ملخص
في موقعه الشخصي على منصة "سبستاك"، ينقل أندرو كين عن إيان شابيرو، في الخامس من مايو (أيار) 2025، قوله إن أزمات العالم الراهنة لم تكن حتمية بأي حال، "لكن الساسة دأبوا على اتخاذ قرارات سيئة، رسخوا بها أزمة ثقة في المؤسسات الدولية، وتسببوا في تقوية مرشحين انتخابيين معادين للنظام، وأنتجوا حرباً باردة جديدة لا تقل خطورة عن الحرب الباردة السابقة".
لا أظننا بحاجة إلى كتاب لينبئنا بسبب الفوضى التي يعيشها العالم منذ أبصرته عيوننا، فهم الساسة، قادة العالم مهما تكن الطريقة التي وصلوا بها إلى القيادة، وآخرون من حولهم في الظل وفي العلن، يدعم بعضهم بعضاً، ناسجين بلا كلل شباكهم حولنا نحن العاديين، العوام في كل بلد، مهما اختلفت ألواننا وألسنتنا والقوة التي نبتهل إليها، كي تنعم علينا بلحظات عدل، أو تنجدنا من الطغيان، ومع ذلك فما أجمل أن يقولها لنا كتاب يؤلفه أستاذ للعلوم السياسية في "جامعة يال" صريحة على غلاف كتابه "هكذا حطَّم الساسة عالمنا".
الكتاب المعني من تأليف إيان شابيرو وصدر في 320 صفحة عن "بيزك بوكس" بعنوان "ما بعد السقوط: من نهاية التاريخ إلى أزمة الديمقراطية، هكذا حطّم الساسة عالمنا".
وفي موقعه الشخصي على منصة "سبستاك"، ينقل أندرو كين عن إيان شابيرو، في الخامس من مايو (أيار) 2025، قوله إن أزمات العالم الراهنة لم تكن حتمية بأي حال، "لكن الساسة دأبوا على اتخاذ قرارات سيئة رسخوا بها أزمة ثقة في المؤسسات الدولية، وتسببوا في تقوية مرشحين انتخابيين معادين للنظام، وأنتجوا حرباً باردة جديدة لا تقل خطورة عن الحرب الباردة السابقة".
لكنها تختلف في أنها غير باردة تماماً، فما البارد في حرب بوتين على أوكرانيا؟ وذعر أوروبا من خطوة بوتين المقبلة؟ وحرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران؟ وإغلاق مضيق هرمز الذي اضطرب بسببه الاقتصاد العالمي كله؟
ويكتب كين أن سقوط سور برلين، وهو السقوط المعني في عنوان الكتاب، في نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 "كان لحظة بهجة استثنائية وصفها فرانسيس فوكوياما بنهاية التاريخ، لكن ما سقط بالفعل هو حيوية الديمقراطية، فبعد قرابة 40 عاماً بات لدينا دونالد ترمب،وساسة قساة عديمو الكفاءة يحطمون عالمنا الديمقراطي".
"هذه هي فرضية كتاب شابيرو الذي يذهب إلى أن الساسة هم الذين أنشأوا أزمة الديمقراطية الراهنة، غير أن اللحظة المحورية عنده ليست عام 1989 وإنما عام 2008، إذ كانت الأزمة المالية العالمية لحظة التحول المحورية التي انكشف فيها فساد النظام النيو-ليبرالي، ورأينا عندها مولد شعبوية اليمين واليسار المنافية لليبرالية".
أخطاء ديمقراطيات الغرب
يستهل وليم رايس مقالته عن الكتاب "ذي واشنطن إندبندنت رفيو - 10 يوليو (تموز) 2026" بقوله إن "الفوضى التي نعيشها غير غريبة، فقد فعّلت ديمقراطيات الغرب جوهرياً كل خطأ ممكن، محلياً ودولياً، خلال الأعوام الـ 35 الماضية، أو ذلك ما يراه أستاذ العلوم السياسية إيان شابيرو في كتابه الجديد المقنع والمثير للإحباط، وبخاصة لمن عاش تلك الفترة عاقلاً بالغاً، فعاين بنفسه بعض الأخطاء حال ارتكابها، ولا عزاء له الآن إذ يقول له الكتاب إنه كان على حق".
"تشير مفردتا 'السقوط' و'النهاية' في العنوان إلى سقوط سور برلين، وما أعقبه من تفكك الاتحاد السوفياتي، إذ يذهب شابيرو إلى أن الغرب كان يجب أن يحتفي بالنهاية المباركة للحرب الباردة باستثمار ضخم في خصمه المغلوب، مثلما فعل بحكمة بعد الحرب العالمية الثانية"، في ما عُرف بـ "مشروع مارشال" الأميركي لإعادة إعمار ألمانيا وأوروبا الغربية بعد الحرب، "وبالقدر نفسه من الأهمية أن الـ 'ناتو' الذي أُسس أصلاً لمواجهة العدوان السوفياتي، كان يجب أن يرحّب بروسيا ويبث فيها الحياة من جديد، لكننا بدلاً من ذلك تركناها لآلام التحول من دكتاتورية شيوعية إلى نظام أوليغارشي فاسد يقصيه الـ 'ناتو' بتوسعه الدائم، وخطره المتزايد في نظر الروس".
ويرى رايس أن "شابيرو لا يدافع عن الطاغية التوسعي فلاديمير بوتين، وإنما يصر على أن القائد الروسي، شأنه شأن سلفيه يلتسين وغورباتشوف، كان منفتحاً على انفراجة مع الغرب، لكن الأخطاء الناجمة عن غطرسة الغرب ساعدت في تحوله إلى هذا القومي المتعصب المستفز دولياً، وهذه الأخطاء ليست واضحة فقط بأثر رجعي، فمقاتلو الحرب الباردة من أمثال جورج كينان وريتشارد نيكسون نبهوا إليها في حينها".
مغازلة الوهم
ومن أخطاء الساسة التي أفسدت العالم أيضاً أن "أحزاب يسار الوسط (من قبيل الديمقراطيين في أميركا)، أنفقت الأعوام الـ 40 الماضية في مغازلة الوهم عبر تبني سياسات نيو-ليبرالية متشددة، تسببت في تخلف الغالبية عن الركب، وزادت الأثرياء ثراء فاحشاً، فظل الإحباط يتراكم على مدار عقود، ثم كانت أزمة عام 2008 المالية وما نتج منها من ركود هائل، جرى فيه إنقاذ البنوك من دون أصحاب المنازل من عوام الناس، ففتحت الباب للشعبويين اليمينيين من أمثال دونالد ترمب".
"وترمب في رواية شابيرو محض نتيجة متوقعة لعقود من القرارات الخاطئة التي اتخذها أهل السلطة، وظاهرة مستنسخة في جميع الديمقراطيات الغربية"، لكن يصعب على رايس أن يتقبل اختزال رئاسة ترمب المدمرة في محض عيوب اعترت "أسلوباً فوضوياً في الحكم"، مثلما يصعب عليه تقبل ثناء شابيرو عليه باعتباره "خبيراً في الانتخابات، وصاحب كاريزما بارعة".
يشم القارئ في مقالة وليم رايس أن شابيرو يدافع عن بوتين وترمب، أو أن لديه في الأقل كلمات طيبة في حقهما، وهذا ما قد لا يطيقه أحد الآن، لكن الحقيقة أنه في ما يبدو يتأمل السياق الذي أفرز الرجلين وأمثالهما، فهو "يرى في معاملة الحلفاء الكريمة لألمانيا واليابان، بعد الحرب العالمية الثانية، نموذجاً حكيماً في الحكم، ويعزو مسار الحلفاء المستنير ذلك إلى رغبتهم القوية في عدم تكرار أخطاء ما بعد الحرب العالمية الأولى، إذ أسهمت قسوة معاملة ألمانيا في صعود النازية ونشوب الحرب التالية"، ثم يبدو وكأن العالم يكرر أخطاءه، ومثلما هيأ الظروف لصعود النازية والفاشية قبل أكثر من 100عام، هيأها ثانية لصعود الشعبوية واليمينية اليوم.
لكن لرايس تفسيراً آخر وهو "أننا في عام 1945 انتقلنا بصورة شبه فورية من حرب ساخنة ضد قوات المحور إلى حرب باردة ضد العالم الشيوعي، إذ كان ثمة خصم مؤهل لاستغلال الفوضى، لو ترك المنتصرون في الحرب المهزومين لملاقاة مصائرهم وحدهم، في حين أنه لم يكن من عدو مماثل تجب مواجهته، فور تفكك الاتحاد السوفياتي".
"يُسائل الكتاب قرارات يبدو أنها حظيت بإجماع عام في وقتها، وإضافة إلى انتقاد توسع الـ 'ناتو'، يتحدى الكاتب أيضاً فكرة أنه كان لا بد من الإطاحة بحكم 'طالبان' في أفغانستان، من أجل مهاجمة 'القاعدة' هناك، ويرفض إلصاق لافتة الفاشية بترمب، لا لأنه معجب به ولكن لأن الفاشية 'راديكالية في النظر إلى الأمام'، بينما يريد ترمب أن يرجع بنا لماض هو أصلاً يسيء فهمه".
ثمة قدر أوفر من أخطاء الساسة في مقالة دانيال وليمز، أستاذ المساعد في قسم التاريخ بـ "جامعة آشلاند"، التي استعرض فيها الكتاب "كرستيان توداي - الـ 28 من أبريل (نيسان) 2026) "بعد صراع عالمي طويل بين الشيوعية والديمقراطية - الليبرالية الغربية، انتصرت قوى السوق الحرة والديمقراطية وسيادة القانون والاعتراف العالمي بحقوق الإنسان، حتى لو اقتصر النصر على مجال الأفكار أو الضمير، ولم يمتد إلى العالم المادي، فكتب فرانسيس فوكوياما في مقالته الشهيرة أن هناك أسباباً قوية تدعو إلى الاعتقاد بأن مثال الديمقراطية - الليبرالية سيحكم العالم المادي على المدى البعيد".
"ولا نزال ننتظر أن نرى ذلك النصر بعيد الأجل، فالحقيقة أن الديمقراطية - الليبرالية مهددة اليوم بصورة أكبر مما كانت عليه عام 1989 أو 1991، إذ كانت روسيا في مطلع التسعينيات ديمقراطية ناشئة، لكنها اليوم تحت نظام حكم استبدادي، وفي أوائل التسعينيات كانت الصين تنفتح على تأثيرات السوق الحرة، لكنها اليوم أشد قوة وقمعاً في الحكم مما كانت من قبل، وفي بلاد العالم الديمقراطية - الليبرالية، يشكك كثير من الناخبين صراحة في قدرة هذا الشكل من الحكم على رعايتهم".
خمسة أخطاء كارثية
"يرصد كتاب شابيرو الديمقراطية في العالم منذ سقوط سور برلين وحتى اليوم، محللاً أسباب عدم تحقق انتصار الديمقراطية - الليبرالية بعد الحرب الباردة"، وينسب إلى رؤساء الولايات المتحدة ارتكاب "ما لا يقل عن خمسة أخطاء كارثية ما بين عامي 1993 و2020، قوضت النظام الديمقراطي - الليبرالي الدولي"، ففي عهد الرئيس بيل كلينتون خلال التسعينيات، عمدت الولايات المتحدة إلى تهميش روسيا بتوسيع "حلف شمال الأطلسي" ليشمل دول أوروبا الشرقية المتحولة حديثاً إلى الديمقراطية (وهي خطوة اعتبرتها روسيا تهديداً)، ورفضت توسلات الرئيس الروسي بوريس يلتسين لإرسال مساعدات مالية إلى روسيا، وفي ظل حكم جورج دبليو بوش مطلع القرن الحالي، "حاولت الولايات المتحدة تحويل أفغانستان والعراق إلى بلدين ديمقراطيين وفشلت في ذلك، وكانت المغامرة كلها كارثة أهدرت مكانة الولايات المتحدة الدولية، وأضرت بالاقتصاد الأميركي، وأدت إلى الاستقطاب في السياسة الأميركية"، فضلاً عن أن ذلك جرى دونما تحالف دولي، مثل الذي استعان به بوش الأب في مهاجمة العراق عام 1990.
"ثم خلال حكم الرئيس باراك أوباما، استجابت الحكومة الأميركية لأزمة عام 2008 المالية، لا بتقديم مساعدة جوهرية للأسر العاملة، لكن بإنقاذ البنوك، فأخفقت بذلك في معالجة هوة الثروة المتزايدة التي كانت تعمل على استقطاب الناخبين"، وخلال إدارة أوباما أيضاً، استعملت أميركا قوات الـ "ناتو" لمهاجمة معمر القذافي في ليبيا، "ويعد الهجوم المباشر على رئيس دولة انتهاكاً لأهداف الـ 'ناتو'، في ما يرى شابيرو، إذ دمّر النظام الديمقراطي - الليبرالي الدولي، وأصبح سابقة خطرة لأعمال أميركية أحادية ضد رؤوس دول أخرى، فما كان يجب عمل ذلك إلا في ظل سلطة الأمم المتحدة، بحسب ما يرى شابيرو"، فهل خطأ أوباما ذلك هو سبب اجتراء ترمب القريب على الرئيس الفنزويلي؟ وهل ترمب بحاجة أصلاً إلى سوابق يستند إليها للخروج على القانون أو الأعراف؟
أما الخطأ الخامس والأخير فحدث في ظل ولاية دونالد ترمب الأولى (ثم في الثانية)، إذ "تخلت الولايات المتحدة عن سياسة التجارة الحرة لمصلحة سياسة التعرفات الجمركية المرتفعة، في خطوة هوت بالعالم إلى حروب تجارية، ودمرت السوق الحرة التي كانت عماد النظام الديمقراطي الليبرالي".
منافسة بين رؤيتين للعالم
"قد تبدو هذه السياسات في ظاهرها غير مترابطة، لكن نقد شابيرو لها ينبع من افتراض واحد وهو أن النظام الديمقراطي - الليبرالي الدولي يقوم على حسن النية بين الدول، وانتشار الرخاء والتوزيع المتساوي للثروة، ولأن الديمقراطية - الليبرالية تتضمن احترام سيادة القانون وحقوق الأقليات، ولأن النظام الديمقراطي - الليبرالي الدولي يتضمن احترام المؤسسات الدولية والتجارة الحرة بين الدول، فإنه لا يروق لمن لا يثقون في الآخرين، ولأن انعدام الثقة في الآخرين يزداد بازدياد معاناة الناس من الجوع".
"يرى شابيرو أن الناس في الولايات المتحدة بصفة عامة يرون السياسة والتجارة الدولية الآن لعبة صفرية، فمكسب غيرهم فيه خسارة لهم، في حين أن النظام العالمي للتجارة الحرة، الذي أرسته قيادة غربية أميركية بعد الحرب العالمية الثانية، ثم وسّعته الولايات المتحدة إلى أوروبا الشرقية بعد نهاية الحرب الباردة، قام على افتراض أن التجارة الحرة والتعاون الدولي يمكن أن يكونا لعبة إيجابية، يستفيد الجميع فيها من التعاون والتجارة الحرة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويحلل شابيرو انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة قائلاً إنها شهدت منافسة بين رؤيتين للعالم، رؤية كمالا هاريس الديمقراطية (التي ترى العلاقات الدولية لعبة إيجابية يمكن أن يربح فيها الجميع)، ورؤية ترمب الجمهورية (التي ترى كل شيء لعبة صفرية)، موضحاً أن الناخبين أنفسهم انجرفوا إلى تبني مفهوم اللعبة الصفرية، والسبيل في رأيه إلى "منع الناس من الانجراف إلى هذا التفكير، هو ضمان حصولهم على فرص اقتصادية كافية، ليؤمنوا بالديمقراطية - الليبرالية".
و"على رغم أن شابيرو ليبرالي وليس ماركسياً، فهو لا يناصر إعادة التوزيع الجبري للثروة، وإنما يناصر إقامة مؤسسات سياسية تضمن حصول كل فرد على فرصة مساوية في تحقيق قدراته الاقتصادية، إيماناً بأن عدم حدوث ذلك هو الذي يؤدي إلى تحطيم الديمقراطية الليبرالية، ويعتقد أن بالإمكان تحديد الحد الأدنى اللازم لنصيب الفرد السنوي من الناتج المحلي الإجمالي، من أجل إنشاء ديمقراطية - ليبرالية مستدامة، ويبلغ هذا الحد حالياً في تقديره 18200 دولار".
ويوعز فشل مشروع جورج بوش لإرساء الديمقراطية في العراق وأفغانستان إلى أن "نصيب الفرد من الدخل المطلوب للحفاظ على ديمقراطية - ليبرالية" لم يكن بقريب من الحد الأدنى المطلوب، وبعيداً من هذا التفسير الذي لا يصمد كثيراً للتفنيد، إذ إن الدول ترتفع فيها الدخول وتنخفض دونما علاقة حاسمة بممارسة الديمقراطية فيها، فالواضح أن الجنة التي يرى إيان شابيرو أن الساسة حرمونا إياها، بسوء إدارتهم على مدى العقود الأربعة الماضية، هي جنة الديمقراطية - الليبرالية، ولا أحسب أن العالم يجمع على أنها جنة، ناهيكم بأن تكون الجنة الوحيدة، لكن المؤكد أن معظم عقلاء العالم الآن يتفقون على أن ما نعيشه هو الجحيم، وعلى أن سبباً كبيراً من أسباب تحول العالم إلى ما تردى إليه، هو النخب الحاكمة، فلعلنا نختلف مع شابيرو في تشخيصه للمرض، لكن معظمنا في ظني يتفق معه، في هوية حاملي الجرثومة المسببة له، ولكن، في قصيدة الرثاء والمديح هذه للديمقراطية - الليبرالية، هل من سبيل إلى القيام من السقوط؟
يرى شابيرو، في ما ينقل عنه أندرو كين، أن "ما ينبغي أن تفعله الحكومات الديمقراطية الآن هو الاستثمار الهائل في البنية الأساس المادية والتكنولوجية، وفي سوق العمل"، وأن "الزعماء أصحاب الكاريزما مهمون، لكن الأفكار أهم"، وهذا أيضاً ما يمكن أن نتفق معه فيه.
العنوان: After the Fall: From the End of History to the Crisis of Democracy, How Politicians Broke Our World
تأليف: Ian Shapiro
الناشر: Basic Books