Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب تدفع التصنيع الزراعي في دارفور إلى حافة الانهيار

تدني إنتاج المحاصيل الاقتصادية أسهم في تراجع القدرة الإنتاجية للصناعات الغذائية بخاصة مطاحن الدقيق ومصانع زيت الطعام

انهيار المؤسسات الإنتاجية أدى إلى انخفاض مساهمة التصنيع الزراعي في الناتج المحلي إلى مستويات غير مسبوقة (أ ف ب)

ملخص

في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية على السكان وارتفاع كلف المعيشة، شهدت مصانع رئيسة في الإقليم عمليات تخريب ونهب واسعة خلال انتشار قوات "الدعم السريع" في الولايات المنتجة، طاولت الأصول الإنتاجية والمخازن والمواد الخام، مما أدى إلى خروج هذه المنشآت من دائرة الإنتاج بالكامل.

ألحقت الحرب المندلعة في السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع" لأكثر من ثلاثة أعوام أضراراً بالغة بقطاع التصنيع الزراعي في إقليم دارفور، وجراء هذه الأوضاع تراجعت القدرة الإنتاجية للصناعات الغذائية بخاصة مطاحن الدقيق ومصانع زيت الطعام، في ظل تداخل عوامل اقتصادية ومالية وأمنية تهدد بانهيار سلسلة القيمة المرتبطة بهذه الصناعات، مما يضع ضغوطاً متزايدة على قدرة القطاع على الاستمرار والإسهام في الأمن الغذائي بولايات دارفور الخمس.

وفي الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية على السكان وارتفاع كلف المعيشة، شهدت مصانع رئيسة في الإقليم عمليات تخريب ونهب واسعة خلال انتشار قوات "الدعم السريع" في الولايات المنتجة، طاولت الأصول الإنتاجية والمخازن والمواد الخام، مما أدى إلى خروج هذه المنشآت من دائرة الإنتاج بالكامل.

وأسهم توقف الإنتاج وعمل المؤسسات في لجوء التجار إلى استيراد السلع من دول الجوار، بخاصة تشاد وجنوب السودان وليبيا. وعلى رغم انتشار أسواق عدة في المدن والمناطق، فإنها تعاني الشح المتنامي في السلع الغذائية والارتفاع الجنوني في أسعارها، إلى جانب شح السيولة النقدية وانحسار المتداول منها، مما ضاعف الضغوط المعيشية للسكان، فضلاً عن انخفاض أسعار المحاصيل وتراجع حركة البيع والشراء، إضافة إلى التأثير في قطاع النقل وعرقلة الأعمال التجارية.

خسائر ومشكلات

في السياق يقول رئيس لجنة تسيير غرفة الصناعة بولاية شمال دارفور السابق صالح سليمان إن "انهيار المؤسسات الإنتاجية نتيجة تداعيات الحرب أدى إلى انخفاض مساهمة الصناعة في الناتج المحلي إلى مستويات غير مسبوقة، ليفقد إقليم دارفور جزءاً كبيراً من قدرته الإنتاجية التي كانت تشكل أحد مصادر الدخل والتشغيل".

وأضاف رئيس لجنة تسيير غرفة الصناعة أن "توقف مطاحن الدقيق ومصانع زيت الطعام أدى إلى اعتماد مدن ومناطق عدة بالإقليم على استيراد زيت الطهي والدقيق من دول الجوار الأفريقي، خصوصاً ليبيا وتشاد وجنوب السودان، في وقت تصدر فيه محاصيل رئيسة مثل السمسم والفول السوداني من دون الاستفادة منها في عمليات تصنيع محلية".

وأوضح سليمان أن "حجم الدمار الذي تعرضت له المصانع في ولايات دارفور كبير للغاية، وأسهم في خسائر فادحة وأضرار كبيرة لرجال الأعمال، فضلاً عن فقدان آلاف الموظفين والعمال مصادر الرزق".

ونبه رئيس لجنة تسيير غرفة الصناعة إلى وجود مشكلات عدة في المناطق الصناعية، من بينها أزمة انقطاع الكهرباء التي تعد الأساس في عملية الإنتاج إلى جانب الاستهلاك الكبير للوقود في ظل ارتفاع أسعاره والجبايات والرسوم غير المقننة التي تفرضها المحليات.

شح السيولة

تأثرت أسواق المواشي والمحاصيل الزراعية بشح السيولة النقدية وانحسار المتداول منها، وبالكاد تتوافر أموال لاستخدامها في التعامل اليومي.

جبريل الكابلي الذي يقطن ولاية شرق دارفور قال إن "الإقليم يشهد شحاً كبيراً في السيولة إلى جانب الندرة والارتفاع الجنوني في أسعار السلع الغذائية، فضلاً عن انخفاض أسعار المحاصيل الزراعية والمواشي".

 

 

وأضاف الكابلي "في ظل تفاقم الأزمة وحاجة المواطنين الماسة إلى الأموال يضطرون إلى التوجه إلى الأسواق للحصول على سيولة نقدية عبر تحويلات التطبيقات البنكية، لتحصل المفاجأة بتوظيف عمولات واقتطاعات على المواطن الذي يذعن للأمر للحصول على النقدي (الكاش)"، وأوضح أن "قيمة خصم العمولات تصل إلى 40 في المئة من المساعدات المالية التي يتلقونها عبر التحويلات البنكية مقابل الحصول على الأموال نقداً".

وتابع المتحدث "أسهمت هذه الأوضاع في التأثير بأسواق المواشي والمحاصيل الزراعية، إذ يعاني السكان نظراً إلى عدم توافر النقد اللازم للبيع والشراء".

أزمات وأضرار

على النحو ذاته أشار الأكاديمي الاقتصادي سيف الدين الطاهر إلى أن "تدهور الوضع الأمني أسهم في إغلاق طرق النقل التقليدية التي تربط إقليم دارفور ببقية البلاد، كذلك عطلت الإمداد نحو بورتسودان، ما أدى إلى خنق سلاسل القيمة الخاصة بالصمغ العربي، وتقويض أحد أعمدة الاقتصاد الريفي في ولايات دارفور، إضافة إلى توقف صناعة زيت الطعام التي تعتمد عليها غالبية أقاليم السودان بخاصة زيت الفول السوداني والسمسم".

ولفت الأكاديمي الاقتصادي إلى أن "حزام الصمغ العربي في إقليم دارفور يواجه تهديداً غير مسبوق، إذ تتراجع قدرة المنتجين على جمع المحصول وتسويقه، ويصبح خطر اندثار هذه الثروة الاستراتيجية أكثر قرباً من أي وقت مضى حال استمرار الحرب".

ونوه الطاهر بأن "قرار قوات ’الدعم السريع‘ منع عبور المحاصيل الزراعية والمعادن الاستراتيجية والمواشي إلى مناطق سيطرة الجيش أضر بالمنتجين أكثر منه بالاقتصاد السوداني، لأن الحرب الطويلة هناك جعلت حركة السلع من دارفور على رغم أهميتها الاقتصادية، تعاني صعوبات كبيرة في الوصول إلى الأسواق والتصدير، مما أضعف أثر منتجات الإقليم في الاقتصاد الوطني".

عقبات وتعقيدات

من جهتها، قالت منظمة "ميرسي كوربس" التي تدعم التنمية في مناطق الأزمات في تقرير لها إن "سلاسل إمداد المدخلات الزراعية في ولايات دارفور باتت تهيمن عليها مجموعة من التجار الذين يستوردون وفق الطلب، مع محدودية التخزين المسبق بسبب الأخطار الأمنية ونقص التمويل.

وأشار التقرير إلى أن "قطاع التصنيع الزراعي تعرض لانهيار واسع بعد تدمير المصانع، ونهب المعدات، إلى جانب مغادرة المستثمرين، وارتفاع أسعار الوقود، لتقتصر الأنشطة الحالية على مطاحن الدقيق الصغيرة ومعاصر الزيوت التقليدية بدلاً عن المصانع.

وأوضح التقرير أن "هذا الوضع أدى إلى زيادة استيراد السلع الغذائية المصنعة مثل زيت الطعام، في وقت تُصدر فيه محاصيل رئيسة، منها السمسم والفول السوداني إلى تشاد وجنوب السودان من دون وجود أي عمليات تصنيع محلية، في حين أدى انهيار قطاع التصنيع الزراعي المتوسط والكبير في إقليم دارفور إلى زيادة الاعتماد على استيراد السلع المصنعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبيّن التقرير أن "التجار يعتمدون بصورة رئيسة على العلاقات الشخصية الموثوقة للحصول على التمويل والمعلومات والضمانات الأمنية، وتجاوز القيود المفروضة على الاستيراد، كذلك لفت إلى أن الأسواق والقطاع الزراعي في دارفور انتقلا من حالة الانهيار شبه الكامل في الفترة الأولى للحرب إلى نظام متكيف يعتمد بصورة كبيرة على الواردات، ويتسم بتركيز النشاط على النطاق المحلي.

وأكد التقرير أن الأنشطة الزراعية تعاني ظروفاً بالغة الصعوبة، تشمل ارتفاع أسعار المدخلات وشح التمويل، وضعف الخدمات المالية، وكذلك ارتفاع كلف النقل والوقود، إضافة إلى توقف غالبية البنوك عن العمل، باستثناء خدمات التطبيقات البنكية التي باتت الوسيلة المالية الرئيسة.

فشل إداري

على نحو متصل يعزو المحلل الاقتصادي عمر خليل انهيار الصناعات الغذائية في إقليم دارفور وعدم عودتها إلى العمل بكفاءة لفشل قيادة قوات "الدعم السريع" في إدارة الولايات التي تسيطر عليها لأكثر من ثلاثة أعوام، إضافة إلى عدم وجود إدارة مدنية قادرة على إدارة اقتصادها".

وأشار خليل إلى "عوامل عدة أسهمت في انعدام السيولة وتوقف حركة تداولها وضخها، وعلى رأسها تعطل المؤسسات الحكومية وتوقف الدعم الحكومي المركزي الذي يمثل التمويل الأساس لتلك الولايات".

وأردف المتحدث أن "فشل الموسم الزراعي أسهم في تعميق مأساة الجوع والحاجة، وتعطلت الأعمال الهامشية بسبب الحرب مما أدى إلى انهيار الوضع الإنساني صحياً وغذائياً وتعليمياً".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير