Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مارادونا وميسي... الأول لاحق السياسة والثاني لاحقته

أسطورتان أرجنتينيتان أحدهما جعل مواقفه جزءاً من صورته، والآخر اختار أن تظل كرة القدم لغته الوحيدة

الفارق بين لاعب جعل من كل حدث ومباراة بياناً سياسياً، وآخر أصر على أن تبقى الكرة كروية فحسب، يلخص هذا ربما أفضل ما تغير في الأرجنتين (اندبندنت عربية)

ملخص

جيل رأى مع عبقرية مارادونا صور تشي غيفارا وبوش وتمرده وخطاياه، وجيل وجد في ميسي عبقريته ونقيض التمرد، وموهبة لوحت لكل المواهب من بعده، برسالة تقول، الموهبة وحدها لا تكفي، بلا استمرارية وانضباط، والأهم، البعد عن السياسة ومعاقرة خمرها.

فـي مباراة نهائي كأس العالم عام 1986، حين رفع دييغو أرماندو مارادونا كأس العالم بعدما سجل هدفين متناقضين تماماً في مباراة واحدة ضد إنجلترا، أحدهما بيد غش بها الحكم العربي، وسماها "يد الله"، والآخر بمراوغة فردية اعتبرت "هدف القرن"، لم يكن حينها يحتفل بإنجاز رياضي بحت. كان، في ذهنه في الأقل، أن ينتقم لحرب مالفيناس (فوكلاند) التي خسرتها الأرجنتين أمام بريطانيا قبل أربعة أعوام فقط من ذلك اللقاء.

وبعد أربعة عقود تقريباً، حين رفع ليونيل ميسي الكأس ذاتها عام 2022، لم يكن يفكر إلا في كرة القدم.

هذا هو الفارق بين لاعب جعل من كل حدث ومباراة بياناً سياسياً، وآخر أصر على أن تبقى الكرة كروية فحسب، يلخص هذا ربما أفضل ما تغير في الأرجنتين، وأميركا اللاتينية عموماً، بين جيلين.

الفتى الثائر من فقره

ولد مارادونا عام 1960 في حي فقير على أطراف بوينس آيرس، وظل طوال حياته يحمل هذا الأصل الطبقي كهوية سياسية لا كذكرى بعيدة.

لم يكن دييغو يسارياً بالمعنى النظري المؤدلج، لم يقرأ ماركس بعمق ولم يصغ برنامجاً سياسياً واحداً في حياته، كان أقرب لما يسميه علماء الاجتماع "شعبوية الغضب الطبقي"، عداء غريزي لكل ما يمثل السلطة والمال والنخبة، سواء كانت هذه السلطة اتحاد الفيفا، الذي حاربه كبيرها آنذاك سيب بلاتر لأعوام، أو صندوق النقد الدولي أو الحكومة الأميركية.

هذا الغضب "المارادوني" وجد له أصدقاء طبيعيين بين زعماء اليسار اللاتيني في التسعينيات والألفية الجديدة. اقترب أرماندو أكثر من فيدل كاسترو، الذي عالج إدمانه الكوكايين في كوبا، وكان ذلك بضيافة الزعيم الكوبي شخصياً، حتى إنه وشم صورته على ساقه، وأطلق على نفسه لقب "فيدلي" (Fidelista).

 

ومع هوغو تشافيز في فنزويلا كانت العلاقة مماثلة، ظهورات مشتركة، وإشادات متبادلة، ودعم صريح لما وصفه مارادونا بـ"الاشتراكية البوليفارية".

وحين زار الأرجنتين جورج بوش الابن عام 2005 لحضور قمة الأميركتين، قاد مارادونا تظاهرة مضادة ووصف الرئيس الأميركي بأنه "قمامة بشرية"، وهي عبارة مات ولم يعتذر عنها يوماً.

كان مارادونا، بعبارة أخرى، نتاج زمن كانت فيه أميركا اللاتينية منقسمة بحدة أيديولوجية، بين يسار قومي مثله كاسترو وتشافيز ولولا وموراليس، وواشنطن والمؤسسات المالية الدولية. ولم يكن لاعب بحجم مارادونا يملك رفاهية الحياد في تلك اللحظة التاريخية، أو ربما لم يرد أصلاً أن يملكها.

 

 

أصلان مختلفان تحت علم واحد

ولا يختلف اللاعبان في جذورهما العرقية أيضاً. إذ ينحدر مارادونا من عائلة أرجنتينية متواضعة ذات أصول مختلطة من بينها جذور غوارانية تعود إلى السكان الأصليين في أميركا الجنوبية.

أما ميسي، فتعود غالبية جذوره العائلية إلى مهاجرين إيطاليين وإسبان، ضمن موجات الهجرة الأوروبية التي أسهمت في تشكيل المجتمع الأرجنتيني الحديث، لكن هذه الأصول لا تفسر وحدها الفارق بينهما، بقدر ما تفسره البيئة الاجتماعية والزمن السياسي اللذان تشكل فيهما كل منهما.

ميسي... وعصر مختلف

وعلى النقيض، ينتمي خليفته في المواطنة والألقاب، ليونيل ميسي، المولود عام 1987 في مدينة روساريو، إلى جيل مختلف تماماً. غادر الأرجنتين وهو في الـ13 إلى برشلونة، وتشكلت شخصيته العامة داخل مؤسسة أوروبية احترافية تدرب نجومها على تجنب الجدل السياسي، في بيئة أكثر تحفظاً تجاه خلط الرياضة بالمواقف العامة.

لكن الفارق لم يكن جغرافياً فحسب، فالمشهد السياسي في أميركا اللاتينية تغير جذرياً بحلول وقت بلغ فيه ميسي قمة نجوميته. تراجعت "الموجة الوردية" اليسارية التي احتضنت مارادونا، وحل محلها مشهد أكثر تشظياً واستقطاباً حزبياً، تجسده بوينس آيرس اليوم في صراع حاد بين يمين راديكالي ويسار شديد الخصومة معه، على خلاف زمن مارادونا، حين كان الصراع الأوسع يدور بين تيارات قومية ويسارية في أميركا اللاتينية من جهة، وواشنطن وصندوق النقد الدولي من جهة أخرى.

 

في هذا المناخ الأكثر توتراً، اختار ميسي، بحساب واع ٍأو بميل شخصي فطري، والأرجح مزيج من الإثنين، أن يبقى بلا لون سياسي معلن، حتى وإن أشاع مناوئوه، ومن اكتووا بنيران أهداف الأوقات الحاسمة "صهيونيته".

طوال تاريخه، كان كثير الصمت، لم يدل بتصريح مساند لحزب أو زعيم، ولم يهاجم رئيساً أميركياً، ولم يش في أي كأس عالمية بمعنى سياسي مضاد لأحد.

هذا الصمت المدروس جعله، من الناحية التجارية في الأقل، سلعة عالمية أنظف قابلة للتسويق في كل الأسواق من دون استثناء، وهو فارق جوهري في اقتصاد كرة القدم الحديث القائم على الرعايات العابرة للحدود السياسية.

وعلى رغم صمته لم يغب عن السياسة، فالسياسة كما تكشف تجربته المتكررة، تأتي إليه هو لا العكس، كما كان يجاهر بها دييغو.

 

حين استضافه دونالد ترمب في البيت الأبيض، مارس (آذار) الماضي، تكريماً لبطولة إنتر ميامي بالدوري الأميركي، ألقى الرئيس الأميركي خطاباً حاداً حول الحرب على إيران بينما صفق ميسي، في مشهد أثار تساؤلات إعلامية حول ما إذا كان يدرك أصلاً محتوى الخطاب السياسي، أم أنه ببساطة يصفق بحكم البروتوكول، ولضعف إتقانه الإنجليزية، كما قال غير مرة.

وحين واجه اتهامات متكررة على منصات التواصل بأنه "صهيوني"، استند بعضها إلى صور مفبركة، مثل ظهوره حاملاً العلم الإسرائيلي، فيما كانت صور زيارته حائط البراق عام 2013 حقيقية، وجاءت ضمن جولة لنادي برشلونة وصفت بأنها "جولة من أجل السلام"، شملت أيضاً لقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس والمشاركة في تدريب أمام آلاف الفلسطينيين. ومع ذلك لا تمثل الزيارة وحدها دليلاً على تبنيه موقفاً سياسياً معلناً تجاه الصراع.

ما تكشفه الدراسات عن ميسي

الأكثر لفتاً للانتباه أن غياب ميسي عن السياسة لم يمنع الجمهور من إسقاط سياسة عليه على أي حال، ذلك حين نشرت دراسة أكاديمية في مايو (أيار) 2026 على منصة "SSRN"، شملت أكثر من 10600 مشارك في 26 دولة، وخلصت إلى أن مشجعي ميسي يميلون إحصائياً أكثر لليسار والتقدمية والانفتاح، مقابل ميل مشجعي كريستيانو رونالدو (منافسه البرتغالي التاريخي) للمحافظة السياسية.

 

 

وبدورها تصف الباحثة تيريزا خيل لوبيث من جامعة كارلوس الثالث بمدريد، التوجه السياسي بأنه "أقوى مؤشر فردي" في التنبؤ بتفضيل الجمهور، متجاوزاً حتى العمر والجنسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعبارة أخرى، لم يعد الفرد في حاجة إلى أن يكون مارادونا، أن يشم تشي غيفارا على ذراعه ويهاجم رؤساء أميركا علناً، كي يتحول لرمز أيديولوجي، يكفي أن يكون محايداً بأناقة كافية ليصبح مرآة يسقط عليها كل معسكر ما يريد رؤيته فيه.

 وهذا ما تلقاه ليونيل، الذي بلغ بمنتخبه نهائي كأس العالم 2026، قبل خسارته أمام المتوجة باللقب إسبانيا، البلد الذي تشكلت فيه معالمه وموهبته وصمته.

الفرق بينهما

الفارق بين مارادونا وميسي ليس فارقاً في الموهبة أو حتى الشخصية بقدر ما هو فارق في زمنين سياسيين مختلفين تماماً في أميركا اللاتينية.

الأول ابن مرحلة كانت فيها الأيديولوجيا لغة الشارع نفسها، فاختار أن يتحدثها بصوت عالٍ.

والثاني ابن مرحلة أصبحت فيها العلامة التجارية الشخصية أهم من أي انتماء حزبي، فاختار الصمت، وإن كان صمتاً لم يحمه بالكامل من أن يقحم في معارك لم يخترها.

 

 

كلاهما منح الأرجنتين كأس العالم

مارادونا صنع معجزته في مونديال 1986، حين قاد منتخباً محدود الإمكانات إلى اللقب بعبقرية فردية استثنائية، قبل أن يمنح نابولي أول لقبين للدوري الإيطالي في تاريخه، ويقوده إلى كأس الاتحاد الأوروبي عام 1989، محولاً نادي الجنوب إلى بطل في مواجهة عمالقة الشمال.

أما ميسي، فبنى إرثه على الاستمرارية لا الانفجار، حافظ على قمة مستواه لأكثر من عقدين، حصد خلالها ثماني كرات ذهبية وقاد برشلونة إلى حقبة هيمنة تاريخية، قبل أن يحقق الإنجاز الذي كان ينقصه بإحراز كأس العالم في قطر 2022، بعد أعوام من الإخفاقات، وهو في الـ35.

 

 

الفارق بينهما أن مارادونا جسد عبقرية اللحظة، مر كوميض سرعان ما أطفأته براثن الخمر والسمنة والمخدرات، بينما على العكس تماماً، جسد ميسي عبقرية الاستمرارية، وهو الذي حصد كؤوساً ولم تطفئ صحوته نشوة الكؤوس.

الأول صنع المستحيل في أعوام قليلة، والثاني كرره على مدى 20 عاماً، ولم يصبح الجدل يوماً بينهما حول ما حققاه من أرقام، كان الجدل من الأعظم. الخلاف مرة أخرى على العظمة، وحسب.

الحقيقة يمكننا القول إن كليهما تجاوز حدود الجدل، لاعبان عظيمان ووثيقتان حيتان لكيفية رؤية الأرجنتين نفسها عبر جيلين متعاقبين، جيل رأى في مارادونا صور تشي غيفارا مع العبقرية والتمرد، وجيل وجد في ميسي عبقريته وتمرده وخطاياه، وجيل رأى ميسي وهو يقف على نقيض التمرد، موهبة لوحت لكل المواهب من بعده، برسالة تقول "الموهبة وحدها لا تكفي بلا استمرارية وانضباط، والأهم، البعد عن السياسة ومعاقرة خمرها".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير