Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا على "فيفا" إلغاء مباراة تحديد المركز الثالث؟

بعد 3 أيام فقط من أكبر هزيمة في مسيرته يتعين على منتخب إنجلترا العودة للمنافسة مجدداً عندما يواجه فرنسا بقيادة كيليان مبابي في ميامي... لكن من يهتم أصلاً؟

شعار بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 (أ ف ب)

ملخص

تتجدد الدعوات إلى إلغاء مباراة تحديد المركز الثالث في كأس العالم باعتبارها مواجهة تفتقد القيمة التنافسية، وتزيد إرهاق اللاعبين، بينما تبقى مدفوعة بالمصالح التجارية أكثر من اهتمام الجماهير أو المنتخبات.

تكمن الجاذبية الفريدة والأخطار المصاحبة لمباريات كأس العالم، وما يميز هذا الحدث الاستثنائي الذي يقام مرة كل أربعة أعوام، في أنها تمثل بلا شك أبرز عناصر قوة البطولة. فهي التي تثير الحماسة، وتشعل التوتر، وتولد الدراما. ومع ذلك، ومع اقتراب البطولة من محطتها قبل الأخيرة هذا الأسبوع، تبقى مباراة تحديد المركز الثالث مواجهة لا يبدو أن أحداً - لا اللاعبون ولا الجماهير ولا حتى الناقلون التلفزيونيون - يهتم بها حقاً.

ولتأكيد مدى عبثية مباراة تحديد المركز الثالث، التي أعيد تسميتها هذا العام "إلى النهائي البرونزي" في محاولة تبدو يائسة لإثارة الاهتمام، قدم أحد أشهر مدربي الرغبي خير مثال على سهولة السخرية منها.

فعندما سئل مدرب إنجلترا إيدي جونز، المعروف بإثارته للجدل، عن التصريحات الاستفزازية التي أدلى بها مدرب ويلز وارن غاتلاند - بعد خسارته في نصف النهائي - تجاه إنجلترا قبل نهائي كأس العالم للرغبي في 2019 أمام جنوب أفريقيا، لم يتمالك نفسه. وجونز، الذي لا يفوت فرصة لخوض حرب نفسية، صب مزيداً من الزيت على النار التي أشعلها غاتلاند.

وقال جونز لمجموعة من الصحافيين الذين انفجروا ضاحكين في اليابان "يا شباب، أرجو فقط أن تنقلوا أطيب تمنياتي إلى وارن، وتأكدوا من أنه يستمتع بمباراة تحديد المركزين الثالث والرابع"، لكن غاتلاند لم يستمتع بها، إذ خسرت ويلز أمام نيوزيلندا بفارق 23 نقطة، ولم يهتم أحد حقاً.

لكن باب السخرية كان مفتوحاً على مصراعيه، ولا يزال كذلك اليوم، سواء في الرغبي أو كرة القدم، بينما يحاول منتخب إنجلترا المحبط أن ينهض مجدداً لمواجهة فرنسا، بعد ثلاثة أيام فقط من أقسى هزيمة في مسيرة لاعبيه.

فهل يظن توماس توخيل أنه قادر على تحفيز لاعبين مرهقين لخوض مباراة لا تتجاوز كونها مواجهة بين "أفضل الخاسرين في نصف النهائي"؟ حظاً سعيداً.

وبالنسبة إلى كوبي ماينو، فهل هذه هي المشاركة الأولى في كأس العالم التي حلمت بها؟

وقال توخيل للصحافيين بعد الهزيمة القاسية أمام الأرجنتين "لا أحد من لاعبينا ولا من لاعبي فرنسا يريد خوض هذه المباراة. الجميع يريد لعب النهائي، الجميع يشارك من أجل الفوز بكأس العالم، لكن هذا هو الواقع".

وأضاف "لدينا يوم راحة أقل من فرنسا، لكننا سنتعامل مع الأمر باحترافية".

وسأراهن على شيء واحد، هو أن فرنسا لن تتعامل مع المباراة بالعقلية السلبية نفسها، بل ستبذل كل ما لديها من أجل الفوز، ولا يسعني إلا أن أتساءل إن كان ميل إنجلترا إلى التقليل من شأن مثل هذه المباريات قدأ سهم في بلوغها نهائياً واحداً فقط لكأس العالم خلال 60 عاماً.

إرهاق اللاعبين وأخطار بلا مكاسب رياضية

في بطولة حطمت الأرقام القياسية بعدد المباريات، إذ بلغت 104 مباريات، تقف المباراة 103 وحدها باعتبارها الأكثر عبثية في العصر الحديث. ففي ختام موسم شاق وبطولة امتدت خمسة أسابيع وشهدت عدداً غير مسبوق من مباريات الأدوار الإقصائية، وبعد مرور عام فقط على النسخة الأولى من كأس العالم للأندية في الصيف الماضي، التي أقيمت أيضاً في أجواء الحرارة والرطوبة بأميركا، تمثل مواجهة السبت في ميامي حالة نادرة في الرياضة الاحترافية: مباراة بلا أي جدوى فعلية.

وكان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قد تعرض لانتقادات هذا العام بسبب اعتماده المواجهات المباشرة بدلاً من فارق الأهداف في دور المجموعات، وهو ما جعل بعض مباريات الجولة الأخيرة بلا قيمة، لكن خطر وقوع مثل هذه المباريات في الدور الأول كان قائماً دائماً إلى حد ما. أما هنا، ومع إرهاق الأذهان والأجساد، فإن المخاطرة غير الضرورية التي يتعرض لها اللاعبون - سواء بالإصابة أو الإجهاد أو حتى الملل - تبدو واضحة للعيان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال مدرب هولندا السابق لويس فان خال، الذي قاد فريقه الوطني في مونديال 2014 وبعد فوز فريقه على البرازيل المضيفة (3 - 0) واحتلاله المركز الثالث "أعتقد أن هذه المباراة لا ينبغي أن تلعب أصلاً، وأنا أقول ذلك منذ 10 سنوات، إنها غير عادلة"، ولم يهتم أحد حقاً.

وأدخلت مباراة تحديد المركز الثالث للمرة الأولى في كأس العالم في 1934، وأصبحت حاضرة في جميع النسخ منذ 1954. ومن اللافت أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) ألغى هذه المباراة في بطولة أمم أوروبا منذ 1980، فهل تتذكر أن أحداً طالب بإعادتها قبل عامين؟ لا، وأنا أيضاً لا.

أرقام قياسية لا تعكس القيمة الحقيقية للمواجهة

ومن الناحية الكروية البحتة، تبدو هذه المباريات مختلفة عن المعتاد، فمع إرهاق اللاعبين الأساسيين، يلجأ المدربون بصورة مفهومة إلى إراحة النجوم وإجراء تغييرات واسعة، إلى درجة أن الحراس الاحتياطيين يبدأون اللقاء، بل إن الحراس الثالثين يشاركون أحياناً في الدقائق الأخيرة، كما حدث مع الهولندي ميشيل فورم في 2014. هذا ليس كأس العالم، بل أشبه بفترة الإعداد قبل الموسم.

كما أن هذه المباريات غالباً ما تكون مفتوحة وغزيرة بالأهداف، فإذا كنت من محبي المباريات المليئة بالأهداف من دون قيمة حقيقية، فلا تتردد في متابعتها مساء السبت، إذ لم تشهد أية مباراة لتحديد المركز الثالث أقل من هدفين منذ 1974. وهذا يعكس في الواقع الطبيعة المتراخية لهذه المواجهة، كما أن الفرصة متاحة بوضوح لتضخيم الأرقام والإحصاءات بصورة لا تعكس الواقع.

اسأل جوست فونتين، فقد سجل المهاجم الفرنسي أربعة أهداف في الفوز (6 - 3) على ألمانيا الغربية في مباراة تحديد المركز الثالث عام 1958، ليسجل بذلك الرقم القياسي التاريخي لأكبر عدد من الأهداف في نسخة واحدة من كأس العالم برصيد 13 هدفاً. وكيليان مبابي، الذي لا يزال ينافس على الحذاء الذهبي، يملك فرصة ممتازة لإضافة مزيد إلى رصيده البالغ ثمانية أهداف أمام منتخب إنجلترا المنهك والمحبط غداً السبت، وهذا ليس أمراً صائباً.

استثناءات محدودة للمنتخبات الصاعدة

ومع ذلك فهناك استثناء بسيط، فبالنسبة إلى المنتخبات الأصغر، مثل تركيا في 2002 - عندما سجل هاكان شوكور أسرع هدف في تاريخ كأس العالم بعد 11 ثانية فقط في مباراة تحديد المركز الثالث أمام كوريا الجنوبية - أو السويد في 1994، فإن إنهاء البطولة في المركز الثالث يحمل قيمة حقيقية. وكان ذلك أيضاً إنجازاً يدعو إلى الفخر بالنسبة إلى كرواتيا في النسخة الماضية، على رغم أنه كان سيحمل أهمية أكبر لو حققه المغرب، الذي كان سيصبح أول منتخب أفريقي ينال "الميدالية البرونزية".

أما بالنسبة إلى المنتخبات الكبرى والعريقة في كأس العالم، فالأمر لا يعدو كونه تفصيلاً بلا قيمة. اسأل نفسك: هل شاهدت أصلاً خسارة إنجلترا الباهتة (0 - 2) أمام بلجيكا في 2018؟ وماذا عن خسارتها (1 - 2) أمام إيطاليا في 1990؟ وحتى إذا شاهدتهما، هل كنت تهتم حقاً؟

ربما يكون جانب من هذا الموقف مجرد مرارة الخسارة، فمنتخب "الأسود الثلاثة" لا يقدم عادة مستويات جيدة في هذه المباريات. وفي المقابل، تحمل ألمانيا الرقم القياسي بأربعة انتصارات في مباريات تحديد المركز الثالث، إلى جانب إحرازها كأس العالم أربع مرات أيضاً.

دعوات إلى إلغاء المباراة وإنهاء جدلها

وحتى القنوات الناقلة تجد صعوبة في إثارة الاهتمام بالمباراة، فإسناد هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" مهمة التقديم مساء السبت على قناة "بي بي سي وان" إلى جيسون محمد - وهو مقدم كرة قدم مميز، لكنه الخيار الرابع لديهم - يعكس ذلك بوضوح، كما يعكسه أيضاً الاكتفاء باستوديو تمهيدي مدته نصف ساعة. وهو أمر طبيعي، لأن جميع الأسماء الكبيرة ستكون في نيويورك استعداداً للنهائي بعد 22 ساعة.

وأخيراً نصل إلى فكرة "الميدالية البرونزية"، التي تفرض مقارنة مباشرة مع الألعاب الأولمبية. ففي الأولمبياد، تظل للميدالية قيمة كبيرة مهما كان لونها، ولذلك تحظى مباريات الميدالية البرونزية بأهمية حقيقية. أما في كأس العالم، فلا توجد قيمة فعلية لأي مركز دون الفوز بالكأس. ويكفي أن تسأل البرتغال وهولندا، اللتين أحرزتا المركز الثالث، لكنهما لم تصلا أبداً إلى قمة كرة القدم الدولية بالفوز بأغلى ألقابها.

وفي زمن يجري فيه استنزاف كل فرصة ممكنة لتحقيق مزيد من العائدات في كرة القدم الاحترافية، تبدو مباراة تحديد المركز الثالث في كأس العالم مناسبة ينبغي على (فيفا) أن يتخلى عنها، فهي أكثر مباريات كرة القدم الدولية عبثية، لكنها لا تزال قائمة بسبب العائدات والفرص التجارية والإعلامية، وربما على حساب صحة اللاعبين ورفاهيتهم.

أعيدوا اللاعبين لديارهم فحسب، لأن الحقيقة ببساطة هي: لا أحد يهتم حقاً.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من رياضة