ملخص
يتحول القطب الشمالي إلى جبهة تنافس عسكري واقتصادي متصاعد، فيما تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى توحيد دفاعاتهم في مواجهة تمدد روسيا والصين، لكن تهديدات ترمب لغرينلاند وكندا تنذر بتقويض الثقة بينهم. بناء درع مشتركة للمنطقة يتطلب تعزيز المراقبة الفضائية والبحرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وإصلاح هيكل القيادة الأميركية، وتوسيع التعاون العلمي والصناعي.
قبل ستة أشهر، فجرت الولايات المتحدة أزمة عبر الأطلسي في شأن غرينلاند، ففي أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن البيت الأبيض أن "الاستحواذ على غرينلاند يمثل أولوية للأمن القومي الأميركي"، وأن الخيارات التي كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدرسها لتحقيق هذا الهدف تشمل "استخدام الجيش الأميركي"، ورداً على ذلك، أعلن رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن أن مستقبل الجزيرة "سيقرره شعب غرينلاند"، وأنها ستحتفظ في الوقت الراهن بوضعها إقليماً يتمتع بالحكم الذاتي تابعاً للدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو). وحذرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن من أن هجوم الولايات المتحدة على غرينلاند سيكون اليوم الذي "يتوقف فيه حلف الـ 'ناتو' عن الوجود".
ولمزيد من الاحتياط، نُشر عدد محدود من القوات الدنماركية وغيرها من قوات الـ "ناتو" الأوروبية في غرينلاند لإجراء مناورة عسكرية مرتجلة، وتلقت القوات الدنماركية تعليمات بتدمير مدارج المطارات وفتح النار على القوات الغازية في حال وقوع هجوم.
وبعد أيام قليلة، تراجع ترمب عن تهديده بالاستيلاء على غرينلاند بالقوة، نازعاً فتيل الأزمة المباشرة. لكن هذه الحادثة، إضافة إلى حديثه المتكرر عن ضم كندا لتصبح "الولاية الـ 51"، دفعت حلفاء الـ "ناتو" في منطقة القطب الشمالي إلى تكثيف أنشطتهم الأمنية. فقد تعهدت كندا بتخصيص 28 مليار دولار في مارس (آذار) 2025 لتحديث نظام الرادار الخاص بها في القطب الشمالي، وتطوير نظام الدفاع الجوي الأميركي - الكندي المعروف باسم "نوراد"(NORAD) .
وفي مارس (آذار) 2026، خصصت أوتاوا 29 مليار دولار إضافية لبناء ثلاثة مواقع عمليات أمامية، وتحسين الاتصالات العسكرية عبر الأقمار الاصطناعية، وتحديث مطارات القطب الشمالي. أما الدنمارك، فخصصت أكثر من 6 مليارات دولار لتشغيل ثلاث سفن دوريات جديدة في القطب الشمالي، وطائرات مسيّرة بعيدة المدى، وأنظمة رادار للمراقبة الجوية. كذلك وقعت النرويج والمملكة المتحدة اتفاقاً في ديسمبر (كانون الأول) 2025 لتعزيز قدراتهما في مجال مكافحة الغواصات شمال المحيط الأطلسي. وأرسلت المملكة المتحدة أخيراً حاملة طائرات لتسيير دوريات في مياه القطب الشمالي، ضمن مهمة الـ "ناتو" المسماة "حارس القطب الشمالي"، التي انطلقت في وقت سابق من هذا العام.
تشهد السياسة الأميركية تجاه القطب الشمالي هي الأخرى تحولاً جذرياً، فمنذ نهاية الحرب الباردة، تعامل مخططو الدفاع الأميركيون مع المنطقة باعتبارها أولوية متدنية، وتأخرت بشدة برامج بناء كاسحات الجليد وموانئ المياه العميقة والأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة والمنشآت العسكرية، وكانت المشكلات الناجمة عن هذا التأخير واضحة، ففي عام 2015 لم تكن الولايات المتحدة تمتلك سفناً قادرة على تعقب السفن الحربية الصينية في بحر بيرينغ قبالة سواحل ألاسكا، واضطرت بدلاً من ذلك إلى الاعتماد على المراقبة الجوية، وفي عام 2024، واجهت القوات الأميركية صعوبة في الوصول سريعاً إلى جزيرة شيميا النائية في ألاسكا، بعدما أطلقت 15 سفينة حربية روسية صواريخ في إطار مناورة بحرية. لكن المنطقة قد تحصل الآن أخيراً على التمويل والاهتمام اللذين تستحقهما. وتتضمن الوثائق الإستراتيجية لإدارة ترمب مقترحات لدمج القطب الشمالي ضمن خطة للدفاع عن الوطن تشمل نصف الكرة الأرضية الغربي بأكمله، وقد موّل الكونغرس بالفعل بناء ما يصل إلى ثلاث كاسحات جليد ثقيلة و11 كاسحة متوسطة، وبدأ تخصيص أموال لتحسين البنية التحتية العسكرية على طول ساحل ألاسكا. كذلك تعمل قوة الفضاء الأميركية على تحديث أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي المتمركزة في ألاسكا وكندا وغرينلاند، فيما يحثها الكونغرس على استكمال برنامج الأقمار الاصطناعية القطبية المخصصة للإنذار الباكر من الصواريخ. ومع توسع الجيش والشركات في استغلال الموارد المعدنية الحيوية ومصادر الطاقة في القطب الشمالي، سيزداد اهتمام الحكومة الأميركية بالمنطقة.
لكن تأمين الجبهة الشمالية للولايات المتحدة بالكامل سيتطلب أيضاً تعاون واشنطن بصورة أوثق بكثير مع حلفائها في القطب الشمالي، فروسيا والصين تستثمران باستمرار في تعزيز قدراتهما هناك، سعياً إلى توسيع نطاق وصولهما إلى المنطقة والسيطرة عليها وعلى مواردها الوفيرة، ولمواجهة هذا التهديد المتنامي، سيتعين على الولايات المتحدة ودول الـ "ناتو" الأخرى التي تمتلك أراضي في القطب الشمالي، وهي كندا والدنمارك وفنلندا وأيسلندا والنرويج والسويد، حشد مواردها الاقتصادية، وتحقيق تكامل أفضل بين دفاعاتها، والعمل معاً على الابتكار التكنولوجي. وكانت تهديدات ترمب لسيادة كندا والدنمارك وغرينلاند مسؤولة إلى حد بعيد عن الخطوات التي اتخذها حلفاء الـ "ناتو" حتى الآن لتعزيز التزاماتهم الأمنية في القطب الشمالي، لكن انعدام الثقة والخوف قد يقوضان التقدم المحرز. وقد أجج الرئيس الأميركي التوتر مجدداً عندما صرح، على هامش قمة الحلف الأخيرة في أنقرة، بأن غرينلاند "يجب أن تكون تحت سيطرة الولايات المتحدة، لا الدنمارك"، وإذا استمرت واشنطن في استفزاز شركائها في القطب الشمالي من دون داع، فقد تقوض أفضل فرصة أتيحت حتى الآن لبناء إستراتيجية دفاعية موحدة، قادرة على حماية المصالح الأميركية ومصالح الحلفاء في المنطقة لأعوام مقبلة.
مياه خطرة
يدرك خصوم الولايات المتحدة القيمة الإستراتيجية للقطب الشمالي، ولذلك يعملون على توسيع قدراتهم العسكرية والاقتصادية ذات الاستخدام المزدوج في المنطقة، فروسيا باتت تهدد بصورة معتادة كابلات الاتصالات الممتدة تحت مياه شمال الأطلسي، وغواصاتها النووية وصواريخها الفرط صوتية ومركباتها وأنظمتها المخصصة للعمل تحت الماء، صُممت جميعها لتفادي الدفاعات الأميركية والأطلسية، وفي سبتمبر (أيلول) 2025، صعّدت قوات كوماندوز تابعة للبحرية الفرنسية على متن ناقلة نفط تابعة لأسطول الظل الروسي الخاضع للعقوبات قبالة الساحل الأطلسي الفرنسي، بعدما اشتبهت في أن السفينة استُخدمت منطلقاً لسلسلة من رحلات الطائرات المسيّرة فوق الدنمارك، وكذلك ضايقت طائرات مسيّرة، يُشتبه في انطلاقها من سفن أبحاث وصيد روسية، منصات الطاقة النرويجية في بحر الشمال والبحر النرويجي عام 2022.
وتواصل موسكو محاولاتها تقويض سلطة النرويج على أرخبيل سفالبارد ذي الأهمية الإستراتيجية، من خلال تطوير قاعدة عسكرية في جزيرة روسية مجاورة، وتأجيج التوترات في شأن تناقص مخزون الأسماك في المنطقة، ونشر رموز أرثوذكسية روسية في أنحاء الأرخبيل، بما في ذلك صليب يزيد ارتفاعه على ستة أمتار، أُقيم قرب مستوطنة تعدين سوفياتية مهجورة.
كذلك أصبحت الصين أكثر نشاطاً في القطب الشمالي ومحيطه، فهناك عدد من كاسحات الجليد الصينية القادرة على الوصول إلى وسط المحيط المتجمد الشمالي، وهي منطقة أعالي البحار المحيطة بالقطب الشمالي، وتقسّم بكين أسطولها المؤلف من خمس كاسحات جليد، والآخذ في التوسع، بين المياه الواقعة شمال ألاسكا، حيث تختلف الولايات المتحدة وروسيا في شأن حدودهما البحرية المشتركة، والمياه الممتدة بين غرينلاند والساحل السيبيري، التي تشهد أيضاً تداخلاً في المطالبات المتعلقة بالجرف القاري الخارجي، وفي المنطقة الأخيرة تعمل الصين على رسم خرائط لقاع المحيط المتجمد الشمالي، وتقييم الفرص المهمة لاستخراج المعادن.
وقد اعتقلت السلطات النرويجية أخيراً مواطناً صينياً بتهمة التجسس قرب محطة أرضية للأقمار الاصطناعية شمال النرويج، إذ تتيح الجغرافيا الفريدة لأقصى الشمال لهذه المحطة توفير نقل شبه متواصل لبيانات الأقمار الاصطناعية، مما يمنح الدولة التي تسيطر عليها ميزة كبيرة في الحصول على بيانات إطلاق الصواريخ، وتحديد المواقع الملاحية، ورصد التحركات العسكرية والأحوال الجوية.
كذلك سعت بكين إلى لعب دور أكبر في حوكمة القطب الشمالي، من خلال توفير البيانات العلمية التي تستند إليها الاتفاقات متعددة الأطراف، المتعلقة بالتنوع البيولوجي في أعالي البحار، وإدارة مصائد الأسماك في القطب الشمالي، في محاولة لتشكيل اللوائح بما يخدم مصالحها، وسيتيح تنامي الحضور الاقتصادي والعلمي الصيني لبكين توسيع أنشطتها العسكرية أيضاً، إذ إن كل سفينة سطحية أو غواصة صينية، تعبر مياه القطب الشمالي، تمدها بمعارف تساعدها في تنفيذ عمليات مستقبلية.
قد تحصل منطقة القطب الشمالي أخيراً على التمويل والاهتمام اللذين تستحقهما
يؤدي المحيط المتجمد الشمالي والأجزاء الشمالية من المحيطين الهادئ والأطلسي دور حواجز طبيعية فعالة، تحمي أميركا الشمالية وأوروبا وحلفاء الولايات المتحدة في منطقة المحيط الهادئ، لكن ذلك مشروط بقدرة الولايات المتحدة وحلفائها في الـ "ناتو" على الدفاع عن تلك الجبهات، ويجب أن يكونوا قادرين على حماية حرية الملاحة في الممرات البحرية التي بات الوصول إليها أسهل في القطب الشمالي، وعلى رصد أنشطة خصومهم الجوية والبرية والفضائية والبحرية، وردعها والتصدي لها عبر مسافات شاسعة، وكل ذلك يتطلب تضافر الجهود. وكما أشار رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره، فإن النرويج والحلفاء الأوروبيين الآخرين، لا الولايات المتحدة، هم على الأرجح من سيرصد أولاً الغواصات الروسية المسلحة نووياً، عند مغادرتها قواعدها في القطب الشمالي، وإذا أفلتت تلك الغواصات من الرصد، أثناء عبورها بحر بارنتس أو البحر النرويجي، فقد تهدد مدن أميركا الشمالية مباشرة.
وفي الوقت نفسه، تمتد شبكة الدفاع الصاروخي الشمالية للولايات المتحدة من ألاسكا إلى كندا وغرينلاند، ومن دون تعاون كندا والدنمارك، ستظهر ثغرات في هذه الدرع، مما يضعف قدرة الولايات المتحدة على رصد الصواريخ الموجهة نحو أراضيها واعتراضها، وإذا تمكنت سفن الأبحاث أو كاسحات الجليد الصينية من الإبحار، من دون أن تُرصد في بحر تشوكشي شمال غربي ألاسكا، فقد تنفذ عمليات غير قانونية داخل المياه الأميركية، ولذلك يعمل خفر السواحل الأميركي بصورة وثيقة مع نظيره الكندي لرصد تلك السفن، ولتحسين قدرات الولايات المتحدة على القتال في الطقس البارد، لجأت قواتها الخاصة مراراً إلى كندا ودول الشمال الأوروبي، لمساعدتها في تطوير تدريب أفرادها، واختبار معدات جديدة ملائمة للعمل في بيئة القطب الشمالي.
وقد كثفت الولايات المتحدة وحلفاؤها أخيراً جهودهم لتحصين الجبهة الشمالية ضد الصواريخ، ومراقبة الأنشطة البحرية على السطح وتحته، وتعزيز قدرات المراقبة الفضائية، ومن شأن خطط نشر مزيد من الأقمار الاصطناعية التي تدور في مدارات قطبية، وسفن الدوريات الخاصة بالقطب الشمالي، والأنظمة من دون طاقم، وأجهزة الاستشعار، وتحديث البنية التحتية للموانئ والمطارات، وإجراء تدريبات في ظروف البرد القارس، أن تعزز الدفاعات الأميركية ودفاعات الحلفاء في المنطقة. وقد شكل الـ "ناتو" مجموعة قتالية جديدة بدأت عملياتها شمال فنلندا وشمال السويد في يونيو (حزيران) الماضي، وأطلق الحلف أيضاً قوة مهمات مخصصة لدمج الأنظمة ذاتية التشغيل، بهدف تحسين رصد التهديدات المحتملة وتعقبها في شمال المحيط الأطلسي ومناطق القطب الشمالي.
والأهم من ذلك أن مسؤولين كباراً من الدنمارك وغرينلاند والولايات المتحدة يعقدون اجتماعات شهرية للتفاوض في شأن إمكان إعادة فتح ثلاث منشآت عسكرية أميركية على طول الساحلين الجنوبي والشرقي لغرينلاند، حيث يمكن لتعزيز المراقبة والوجود الميداني أن يقلص زمن اكتشاف التهديدات، والاستجابة لها في المياه الواقعة بين غرينلاند والمملكة المتحدة، ومع ذلك لا يزال يتعين على الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بذل مزيد من الجهود، لمواجهة التهديدات المتنامية القادمة من الصين، ومن روسيا بخاصة.
ارفعوا دروعكم
لحسن الحظ، يبدو أن هناك رغبة في تعزيز التعاون في القطب الشمالي، على رغم استفزاز الولايات المتحدة حلفاءها، ففي مايو (أيار) الماضي، أصدر وزراء خارجية سبع دول في القطب الشمالي، وهي كندا والدنمارك وفنلندا وأيسلندا والنرويج والسويد والولايات المتحدة، بياناً مشتركاً أعلنوا فيه عزمهم على توثيق التعاون في المسائل الأمنية. ويتعين على الولايات المتحدة البناء على هذا الزخم والعمل مع شركائها لضمان إمكان نشر قدراتهم العسكرية وأنظمة المراقبة الجوية والبحرية والفضائية معاً، وربط تلك الأنظمة بما يتيح لها تبادل البيانات بسلاسة، بما ينشئ عملياً درعاً مشتركة للحلفاء في القطب الشمالي.
وبعض عناصر هذه الدرع الناشئة قائمة بالفعل، ففي يوليو عام 2024، انضمت الولايات المتحدة إلى كندا وفنلندا لتشكيل "مبادرة التعاون في مجال كاسحات الجليد" ICE Pact))، وهي خطة تهدف إلى تسريع إنتاج كاسحات الجليد الأميركية، من خلال الاستفادة من خبرات البلدين في تصميم السفن وبنائها، لمساعدة أحواض بناء السفن الأميركية. وسيزود هذا الترتيب الولايات المتحدة بأسطول جديد مؤلف من 11 سفينة، ومن المتوقع وصول أولى سفنه عام 2028. وفي إطار تعاون مماثل، تضافرت جهود كندا والدنمارك وألمانيا والنرويج والمملكة المتحدة لشراء طائرات استطلاع أميركية الصنع من طراز "بي-8"، وطائرات مسيّرة للمراقبة، مما سيساعدها في تعقب الغواصات الروسية.
ويحرز حلفاء الولايات المتحدة تقدماً أيضاً في تطوير قدرات مشتركة للعمل تحت سطح البحر، فقد وقّعت النرويج والمملكة المتحدة اتفاقاً أواخر ديسمبر 2025 لبناء 13 فرقاطة لمطاردة الغواصات الروسية في القطب الشمالي وشمال المحيط الأطلسي، ووفقاً لوزارة الدفاع البريطانية، ارتفع نشاط الغواصات والسفن السطحية الروسية في المياه الواقعة قبالة سواحل المملكة المتحدة بنسبة تقارب 30 في المئة، بين عامي 2023 و2025، ونجحت الدوريات البريطانية - النرويجية المشتركة بالفعل في رصد النشاط الروسي وردعه قرب الكابلات البحرية التي تنقل كميات هائلة من البيانات، بين أميركا الشمالية وأوروبا، وبدأ حلفاء الولايات المتحدة في الـ "ناتو" يتحملون الجزء الأكبر من مسؤولية مراقبة البحار الواقعة بين غرينلاند وأيسلندا والمملكة المتحدة.
ومهما بلغت أهمية كاسحات الجليد وقدرات الحرب المضادة للغواصات، فإن تطوير درع متكاملة ومشتركة للحلفاء في القطب الشمالي، سيتطلب أكثر من ذلك، فقد تركز معظم التقدم حتى الآن في المجال البحري، لكن الحلفاء يحتاجون أيضاً إلى تحسين دفاعاتهم الفضائية والصاروخية، وزيادة عدد الأقمار الاصطناعية في المدارات القطبية، والمحطات الأرضية المقامة في القطب الشمالي، وسيحتاجون إلى تحسين تبادل المعلومات الاستخباراتية ودمج البيانات، وبالنسبة إلى دول الـ "ناتو" السبع التي تمتلك أراضي في القطب الشمالي، فإن إنشاء تحالف مماثل لتحالف "العيون الخمس"، الذي يضم أستراليا وكندا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، سيساعدها في تكوين صورة شاملة للأنشطة المعادية، بدءاً من قاع البحر ووصولاً إلى الفضاء الخارجي. وعلى اليابسة، ومع تحديث الحلفاء منشآتهم العسكرية وإنشاء مواقع جديدة للتدريب ومهمات الردع، يجب عليهم التأكد من إمكان تشغيل هذه المواقع الأمامية معاً بصورة متكاملة، كما يتعين عليهم إجراء مزيد من التدريبات المشتركة في ظروف الطقس البارد، والتعاون في تطوير معدات متقدمة قادرة على العمل في القطب الشمالي، ويعد حلف شمال الأطلسي الجهة الأنسب لدمج هذه الجهود، فالدول السبع التي تمتلك أراضي في القطب الشمالي أعضاء جميعاً في الحلف، كما أن أعضاء الـ "ناتو" من خارج المنطقة لديهم كثير مما يمكنهم تقديمه، وتعد المملكة المتحدة شريكاً طبيعياً بحكم موقعها الجغرافي، لكن فرنسا وألمانيا وهولندا، وربما بولندا ودول البلطيق أيضاً، ستكون لها أدوار تؤديها، ولأن أمن القطب الشمالي بالغ الأهمية، فإن الولايات المتحدة لا تملك ترف استبعاد أي من حلفائها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وسيتطلب إنشاء منظومة دفاع مشتركة وفعالة للحلفاء في القطب الشمالي أن تجري الولايات المتحدة بعض التغييرات داخلياً، ومن المرجح أن تشمل هذه التغييرات مراجعة ترتيبات القيادة والسيطرة في الجيش الأميركي، ففي الوقت الحالي، لا توجد قيادة واحدة تتولى مسؤولية المنطقة القطبية المحيطة بأكملها، وحتى يونيو عام 2025، كانت ألاسكا وغرينلاند تخضعان لاختصاص القيادة الشمالية الأميركية، في حين تتولى القيادة الأوروبية الأميركية المسؤوليات العملياتية، عن شمال أوروبا وبقية مناطق أقصى الشمال، أما قوات الجيش الأميركي النخبوية المتخصصة في العمليات في القطب الشمالي، والمتمركزة في ألاسكا، فتخضع للقيادة الأميركية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، على رغم أن تلك القيادة لا تتحمل أية مسؤوليات عملياتية في القطب الشمالي. ويعمل خفر السواحل الأميركي، الذي يتمتع بأبرز حضور أميركي في المنطقة، بصورة وثيقة مع القيادات الإقليمية، لكنه غير مندمج في هيكل القيادة هذا، لأنه يتبع وزارة الأمن الداخلي، وقد يؤدي هذا التشتت إلى ثغرات في المعلومات الاستخباراتية والاستجابة، وستواجه أية محاولة لإعادة هيكلة القيادات القتالية الأميركية عقبات سياسية كبيرة، لكنها ستكون ضرورية للدفاع عن منطقة قطبية تشهد نشاطاً عسكرياً واقتصادياً متزايداً. ومن الناحية المثالية، ينبغي إنشاء قيادة جديدة للقطب الشمالي تحت مظلة القيادة الشمالية الأميركية، تُسند إليها المسؤولية الرئيسة عن المنطقة، وتتولى دمج القدرات والقوات التابعة حالياً لخفر السواحل والقيادتين الأوروبية والأميركية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
المعرفة العلمية هي الأساس الذي تُبنى عليه التجارة والأمن في القطب الشمالي
وهناك مهمة رئيسة أخرى تتمثل في إشراك القطاع الخاص، إذ تركز "خطة العمل البحرية" لإدارة ترمب، التي صدرت في فبراير (شباط) الماضي، على تأمين الممرات المائية في القطب الشمالي، من خلال العمل بصورة وثيقة مع الشركاء الصناعيين والتجاريين، لبناء الطائرات المسيّرة والأقمار الاصطناعية، وتحديث أنظمة الاتصالات والملاحة، وتطوير الموارد المعدنية وموارد الطاقة، وتحسين البنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج، مثل الأرصفة البحرية وحظائر الطائرات ومدارج الهبوط، ونظراً إلى قسوة الظروف المناخية واتساع المسافات في المنطقة، يتعين على الحكومة الأميركية ضمان ملاءمة جميع القدرات والوسائل المتاحة، العسكرية والمدنية، لمتطلبات الأمن القومي، وبما أن قدرات الحكومة على الرصد وحضورها الميداني في القطب الشمالي لا تزال محدودة ومتقطعة، فستحتاج في كثير من الحالات إلى الاعتماد على الشركات الخاصة، ومجتمعات السكان الأصليين، للحصول على معلومات في شأن أنشطة روسيا والصين العسكرية والاستخباراتية.
ويتعين على واشنطن الاستثمار في هذه الشبكات بالطريقة نفسها التي تستثمر بها في علاقاتها مع حلفائها في القطب الشمالي، من خلال تزويد الشركات والمجتمعات المحلية بالأدوات اللازمة لتنبيه السلطات إلى الأنشطة المعادية والاستجابة للحوادث.
وأخيراً، يجب على الولايات المتحدة تعزيز بعثاتها العلمية في قاع المحيط المتجمد الشمالي، وأعالي البحار في وسطه، وتشجيع حلفائها على فعل الشيء نفسه، فالمعرفة العلمية هي الأساس الذي تُبنى عليه التجارة والأمن في القطب الشمالي، وهو أمر تدركه الصين تمام الإدراك، وقد أجرت الولايات المتحدة بدورها قدراً كبيراً من البحوث العلمية في القطب الشمالي، لكنها تواجه صعوبة في مواءمة أولوياتها العلمية مع أولوياتها الأمنية، فإذا كانت واشنطن تسعى مثلاً إلى تحقيق الهيمنة البحرية في المنطقة، فعليها الاستفادة من أفضل البحوث المتاحة في شأن تأثير التغيرات البيئية في الممرات المائية للقطب الشمالي، وسيتعين عليها الحؤول دون أن تحقق الصين وروسيا مكاسب من خلال أنشطتهما العلمية. ويهدف مشروع قانون طُرح أخيراً بدعم من الحزبين إلى الحد من قدرة البلدين على "استغلال البحث العلمي غطاء للتجسس" في المياه الأميركية بالقطب الشمالي، لكن هذا التشريع ليس سوى خطوة أولى.
الأمر يتطلب عملاً جماعياً
حان الوقت لأن تحدّث الولايات المتحدة وحلفاؤها خططهم الأمنية المشتركة الخاصة بالقطب الشمالي، ففي واشنطن، يعمل الـ "بنتاغون" حالياً على إستراتيجية جديدة للمنطقة، هي الأحدث منذ أن أصدرت إدارة بايدن إستراتيجيتها عام 2024، وتبحث وزارة الأمن الداخلي بدورها في وضع سياسات جديدة للقطب الشمالي، وتسعى هاتان الوزارتان إلى استخدام كاسحات الجليد وغيرها من القدرات القطبية، لأغراض الدفاع وإنفاذ القانون في المنطقة، ومن شأن دمج جهودهما التخطيطية أن يساعد في تقليل الاحتكاك بينهما، ومن المقرر أيضاً أن يمضي الكونغرس قدماً في إقرار تمويل إضافي للـ "بنتاغون"، إضافة إلى مشاريع قوانين تجيز برامج الدفاع واعتماداتها، وعندما يحدث ذلك، ينبغي للمشرعين اغتنام الفرصة لتمويل مبادرات مشتركة مع حلفاء القطب الشمالي، بهدف تطوير بنى تحتية وتقنيات أمنية جديدة، مثل مواقع العمليات الأمامية، والأقمار الاصطناعية في المدارات القطبية، ومستشعرات قاع البحر.
وهناك خطر يتمثل في أن تتعطل الجهود الرامية إلى تعزيز الجناح الشمالي للولايات المتحدة والـ "ناتو" قبل اكتمالها، ففي ظل الصراعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا، والتوترات البحرية في بحر الصين الجنوبي، والأنشطة العسكرية في منطقة البحر الكاريبي، التي تتطلب جميعها اهتمام واشنطن ومواردها، من السهل تصور تراجع أمن القطب الشمالي على سلم أولويات الإنفاق، وأن تُترك بنى تحتية قطبية حيوية من دون تمويل، وإذا واصلت إدارة ترمب تهديداتها بالاستيلاء على أراض جديدة في القطب الشمالي، فستعيد كندا وأوروبا توجيه جهودهما الأمنية وفقاً لذلك، كما فعلتا في يناير الماضي، من خلال بناء دفاعات ضد الولايات المتحدة، بدلاً من توحيد جهودهما معها.
على واشنطن تجنب هذه الأخطاء، فهي تمتلك جميع المقومات اللازمة لبناء إستراتيجية موحدة مع حلفائها، من شأنها تعزيز الأمن في منطقة تشتد فيها المنافسة وتتزايد خطورتها باطراد، وعدم تعزيز دفاعات القطب الشمالي اليوم لن يؤدي إلا إلى زيادة هشاشة الولايات المتحدة في المستقبل.
مترجم عن "فورين أفيرز"، 17 يوليو (تموز) 2026
هيذر كونلي زميلة أولى في معهد "أميركان إنتربرايز" ومستشارة أولى لدى "إيفنفلو ماكرو"Evenflow Macro وشغلت بين عامي 2001 و2005 منصب نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الأوروبية والأوراسية.