتُبعد وردة تماماً عن حياة يوسف، بعد أن رأى فيها شبهاً من زوجته الراحلة في أول لقائه بها. على أن الفيلم يملك فضيلة أنه لا يشوّه عالم السينما وفنانيها وأكاديمياتها، بإظهارهم كأشرار مُغوين للفتيات الصغيرات كما دأبت عشرات الأفلام المصرية في الماضي. يبقى فقط هذا الاستعراض الأخير الذي يغني فيه الأبطال الثلاثة، ويبيّنون لنا الفرق بين الخيال والوهم، يبقى أضعف نهاية ممكنة لفيلم مُبهج، يجعلنا ننتظر أعمالاً أخرى من صُنّاعه.