ملخص
حتى في حال إعادة فتح المضيق بالكامل، ستبقى كلفة الشحن والتأمين مرتفعة، إذ إن الأسواق استوعبت هشاشة هذه النقطة الحيوية.
مع دخول الصراع بين التحالف الأميركي - الإسرائيلي وإيران شهره الخامس، أصبحت التوقعات الاقتصادية التي بدت في السابق سيناريوهات مبالغاً فيها وكأنها واقع مرير.
فمع شل مضيق هرمز فعلياً ووصول الاحتياط الاستراتيجي الأميركي للنفط إلى أدنى مستوياته منذ 43 عاماً، يخوض الاقتصاد العالمي أزمة تجمع بين الصدمة التضخمية التي شهدها خلال السبعينيات وهشاشة سلاسل التوريد في حقبة ما بعد الجائحة.
الواقع الاقتصادي الجديد
قبل التصعيد في فبراير (شباط) الماضي، كان إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مسار واعد، إذ كان النمو يكتسب زخماً والتضخم يتراجع، لكن هذا التقدم انعكس بصورة حادة. ويتوقع صندوق النقد الدولي الآن أن يتباطأ نمو الإقليم إلى 1.4 في المئة العام الحالي، وهو خفض قدره 2.3 نقطة مئوية عن توقعات أكتوبر (تشرين الأول) 2025، في واحدة من أكبر المراجعات السلبية خلال ستة أشهر منذ الأزمة المالية العالمية.
ويكمن السبب الجذري في التعطيل شبه الكامل لمضيق هرمز الذي يعبر منه نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية وأكثر من ربع إمدادات الغاز الطبيعي المسال عادة.
وأدت الهجمات الإيرانية وعمليات الإغلاق الاحترازية إلى خفض إنتاج النفط والغاز نحو 13 مليون برميل يومياً، مما دفع سعر خام "برنت" فوق 100 دولار للبرميل، بينما ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية نحو 60 في المئة، متجاوزة الصعود الذي شهدته السوق بعد الحرب الروسية على أوكرانيا.
التهديدات المتصاعدة والخطوط الحمراء
تطور الصراع من ردود فعل محسوبة إلى تهديدات صريحة تستهدف البنية التحتية الحيوية، وحذرت إيران من أن أية هجمات أميركية إضافية على جسورها أو بنيتها التحتية للطاقة ستؤدي إلى ضرب مطارات دبي وأبو ظبي، وكذلك الموانئ في جميع أنحاء الإمارات، وهو تصعيد من شأنه أن يشل ليس فقط صادرات الطاقة لكن الخدمات اللوجستية والتجارة العالمية.
في المقابل، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنذاراً مدته 48 ساعة يطالب فيه بفتح مضيق هرمز "بالكامل" من دون تهديد، متوعداً بـ"محو" محطات الطاقة الإيرانية إذا لم يُلبَّ الطلب.
وردت القيادة العسكرية الإيرانية بأن أي هجوم أميركي على بنيتها التحتية للوقود والطاقة سيقابله ضرب جميع البنى التحتية الأميركية للطاقة وتكنولوجيا المعلومات وتحلية المياه في المنطقة.
مخزون الاحتياط... النفاد وشيك
وأصبح الاحتياط الاستراتيجي للنفط، خط الدفاع الرئيس للولايات المتحدة ضد صدمات الطاقة، مستنزفاً إلى 316.5 مليون برميل، وهو أدنى مستوى منذ أبريل (نيسان) عام 1983. ومنذ بدء الصراع في أواخر فبراير، انخفضت المخزونات نحو 100 مليون برميل، وفقد الاحتياط 352 مليون برميل خلال إدارتي بايدن وترمب، وبمعدلات السحب الحالية البالغة نحو 6.4 مليون برميل أسبوعياً، سيصل إلى الحد الأدنى التشغيلي البالغ 250 مليون برميل أثناء 11 أسبوعاً.
يشير محللو الصناعة إلى أن الحد الأقصى لمعدل سحب وزارة الطاقة خُفّض من 4.4 مليون إلى 2.7 مليون برميل يومياً بسبب قيود البنية التحتية وانخفاض مستويات المخزون. ومن دون تسوية، تقاس المنطقة العازلة الاستراتيجية الأميركية الآن بالأسابيع، وليس بالأشهر.
التوقعات من سيئ إلى أسوأ
وحدد صندوق النقد الدولي سيناريوهات عدة، كل منها أكثر قتامة من سابقه، وفي الحال الأساسية أي إذا استقرت الطاقة بحلول منتصف العام، سيتباطأ النمو العالمي إلى نحو 3.1 في المئة خلال 2026، مع بقاء التضخم مرتفعاً.
وإذا بقيت أسعار النفط نحو 100 دولار للبرميل، فمن الممكن أن ينخفض النمو العالمي إلى 2.5 في المئة، وفي الحال الشديدة، نفط بسعر 110 دولارات للبرميل هذا العام و125 دولاراً العام المقبل، يُرجح أن يتراجع النمو العالمي إلى اثنين في المئة، مما يدفع العالم نحو الركود، بينما يرتفع التضخم إلى نحو ستة في المئة.
وخفضت "أكسفورد إيكونوميكس" توقعاتها للناتج المحلي الإجمالي العالمي منذ اندلاع الحرب، وحددت الربع الثاني من 2026 كأدنى نقطة للنمو قبل التعافي المحتمل خلال النصف الثاني من العام، لكن فقط إذا انخفضت أسعار النفط.
ومع ذلك، أشارت الشركة إلى أنه حتى في حال إعادة فتح المضيق بالكامل، ستبقى كلفة الشحن والتأمين مرتفعة، إذ إن الأسواق استوعبت هشاشة هذه النقطة الحيوية.
الصين: العامل الخفي
إضافة إلى أزمة الطاقة المباشرة، يؤدي تباطؤ الصين إلى تفاقم الهشاشة الاقتصادية العالمية، ونما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.3 في المئة فقط خلال الربع الثاني من 2026، وهي أبطأ وتيرة منذ إغلاقات الجائحة في أواخر عام 2022 وأقل من هدف بكين البالغ 4.5-5 في المئة، ولعل تراجع سوق العقارات الممتد وضعف الإنفاق الاستهلاكي والضغوط الانكماشية هي الأخرى تحديات هيكلية تتفاقم بسبب صدمة الطاقة.
ومحرك التصدير الصيني، الحيوي لنموذجها الاقتصادي، معرض للخطر بصورة خاصة، فيما تتأثر اقتصادات الأسواق الناشئة التي شكلت أكثر من نصف الصادرات الاسمية للصين عام 2025 على نحو متناسب بصدمة الطاقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتوقع بنك "غولدمان ساكس" أن ينخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين إلى أربعة في المئة على أساس ربع سنوي معدل سنوياً في الربع الثاني من 2026، مقارنة بـ5.3 في المئة في الربع السابق، ومع تمثيل الصين لأكثر من 30 في المئة من النمو الاقتصادي العالمي، فإن هذا التباطؤ له تداعيات عالمية.
التأثير التراكمي
إن تقارب صدمات اقتصادية عدة في وقت واحد أمر غير مسبوق، ففقاعة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتصحيح سوق الإسكان الأميركية وتوقف موجة الهجرة الجماعية التي كانت تغذي الطلب والتباطؤ الصيني، كلها تحدث متزامنة.
وحذر صندوق النقد الدولي من أن الحكومات يجب أن تقاوم الاستجابات الإنفاقية الكبيرة غير المخطط لها، إذ لا يزال التضخم مرتفعاً والدين العام مرتفعاً أصلاً.
ويعتمد مسار الاقتصاد العالمي بصورة كبيرة على المدة التي سيستمر فيها تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، ومن شأن الاستعادة السريعة لصادرات النفط أن تخفض أسعار الطاقة وتخفف الضغوط التضخمية وتدعم التعافي، أما التعطيل المطول، فسيبقي أسعار النفط مرتفعة ويعمق الضغوط التضخمية وينتج تباطؤاً اقتصادياً أكثر حدة.
وخلال الأسبوع المقبل، سيراقب المشاركون في السوق عن كثب ما إذا كانت تهديدات ترمب ستؤدي إلى مزيد من التصعيد، أو ما إذا كان يمكن إيجاد مخرج دبلوماسي قبل أن ينزلق الاقتصاد العالمي من الركود التضخمي إلى أزمة أعمق، فالأبواب الجهنمية، كما يبدو، لا تُقاس فقط بالمصطلحات العسكرية، بل بالدولار للبرميل ونقاط الأساس من التضخم.