Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خلف كل إجابة ذكية… كهرباء تُستنزف ومياه تتبخر

من الرقائق إلى البطاريات الجديدة والمفاعلات النووية الصغيرة... سباق مع الزمن قبل أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى عبء على الكوكب

استهلكت مراكز البيانات خلال عام 2025 ما يوازي تقريباً الاستهلاك الكهربائي السنوي لفرنسا بأكملها (أ ب)

ملخص

هل نضحي بكوكبنا من أجل إجابة ذكية؟

سؤال بسيط يخفي وراءه أزمة على مستوى الكوكب، ما الذي يحدث فعلياً حين ترسل استفساراً بسيطاً إلى روبوت محادثة؟

بينما تتأمل شاشتك وتتبادل الأسئلة مع الأنظمة الذكية، ثمة معارك حقيقية تدور في الخلفية حول الطاقة والمياه والمناخ، إذ تسخن سلسلة من الرقائق الإلكترونية، المدفونة في مبنى ضخم يبعد عنك آلاف الكيلومترات، حتى تستغيث بكميات هائلة من الماء لتبريدها، بينما تسحب من الشبكة الكهربائية طاقة قد تفوق ما يستهلكه بلد بأكمله.

هذا خلاصة ما توصل إليه تقرير حديث لمعهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة، الصادر في يونيو (حزيران) 2026، إذ يتوقع أن تستهلك مراكز البيانات العالمية المغذية للذكاء الاصطناعي نحو 945 تيراواط/ساعة من الكهرباء بحلول عام 2030، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الاستهلاك الكهربائي المشترك لباكستان وبنغلاديش ونيجيريا مجتمعة.

دولة في الاستهلاك

وفق تقرير "أسئلة رئيسة حول الطاقة والذكاء الاصطناعي" لوكالة الطاقة الدولية، استهلكت مراكز البيانات عالمياً نحو 485 تيراواط/ساعة من الكهرباء خلال عام 2025، وهو رقم يوازي تقريباً الاستهلاك الكهربائي السنوي لفرنسا بأكملها. والأخطر من الرقم نفسه أن الوكالة تتوقع تضاعف هذا الاستهلاك إلى نحو 950 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، وهو الرقم نفسه الذي أكده تقرير جامعة الأمم المتحدة الصادر حديثاً.

ويقف خلف هذا التوسع خمس شركات تقنية كبرى، هي "أمازون"، و"غوغل"، و"ميتا"، و"مايكروسوفت"، و"أوراكل"، التي ضخت أكثر من 400 مليار دولار في بنية مراكز البيانات خلال عام 2025 وحده، مع توقعات بارتفاع هذا الرقم بنسبة 75 في المئة إضافية خلال عام 2026.

أما مصدر هذه الكهرباء فما زال بعيداً من الصورة النظيفة التي تروج لها الشركات، إذ يظل الفحم المصدر الأكبر عالمياً بحصة تناهز 30 في المئة، تقاربها حصة الطاقات المتجددة عند 27 في المئة، بحسب وكالة الطاقة الدولية نفسها.

واللافت أن معظم هذه الطاقة لا تُستهلك أثناء تدريب النماذج الضخمة، بل خلال مرحلة الاستدلال اليومية، أي حين يستخدم ملايين البشر المنصات الذكية. فبحسب أرقام "أوبن أي آي" المعلنة، تعالج منصة "تشات جي بي تي" وحدها نحو 2.5 مليار طلب يومياً، وكل طلب يستهلك على حدة طاقة ضئيلة، إلا أنها تتحول عند التراكم إلى أرقام هائلة.

سباق موارد

ثمة كلفة أقل ظهوراً لكنها لا تقل خطورة، إذ يكشف تقرير جامعة الأمم المتحدة أن مراكز البيانات العالمية قد تستهلك بحلول عام 2030 نحو 9.3 تريليون ليتر من الماء سنوياً، وهو رقم يعادل الحاجات المنزلية الأساسية السنوية لكامل سكان أفريقيا جنوب الصحراء، البالغ عددهم 1.3 مليار نسمة. أما وكالة الطاقة الدولية فتقدر أن ثلثي استهلاك الماء في مراكز البيانات غير مباشر، يأتي من محطات توليد الكهرباء نفسها، فيما يذهب نحو الربع منه إلى التبريد المباشر داخل المباني.

أما على مستوى النماذج الفردية، فتحدثت دراسة مرجعية حديثة عن أن تدريب نموذج "جي بي تي-3" داخل مراكز بيانات "مايكروسوفت" الأميركية استهلك نحو 700 ألف ليتر من الماء في موقع التبريد المباشر وحده، ليصل الاستهلاك الإجمالي المباشر وغير المباشر معاً إلى 5.4 مليون ليتر. فيما توقعت الدراسة ذاتها أن تصل حاجات الذكاء الاصطناعي العالمية من المياه إلى ما بين 4.2 و6.6 مليار متر مكعب سنوياً بحلول عام 2027.

أما على مستوى الاستخدام اليومي، فتتفاوت التقديرات بشكل حاد بين مصدر وآخر حول كمية الماء التي تستهلكها المحادثة الواحدة، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن كل مئة كلمة في استجابة واحدة قد تعادل نصف ليتر من الماء تقريباً، بينما يرى مسؤولون في شركات الذكاء الاصطناعي أن الرقم الفعلي أقل بكثير حين يقتصر الحساب على الاستهلاك المباشر في مواقع تستخدم تبريداً حديثاً.

المؤكد أن هذا التضارب نفسه يكشف حجم الفجوة في الشفافية التي ما زالت تعتري إفصاح الشركات عن بصمتها المائية الحقيقية. ومع اتساع رقعة إنشاء هذه المراكز في مناطق تعاني أصلاً شحاً مائياً، بدأت مجتمعات محلية في الاعتراض على مشاريع جديدة، من أوروغواي إلى تشيلي، ما يضع الشركات التقنية أمام معضلة حقيقية بين التوسع والاستدامة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا يقتصر أثر مراكز البيانات على الماء والكهرباء، بل يمتد إلى الأرض نفسها والمعادن المدفونة فيها. ويقدّر تحليل صادر عن "بنك أوف أميركا" العالمي أن كل ميغاواط إضافي من قدرة مراكز البيانات يستوعب ما بين 60 و75 طناً من المعادن، في مقدمتها النحاس الذي بات الطلب المتصاعد عليه يضغط على سلاسل توريده عالمياً، ويهدد بعجز في الإمداد قد يصل، بحسب بعض التحليلات، إلى ما يقارب ثلث الطلب المتوقع بحلول عام 2035. بعبارة أخرى، لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي رقمياً بحتاً، بل تحول إلى سباق على معادن الأرض نفسها.

جبهات مواجهة

وفي مواجهة هذا الاستنزاف، يتسابق الباحثون على جبهتين، إحداهما تخفيض الطاقة اللازمة لكل استعلام، من خلال تحسينات النماذج وخوادم المعالجة، وهنا برزت تقنية التقطير المعرفي. والجبهة الثانية تأمين مصادر طاقة أنظف لتشغيل المراكز. ووسط توجه الشركات نحو حلول جذرية لتوليد الطاقة، يدور سباق آخر حول كيفية تخزينها بكلفة أقل وأمان أعلى.

بطاريات الليثيوم أيون التي تهيمن على قطاع التخزين اليوم تصطدم بعقبتين، ارتفاع الكلفة من جهة، وتركز مصادر الليثيوم في عدد محدود من الدول من جهة أخرى، إذ يتطلب استخراجه كميات هائلة من المياه ويترك بصمة بيئية عميقة في تلك الأراضي القاحلة أصلاً.

من هنا برزت بطاريات الصوديوم أيون كبديل واعد، خصوصاً أن الصوديوم أكثر وفرة من الليثيوم بنحو ألف مرة، ويمكن استخلاصه حتى من مياه البحر. صحيح أن كثافته الطاقية ما زالت أدنى من بطاريات الليثيوم عالية الأداء، إلا أنها كافية لتطبيقات التخزين الثابت ومهمات النسخ الاحتياطي في مراكز البيانات، إذ الوزن هنا أقل أهمية من الكلفة والسلامة.

بالتوازي، تعمل مختبرات بحثية على تطوير بطاريات صوديوم صلبة تتجاوز مشكلة التسرب والاشتعال التي عانت منها النسخ السائلة سابقاً، عبر استبدال الإلكتروليت السائل بمادة بوليمرية صلبة ترفع الأمان وتسمح بالشحن فائق السرعة.

في المسار ذاته، بدأ التوجه نحو المفاعلات النووية الصغيرة، بوصفها مصدر طاقة نظيف وموثوق على مدار الساعة، تكمن ميزة هذه المفاعلات في إمكان تصنيعها كاملة داخل المصنع ونقلها جاهزة إلى الموقع، ما يختصر زمن الإنشاء وحده إلى ما بين ثلاث وخمس سنوات، مقارنةً بعقد أو أكثر للمفاعلات التقليدية الضخمة. غير أن كلفة الكهرباء المنتجة من هذه المفاعلات في مراحلها الأولى، ما زالت أعلى من الطاقة التقليدية، وهو ما يجعل مستقبل هذا الحل مرهوناً بقدرة الصناعة على خفض التكاليف، إلى جانب تحديات تنظيمية أخرى.

الأكيد أن الذكاء الاصطناعي وصل إلى نقطة لم يعد فيها الحديث عن قدراته المعرفية كافياً من دون الحديث في الوقت نفسه عن كلفته المادية، فهل ستنجح الابتكارات التقنية في اللحاق بوتيرة هذا النمو المتسارع، أم أن الكوكب سيدفع ثمن هذه الفاتورة الباهظة؟

اقرأ المزيد

المزيد من علوم