أدت قراءة التضخم التي جاءت أقل من التقديرات إلى تحقيق مكاسب في كل من الأسهم والسندات، ما خفف المخاوف بشأن إقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة في وقت قريب، رغم عودة أسعار النفط إلى الارتفاع.
ومنحت البيانات متنفساً لمتداولي وول ستريت الذين كانوا يشعرون بالقلق من تصاعد التوترات الجيوسياسية، إذ واصل مؤشر مؤشر ستاندرد آند بورز 500 مكاسبه المسجلة خلال الشهر الجاري.
ومع انطلاق موسم إعلان نتائج الأعمال، سجلت البنوك الكبرى نتائج قوية، كما عززت موجة الصعود في أسهم شركات الرقائق الإلكترونية المعنويات، ليرتفع مؤشر ناسداك 100 بنسبة 1 في المئة، وذلك رغم هبوط سهم شركة آي بي إم بنسبة 24 في المئة بعد إخفاقها في تحقيق توقعات المبيعات.
كما تفوقت سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل في الأداء بعدما تراجعت رهانات أسواق المال على احتمال رفع الفيدرالي أسعار الفائدة في يوليو(تموز). وفي الوقت نفسه، محا النفط الأميركي مكاسبه مؤقتاً بعدما تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن خطة لفرض رسوم على الشحنات العابرة لمضيق هرمز.
ماذا كشفت بيانات التضخم؟
تراجعت أسعار المستهلكين في يونيو(حزيران) للمرة الأولى منذ ست سنوات، بينما ظل أحد المقاييس الأساسية للتضخم مستقراً إلى حد كبير. ومن المرجح أن يرحب مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي بهذه البيانات قبل اجتماعهم المرتقب، رغم أن استمرار المواجهات في الخليج العربي قد يطيل أمد تداعيات الصراع.
وقالت تيفاني وايلدينغ من شركة "بيمكو" :"إن قراءة مؤشر أسعار المستهلكين التي جاءت أقل من المتوقع تمثل ارتياحاً كبيراً. ورغم أن تقرير اليوم لن ينهي تماماً النقاش بشأن مزيد من التشديد النقدي، فإنه يستبعد عملياً رفع أسعار الفائدة في اجتماع يوليو(تموز)."
ماذا قال رئيس الاحتياطي الفيدرالي؟
وخلال شهادته أمام المشرعين الأميركيين، أكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش أن مسؤولي البنك المركزي لا يتسامحون مع استمرار التضخم المرتفع، مجدداً التزامهم بإعادة التضخم إلى مستهدفاته.
وقال:"أعضاء لجنتنا لا يتسامحون مع استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، ونحن ملتزمون بحزم بإعادة الاستقرار إلى الأسعار."
من جانبه، قال برايان ثيرين من "إدوارد جونز" إن وورش عزز مصداقية الفيدرالي في مكافحة التضخم، من دون أن يلتزم بمسار محدد للسياسة النقدية قبل صدور المزيد من البيانات الاقتصادية.
وأضافت وايلدينغ أن صناع السياسة سيواصلون مراقبة البيانات الواردة عن كثب، إلا أن بيانات التضخم الأخيرة تمثل خطوة مهمة نحو تأكيد التوقعات بأن التضخم سيتباطأ خلال النصف الثاني من العام، وهو ما يدعم وجهة نظرها بأن الاحتياطي الفيدرالي سيبقي أسعار الفائدة دون تغيير طوال عام 2026.
أما كاي هايغ من غولدمان أستمنجمنت، فرأى أن بيانات التضخم الهادئة تقلل الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي لرفع الفائدة قريباً، إلا أن التصعيد في إيران يعني أن احتمالات رفع الفائدة لم تتلاشَ بالكامل. وأضاف أنه رغم استمرار وجود سيناريو للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير هذا العام، فإن تجدد الصراع ضيق هامش هذا الاحتمال.
وقال بريت كينويل من "آي تورو""يوفر تقرير اليوم متنفساً، لكنه لا يمثل إشارة إلى زوال الخطر بالكامل. صحيح أن التضخم تباطأ، لكنه لم يختف."
لماذا تحقق البنوك الأميركية أرباحاً قياسية؟
في ظل استمرار الذكاء الاصطناعي والحرب ومخاوف التضخم في تحريك الأسواق، تمكن متداولو وول ستريت من الاستفادة من جميع هذه العوامل.
وأعلنت خمسة من أكبر البنوك الأميركية نتائجها الفصلية للربع الثاني يوم الثلاثاء، حيث واصلت أقسام تداول الأسهم تحطيم الأرقام القياسية.
فقد حقق جيه بي مورغانإيرادات بلغت 6 مليارات دولار من تداول الأسهم وحده، وهو أعلى مستوى في تاريخه، بينما سجل غولدمان ساكس إيرادات بلغت 7.42 مليار دولار، وهو رقم قياسي جديد على مستوى القطاع. وفي المقابل، اعتبر المستثمرون أن نمو إيرادات التداول لدى سيتي غروب بنسبة 45 في المئة لم يكن كافياً.
وتشهد أكبر مكاتب التداول تدفقات ضخمة من العملاء الذين يواصلون إعادة تموضع محافظهم الاستثمارية مع استمرار طفرة الذكاء الاصطناعي، متجاهلين كثيراً من المخاطر. وحتى مع انخراط الولايات المتحدة بصورة أعمق في الحرب مع إيران وارتفاع الضغوط المعيشية على المستهلكين، واصلت أقسام تداول الأسهم في وول ستريت تحقيق الأرباح.
وقال الرئيس التنفيذي لـ جيه بي مورغان، جيمي ديمون: "الأسواق مزدهرة حالياً. إنها تقترب من أفضل وضع يمكن أن تكون عليه، لكننا لا نعرف إلى متى سيستمر ذلك."
ومن أبرز الأرقام اللافتة أن نشاط تداول الأسهم لدى غولدمان ساكس حقق خلال الأشهر الثلاثة الماضية إيرادات تفوق ما حققه البنك طوال عام 2019 بأكمله.
ومنذ ذلك الحين، شهدت الأسواق سلسلة من التحولات الكبرى، شملت أسوأ موجة تضخم منذ خمسين عاماً، وجائحة تاريخية، ورئيساً قلب الأعراف السياسية، وثورة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما أعاد تشكيل أسواق المال بعد عقد من الهدوء النسبي.
كيف أسهم الذكاء الاصطناعي وصفقة "سبيس إكس" في ازدهار الأسواق؟
عندما عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض العام الماضي، كان الرقم القياسي لإيرادات تداول الأسهم لدى أكبر ستة بنوك أميركية يبلغ 13.5 مليار دولار، إلا أن هذه البنوك تجاوزت هذا المستوى في كل ربع سنوي من ولايته الثانية.
ومع إعلان نتائج مورغان ستانلي يوم الأربعاء، يتوقع أن تتجاوز الإيرادات المجمعة 25 مليار دولار.
وساعد على ذلك النشاط القوي في أسواق رأس المال، مع الإقبال الكبير من الصناديق السيادية والمستثمرين الأفراد على الاكتتابات الجديدة، وعلى رأسها الإدراج القياسي لشركة "سبيس إكس"، الإمبراطورية التي تجمع بين منصات التواصل الاجتماعي والصواريخ، والتي جعلت إيلون ماسك أول شخص في العالم تتجاوز ثروته تريليون دولار.
كما أدى انتعاش سوق الاندماجات والاستحواذات إلى دفع أنشطة البنوك الاستثمارية إلى مستويات مرتفعة.
لماذا ترتفع مصروفات البنوك؟
رافقت النتائج الفصلية زيادة في النفقات، مع تسابق البنوك لمواكبة الاستثمارات المتضخمة والحاجة إلى تخصيص مبالغ أكبر للاحتفاظ بأفضل الكفاءات.
وارتفعت مصروفات بنك أوف أميركا بأكثر من المتوقع، فيما رفع جيه بي مورغان توقعاته لإجمالي المصروفات السنوية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم حجم الأرباح التي ستنعكس في النهاية على صافي الأرباح.
وكشف جيه بي مورغان أنه يوجه موظفيه لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر كفاءة، عبر الاعتماد على نماذج أقل تكلفة لإنجاز المهام البسيطة مثل تلخيص التقارير.
وقال المدير المالي للبنك جيريمي بارنوم إن الإنفاق على وحدات الذكاء الاصطناعي "توكنز" خلال النصف الأول من العام كان "ضئيلاً للغاية".
هل ما زال الاقتصاد الأميركي قوياً؟
واصلت البنوك التأكيد على متانة الاقتصاد الأميركي وقوة أوضاع المستهلكين، في تناقض مع تصريحات شركة "بيبسي" التي قالت إن بعض العملاء خفضوا إنفاقهم بسبب ارتفاع أسعار الوقود، ما اضطرهم إلى اتخاذ قرارات شرائية أكثر صعوبة.
ورغم استمرار المخاوف من احتمال تباطؤ الاقتصاد، بقيت موجة التفاؤل والرافعة المالية المحرك الأساسي لارتفاع الأسواق من نيويورك إلى هونغ كونغ.
وقال جيريمي بارنوم:"هل يمكن الاعتماد على وتيرة الإيرادات الحالية؟ بالتأكيد لا. سيكون من السذاجة ألا نشعر بالقلق، لكن من السهل دائماً القلق بينما تواصل الأسواق الارتفاع."
كيف غيرت بيانات التضخم توقعات الفائدة؟
أدى التباطؤ غير المتوقع في التضخم إلى موجة صعود قوية في سوق السندات الأميركية، بعدما تراجع المستثمرون سريعاً عن رهاناتهم على بدء الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة خلال الشهر الجاري.
وجاء ذلك بعد فترة كانت الأسواق تتوقع خلالها بشكل متزايد أن يرفع الفيدرالي الفائدة في اجتماعه المقرر في 29 يوليو(تموز) ، نتيجة التصريحات المتشددة لمسؤولي البنك المركزي وتجدد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والتي دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع.
لكن تقرير وزارة العمل الذي أظهر أول انخفاض شهري في أسعار المستهلكين منذ عام 2020 منح الاحتياطي الفيدرالي مزيداً من الوقت.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ودفع متداولو العقود الآجلة توقعاتهم لأول رفع للفائدة إلى سبتمبر أو أكتوبر(تشرين الأول)، بينما ارتفعت الأسهم، وانخفض الدولار أمام جميع العملات الرئيسية، وتراجع عائد سندات الخزانة لأجل عامين بمقدار 14 نقطة أساس إلى 4.14 في المئة، وهو أكبر انخفاض منذ أغسطس(آب)، قبل أن يقلص جزءاً من خسائره.
وقال زاك غريفيثس، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي والائتمان الاستثماري في "كريدي سايتس":"بيانات اليوم أخرجت رفع الفائدة في يوليو(تموز) من الحسابات. ورغم أن التضخم لا يزال مرتفعاً وأن الوضع في الشرق الأوسط يتدهور، فإن البيانات تمنح الاحتياطي الفيدرالي مبرراً كافياً للانتظار."
لماذا تراجعت مكاسب السندات لاحقاً؟
قلصت السندات جزءاً من مكاسبها مع تقدم جلسة التداول، بعدما تبنى رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش نبرة متشددة خلال شهادته أمام الكونغرس.
وأوضح وورش، الذي تولى رئاسة الاحتياطي الفيدرالي خلفاً لجيروم باول في مايو(أيار)، أن البنك المركزي لا يزال ملتزماً بإعادة التضخم إلى مستهدف 2 في المئة، كما قلل من أهمية بيانات يونيو(حزيران) قائلاً إنها لا تعني أن "كل شيء أصبح على ما يرام".
ومع ذلك، رأى المستثمرون أن تباطؤ التضخم كافٍ لإبقاء أسعار الفائدة دون تغيير خلال يوليو(تموز) ، على الأقل مؤقتاً، وهو ما يمدد فترة التوقف التي بدأها الاحتياطي الفيدرالي منذ توقفه عن خفض الفائدة في نهاية العام الماضي.
كما أظهر أحد أهم مقاييس التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، استقراراً غير متوقع مقارنة بالشهر السابق.
وقالت ترايسي تشين، مديرة المحافظ الاستثمارية في براندوين جلوبال انفستمنت":"سيخفف ذلك بعض الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي لرفع الفائدة هذا العام، لكن في ظل الواقع الجديد للحرب مع إيران، ربما لم نتجاوز مرحلة الخطر بعد."
هل ما زالت مخاطر التضخم قائمة؟
ارتفعت عوائد السندات طويلة الأجل منذ اندلاع الحرب مع إيران في أواخر فبراير(شباط)، مع انتقال صدمة أسعار النفط إلى الاقتصاد العالمي، ما عزز التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي وغيره من البنوك المركزية سيضطرون إلى تشديد السياسة النقدية لمنع تسارع التضخم.
وتزايدت هذه التوقعات يوم الاثنين بعدما قال عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر، الذي كان يعد حتى وقت قريب من أكثر الأعضاء ميلاً إلى التيسير، إن رفع أسعار الفائدة "في المستقبل القريب" ينبغي أن يكون مطروحاً إذا أظهرت بيانات التضخم "قراءة مرتفعة جديدة".
وبعد تلك التصريحات، رفعت الأسواق احتمال زيادة الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في يوليو(تموز) إلى نحو 50 في المئة، كما تعرضت أسواق السندات العالمية لضغوط مع ارتفاع أسعار النفط نتيجة تجدد القتال في الشرق الأوسط.
غير أن تقرير مؤشر أسعار المستهلكين الصادر الثلاثاء غير الصورة، إذ بلغ معدل التضخم السنوي 3.5 في المئة، وهو أقل من توقعات الاقتصاديين البالغة 3.8 في المئة، كما جاء معدل التضخم الأساسي أقل من المتوقع.
ورغم ذلك، ظل متداولو السندات حذرين، بعدما فاجأ الاقتصاد الأميركي الأسواق مراراً خلال السنوات الماضية، إذ واصل النمو رغم الزيادات الحادة في أسعار الفائدة، كما استمرت الأسهم في الصعود مدفوعة بازدهار الذكاء الاصطناعي، رغم الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب والحرب.
وعلاوة على ذلك، قد يكون تراجع التضخم مؤقتاً، إذ عادت أسعار خام برنت للارتفاع مع تجدد القتال في مضيق هرمز، لتتداول قرب 84 دولاراً للبرميل، بزيادة تقارب 20 في المئة مقارنة بأدنى مستوياتها في بداية الشهر.
وبحلول الثلاثاء، كانت الأسواق تسعر بصورة شبه كاملة رفعاً للفائدة بحلول أكتوبر(تشرين الأول)، مقارنة بسبتمبر(أيلول) قبل صدور بيانات التضخم.
وقالت تيفاني وايلدينغ"ستكون بيانات اليوم مصدر ارتياح لكثير من أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة. وهي لا تغلق الباب أمام رفع أسعار الفائدة بشكل عام، لكنها تمثل خطوة في هذا الاتجاه."