Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

استراتيجيات خليجية لتعزيز أمن صادرات النفط خارج مضيق هرمز

تسعى الدول المنتجة إلى تقليل الاعتماد على نقطة عبور واحدة وبناء شبكة أكثر مرونة تجمع التخزين وخطوط الأنابيب والموانئ

عبر المضيق خلال عام 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية (رويترز)

ملخص

تزداد حساسية المضيق بسبب تركّز جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية في منطقة الخليج، فدول مجلس التعاون الخليجي تمتلك نسبة كبيرة من الاحتياطات النفطية العالمية.

في ظل تصاعد الأخطار الجيوسياسية التي تحيط بممرات الطاقة العالمية، تدرس دول الخليج خيارات استراتيجية جديدة لتعزيز أمن صادرات النفط، من بينها تطوير منظومة لتخزين الخام خارج منطقة مضيق هرمز، بهدف ضمان استمرار تدفق الإمدادات إلى الأسواق العالمية في حال تعرض الملاحة عبر هذا الممر الحيوي لأي اضطراب.

ولا تستند هذه التوجهات إلى توقع توقف دائم لحركة الملاحة، بل إلى مبدأ إدارة الأخطار الذي أصبح جزءاً أساسياً من سياسات الطاقة الحديثة، إذ تسعى الدول المنتجة إلى تقليل الاعتماد على نقطة عبور واحدة، وبناء شبكة أكثر مرونة تجمع بين التخزين الاستراتيجي، وخطوط الأنابيب البديلة، والموانئ القادرة على استقبال الناقلات خارج نطاق المضيق.

وتأتي أهمية هذه الخطط من المكانة الاستثنائية التي يحتلها مضيق هرمز في الاقتصاد العالمي، فهذا الممر البحري الضيق، الواقع بين سلطنة عمان وإيران، يعد أحد أهم نقاط الاختناق في تجارة الطاقة الدولية.

عبور مضيق هرمز 

ووفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، فقد عبر المضيق خلال عام 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية، وهو ما يعادل قرابة 20 في المئة من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، ونحو 25 في المئة من تجارة النفط المنقولة بحراً. 

وتمر عبره صادرات الغاز الطبيعي المسال من دولة قطر، التي بلغت صادراتها في عام 2024 نحو 77 مليون طن سنوياً، ما يجعل أمن هذا الممر مرتبطاً مباشرة باستقرار أسواق النفط والغاز العالمية.

وتزداد حساسية المضيق بسبب تركّز جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية في منطقة الخليج، فدول مجلس التعاون الخليجي تمتلك نسبة كبيرة من الاحتياطات النفطية العالمية، إذ تشير بيانات منظمة "أوبك" إلى أن دول الخليج الست تمتلك أكثر من 500 مليار برميل من الاحتياطات النفطية المؤكدة، وتستحوذ السعودية وحدها على نحو 267 مليار برميل، بينما تمتلك الإمارات نحو 113 مليار برميل، والكويت نحو 102 مليار برميل وفقاً لبيانات عام 2024. 

ويبلغ إنتاج دول مجلس التعاون مجتمعة عدة عشرات من ملايين البراميل يومياً، ما يجعل أي تهديد لاستقرار طرق التصدير قضية ذات تأثير عالمي وليس إقليمياً فقط.

ومن هنا، بدأت فكرة تعزيز التخزين خارج منطقة مضيق هرمز تأخذ أهمية أكبر داخل حسابات أمن الطاقة الخليجية، وتقوم الفكرة على إنشاء أو استئجار مرافق تخزين في مواقع استراتيجية خارج الخليج العربي، سواء بالقرب من الأسواق المستهلكة في آسيا أو بالقرب من طرق الملاحة الدولية، بحيث يمكن الاحتفاظ بكميات من النفط الخام جاهزة للتصدير عند الحاجة.

تعطل الإمدادات 

ويهدف هذا النموذج إلى تقليل تأثير أي تعطّل محتمل للملاحة، والمحافظة على التزامات التوريد مع العملاء العالميين، خصوصاً في الأسواق الآسيوية التي تعتمد بدرجة كبيرة على النفط الخليجي.

وتعد آسيا المحور الرئيس لهذه الاستراتيجية بسبب اعتمادها الكبير على إمدادات الخليج، فوفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية، تستحوذ الأسواق الآسيوية على أكثر من 70 في المئة من صادرات النفط الخام الآتية عبر مضيق هرمز.

وتأتي الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية في مقدمة المستوردين، فقد تجاوزت واردات الصين من النفط الخام خلال عام 2024 حاجز 11 مليون برميل يومياً، بينما تجاوزت واردات الهند خمسة ملايين برميل يومياً، ما يجعل استقرار تدفقات الطاقة من الخليج عاملاً أساسياً للحفاظ على النشاط الصناعي والنمو الاقتصادي في أكبر اقتصادات آسيا.

وبالتوازي مع التخزين، تدرس دول الخليج تعزيز استخدام خطوط الأنابيب والموانئ البديلة لتجاوز مضيق هرمز عند الضرورة.

وتعد السعودية والإمارات صاحبتا التجارب الأبرز في هذا المجال، ففي السعودية، يمثل خط الأنابيب الشرقي الغربي "بترولاين" أحد أهم الأصول الاستراتيجية لنقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.

ويبلغ طول الخط نحو 1200 كيلومتر، وتصل طاقته التصميمية إلى نحو خمسة ملايين برميل يومياً، مع إمكانية رفعها إلى مستويات أعلى عند الحاجة وفقاً لخطط تطوير البنية النفطية السعودية.

طرق شحن بديلة

أما الإمارات، فأنشأت خط أنابيب حبشان - الفجيرة الذي بدأ تشغيله عام 2012، ويربط حقول أبو ظبي النفطية بميناء الفجيرة المطل على خليج عمان.

وتبلغ الطاقة التصميمية للخط نحو 1.5 مليون برميل يومياً، ما يسمح بتصدير جزء من النفط الإماراتي من دون المرور عبر مضيق هرمز.

ويعد ميناء الفجيرة اليوم من أهم مراكز تخزين وتجارة النفط في المنطقة، إلى جانب كونه أحد أكبر موانئ تزويد السفن بالوقود عالمياً.

وعلى رغم أهمية هذه البدائل، فإنها لا تمثل بديلاً كاملاً عن مضيق هرمز، نظراً إلى ضخامة حجم النفط الذي يمر عبره يومياً. فإذا كانت صادرات الخليج عبر المضيق تتجاوز 20 مليون برميل يومياً، فإن قدرة خطوط الأنابيب والموانئ البديلة الحالية لا تزال أقل من ذلك، ما يعني أن الهدف الأساس هو تقليل الأخطار وليس إلغاء الاعتماد على المضيق بالكامل.

وأثبتت الأحداث خلال الأعوام الماضية أن الأخطار الجيوسياسية يمكن أن تؤثر في الأسواق حتى من دون حدوث توقف فعلي للإمدادات. 

في عام 2019، بعد الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية وسفن تجارية في منطقة الخليج، ارتفعت المخاوف في الأسواق العالمية وقفزت علاوات التأمين على ناقلات النفط، كذلك شهدت أسعار الخام تقلبات حادة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي عام 2024، أدت التوترات في البحر الأحمر إلى تغيير مسارات عدد كبير من السفن التجارية، ما تسبب في زيادة زمن الرحلات وارتفاع كلفة النقل والتأمين.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن الاستثمار في التخزين خارج المضيق يمثل محاولة لتحويل أمن الطاقة من مفهوم رد الفعل إلى مفهوم الاستعداد المسبق، فكلفة إنشاء خزانات استراتيجية أو تطوير خطوط بديلة قد تصل إلى مليارات الدولارات، لكنها تبقى أقل من الخسائر المحتملة الناتجة من توقف صادرات النفط أو فقدان ثقة الأسواق. 

وجود شبكة تخزين وموانئ متعددة يمنح المنتجين قدرة أكبر على إدارة الإمدادات، وتحسين قدرتهم على التعامل مع تقلبات الأسعار والطلب العالمي.

تخزين النفط

وفي النهاية، تعكس دراسة دول الخليج لتطوير قدرات تخزين النفط خارج مضيق هرمز تحولاً مهماً في استراتيجية الطاقة الإقليمية، فالمعادلة الجديدة لا تقوم فقط على إنتاج أكبر كمية ممكنة من النفط، بل على ضمان وصول هذه الكميات إلى الأسواق مهما تغيرت الظروف السياسية والأمنية.

ومن خلال الجمع بين التخزين الاستراتيجي، والموانئ البديلة، وخطوط الأنابيب العابرة للمناطق، تسعى دول الخليج إلى بناء منظومة طاقة أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأخطار.

وفي عالم أصبحت فيه الطاقة جزءاً من الأمن القومي والاقتصادي للدول، فإن حماية طرق الإمداد لم تعد مسألة لوجستية فقط، بل أصبحت عنصراً أساسياً في استقرار الاقتصاد العالمي.

ولهذا ستبقى مشاريع التخزين خارج مضيق هرمز، وفي مقدمتها المواقع الاستراتيجية مثل الدقم، جزءاً من النقاش الأوسع حول مستقبل أمن الطاقة في الخليج والعالم.

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز