ملخص
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي في بريطانيا مجرد أداة، بل أصبحت نمط حياة يستهلك نحو خمس ساعات يومياً من وقت البالغين وأكثر من ست ساعات لدى الشباب، مما يؤدي إلى أضرار نفسية وجسدية عدة يحذر منها المختصون، وتعمل الحكومة على محاصرتها.
لم تعد "السوشيال ميديا" مجرد أداة للتواصل في بريطانيا، بل تحوّلت إلى عادة يومية تستهلك ساعات طويلة من حياة الملايين. ووفقاً لتقرير صادر عن هيئة الاتصالات "أوفكوم" في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصبح البالغون في المملكة المتحدة يقضون في المتوسط نحو خمس ساعات يومياً على الإنترنت، بينما يقضي من هم بين 18-24 سنة أكثر من ست ساعات، أي ما يقارب ربع اليوم.
وتشير بيانات "أوفكوم" الصادرة في أبريل (نيسان) الماضي إلى أن 67 في المئة من المستهلكين البالغين لوسائل التواصل يدركون أنهم يقضون وقتاً طويلاً أمام الشاشات، وهذا الاستهلاك المتصاعد بدأ يترجم، وفق دراسات وهيئات طبية بريطانية، إلى مجموعة من الأعراض النفسية والجسدية التي تحاول الدولة والخبراء التصدي لها.
وأجرت جامعة "لندن كوليدج" دراسات رصدية طويلة المدى عدة على عينات تمثيلية، وفي دراسة نُشرت عام 2023 على مراهقين بريطانيين تابعتهم من سن 12-13 إلى 14-15 سنة، وجد الباحثون أن زيادة استخدام وسائل التواصل قد ترتبط بتراجع الصحة النفسية بعد عامين، مع أدلة على أن تراجع تقدير الذات يفسر جزءاً من هذه العلاقة.
دراسة أحدث للجامعة، نُشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 وشملت أكثر من 15 ألف بالغ، فرق الباحثون بين "المتابعة السلبية" للمحتوى و"النشر الفعلي"، لتخرج الدراسة بنتيجة مفادها أن نوع الاستخدام لا مدته فقط، هو ما يحدد الأثر في الصحة النفسية.
هذه النتائج تتوافق مع مسوح أوسع، وبحسب مجموعة من الدراسات الحديثة، فإن نسبة كبيرة من المستخدمين النشيطين يقيّمون صحتهم النفسية بأنها سيئة، مقارنة بنسبة أقل بكثير بين المستخدمين الأقل تفاعلاً، وتربط دراسات أخرى بين الاستخدام المفرط والشعور بالوحدة، وضغوط الصورة الجسدية، خصوصاً بين النساء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
جوانب خطرة
من أخطر الجوانب التي يوثقها الخبراء البريطانيون هو تعرّض القاصرين لمحتوى يتعلق بالانتحار وإيذاء النفس واضطرابات الأكل. تأسست مؤسسة "مولي روز" تخليداً لذكرى مولي راسل، الفتاة التي توفيت منتحرة عام 2017 بعدما تبين تعرّضها لمحتوى مؤذٍ على "إنستغرام" أثّر فيها سلباً، وبحسب تقرير للمؤسسة في أكتوبر 2025 تلا بدء نفاذ قانون "سلامة الإنترنت"، فإن نحو نصف الفتيات بين 13-17 سنة، شاهدن محتوى عن الانتحار وإيذاء النفس والاكتئاب واضطرابات الأكل خلال أسبوع واحد على منصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام"، وشاهدت واحدة من كل خمس فتيات محتوى يصوّر إيذاء النفس.
وترى "مولي روز" أن السبب الجذري ليس المستخدمين بل خوارزميات التوصية القائمة على تعظيم مدة التفاعل، التي ترصد إشارات الضعف النفسي عند المستخدم الصغير لتوجه له مزيداً من محتوى مماثل، فيما حذّرت الكلية الملكية للطب النفسي من أن الاستخدام غير المنظم للتكنولوجيا لدى الأطفال واليافعين يرتبط بأخطار نفسية، لافتة إلى غياب أدوات فعالة للتحقق من العمر في كثير من المنصات، مع دعوتها إلى تدخل متخصص وأسري لمناقشة عادات الشاشة مع العائلات.
ولا تقف الأضرار عند حدود النفس، فالجانب الجسدي بات موضع رصد متزايد من الأطباء والباحثين، حيث يؤدي التعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات، خصوصاً قبل النوم، إلى تثبيط إنتاج هرمون الميلاتونين، مما يصعّب الاستغراق في النوم ويقلل جودته، وتشير دراسات إلى أن قلة النوم المرتبطة بالاستخدام الليلي لوسائل التواصل ترتبط بدورها بأخطار صحية أوسع تشمل ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.
ويتراوح المعدل الوسطي لـ"إجهاد العين الرقمي" بين مستخدمي الأجهزة الذكية نحو 66 في المئة، وتشمل أعراض هذا الإجهاد الجفاف وتشوش الرؤية والصداع، ويستهلك الاستخدام الطويل للشاشات وقتاً كان يمكن تخصيصه للنشاط البدني، وفق ما تسميه الأبحاث "فرضية الإزاحة"، وهو نمط يرتبط بدوره بزيادة أخطار السمنة.
من الأضرار الجسدية أيضاً، تلفت الدراسات إلى أن الانحناء المستمر لأسفل لمتابعة الهاتف يجهد عضلات الرقبة والعمود الفقري، ولفتت لجنة العلوم والتكنولوجيا في مجلس العموم البريطاني إلى تأثير الكتابة المستمرة على الشاشات بإصبع أو إصبعين في مفاصل اليد عند الأطفال، وتربط دراسات بين الاستخدام المطوّل والشعور بالخدر والتنميل في الرسغ.
بحسب "أوفكوم"، فإن 89 في المئة من البالغين المستخدمين للإنترنت في بريطانيا يستخدمون منصة تواصل اجتماعي واحدة في الأقل، وترتفع النسبة إلى 97 في المئة بين من هم في سن 16-34 سنة. وعلى رغم أن الاستخدام "النشط" (النشر والتعليق) تراجع من 61 إلى 49 في المئة خلال عام، إلا أن "الاستهلاك السلبي" للمحتوى (المشاهدة دون تفاعل) يتزايد، وهو نمط تشير بعض الدراسات إلى ارتباطه بمشاعر سلبية أقوى مقارنة بالاستخدام التفاعلي.
كذلك وجدت "أوفكوم" أن جزءاً كبيراً من استخدام اليافعين لمنصات وسائل التواصل مثل "يوتيوب" و"سناب شات" و"تيك توك" و"واتساب" يحدث بين التاسعة مساء والخامسة فجراً، أي في ساعات كان يفترض أن تخصص للنوم أصلاً.
المواجهة والجدوى
يمثل "قانون سلامة الإنترنت"، الذي دخل حيز التنفيذ التدرجي منذ 2024، الأداة الرئيسة التي تفرض على منصات التواصل واجبات تجاه المستخدمين القاصرين، عبر تقييم الأخطار، وتطبيق أدوات "تحقق فعال من العمر"، وتصفية المحتوى الضار من نتائج تصفح الأطفال، وتقوم "أوفكوم" بدور المنظم والمنفّذ، وقد أصدرت في 2026 طلبات معلومات رسمية لعشرات مقدمي الخدمة لمراجعة تقييمات الأخطار الخاصة بهم.
من الأسلحة التي أشهرتها الدولة في مواجهة التأثيرات السلبية لاستخدام "السوشيال ميديا" أيضاً، إصدار مشروع قانون لحظر استخدام من هم دون 16 سنة لمنصات مثل "إنستغرام" و"تيك توك" و"سناب شات" و"يوتيوب" و"فيسبوك" و"إكس" في يونيو (حزيران) الماضي، على أن يُعرض التشريع الجديد على البرلمان قبل عيد الميلاد، ويدخل حيز التنفيذ في ربيع 2027، وقد أظهر استطلاع حكومي أن 9 من كل 10 آباء يدعمون هذا الحظر.
هذا التوجه لم يخل من انتقادات، حيث حذرت منظمات حقوقية مثل "بيغ براذر ووتش" و"أوبن رايتس غروب"، من أن أدوات التحقق من العمر المقترحة، مثل مطابقة الهوية الحكومية أو تقدير العمر بالتعرف إلى الوجه، قد تنشئ نظام مراقبة رقمية واسعة يربط هوية كل بالغ بنشاطه على الإنترنت، وتشير مؤسسة "مولي روز" نفسها إلى أن حظراً شاملاً قد يمنح الأهل شعوراً زائفاً بالأمان دون معالجة جذرية للمشكلة في تصميم الخوارزميات، وحوافز المنصات التجارية، وتدعو بدلاً من ذلك إلى تشديد قانون "سلامة الإنترنت" وتحميل المنصات مسؤولية أكبر عن أنظمة التوصية.
نصائح وانتقادات
مع تصاعد النقاش التشريعي، يقدّم أطباء نفسيون ومعالجون نصائح عملية للأفراد للحد من الأضرار، أولها "الاستخدام الواعي" بدل الآلي للأجهزة الذكية، إذ يوصي مختصون في علم النفس بتحديد أوقات ثابتة وقصيرة (نحو 10 دقائق)، لتصفح الإشعارات أو الرسائل، بدل الدخول العشوائي المتكرر إلى المنصات على مدار اليوم.
وتشمل النصائح أيضاً فرض المستخدمين حظراً تكنولوجياً على أنفسهم أو أولادهم، قبل النوم وبعد الاستيقاظ، حيث ينصح المعالجون بتجنب استخدام الهاتف في الساعة التي تسبق النوم مباشرة وفي الدقائق الأولى بعد الاستيقاظ، للحد من تأثير الضوء الأزرق في النوم من جهة وتجنب بدء اليوم بمقارنات اجتماعية سلبية من جهة ثانية.
وأظهرت دراسة شارك فيها متخصصون من الجمعية الأميركية لعلم النفس أن أسبوعاً واحداً من تقليص استخدام خمس منصات رئيسة من نحو ساعتين يومياً إلى نصف ساعة، أدى إلى تراجع ملحوظ في أعراض القلق والاكتئاب واضطرابات النوم، وهي نتائج وصفها الباحثون بأنها تعادل ما تحققه أسابيع من العلاج النفسي المكثف.
بالنسبة إلى الأثر الجسدي، يوصي متخصصو العلاج الطبيعي برفع الهاتف أو الجهاز إلى مستوى العين بدل النظر إليه من الأسفل، وأخذ قسط راحة كل 20 دقيقة (النظر لمسافة ستة أمتار في الأقل لمدة 20 ثانية) للتخفيف من إجهاد العين، إلى جانب تمارين تمديد للرقبة والكتفين.
ويلفت مختصون في أنماط السلوك إلى أن تقليص وقت الشاشة بمفرده ربما لا يكفي إن كان الاستخدام المفرط ناتجاً من التوتر أو الوحدة أو تدني المزاج، فبناء دعم اجتماعي حقيقي في الحياة اليومية غالباً ما يقلل الحاجة إلى "الهرب" الرقمي بصورة طبيعية.
في المقابل، تحذّر أبحاث من جامعة "دورهام" من الإفراط في تبني خطاب "الإدمان" الرقمي دون تمييز، ووجدت دراسة للجامعة أن مجموعة من المشاركين طُلب منهم الانقطاع عن وسائل التواصل لأسبوع لم يشعروا بتحسن في رفاهيتهم النفسية، بل سجلوا تراجعاً في المشاعر الإيجابية، لأن وسائل التواصل توفر أيضاً مكاسب اجتماعية حقيقية مثل الشعور بالانتماء والتقدير، ويرى الباحثون أن المقاربة الأنسب تشبه "تعديل النظام الغذائي" أكثر من "الانقطاع الكامل"، أي معرفة الحدود الصحية، وإلغاء متابعة الحسابات التي تسبب شعوراً سيئاً، بدل قطع العلاقة بالمنصات جملة وتفصيلاً.
في المحصلة، يبدو أن بريطانيا تواجه معضلة مزدوجة: مجتمع أصبحت فيه وسائل التواصل جزءاً بنيوياً من الحياة اليومية لـ9 من كل 10 بالغين متصلين بالإنترنت، في وقت تتكشف فيه أدلة متراكمة على صلتها بمشكلات نفسية (قلق واكتئاب وتدني تقدير الذات والتعرض لمحتوى شديد الخطورة لدى الفئات الأصغر سناً)، وجسدية (اضطراب النوم وإجهاد العين وآلام الرقبة والظهر)، وبين تشريع يحاول ضبط المنصات، وخبراء يوصون بتغيير طريقة الاستخدام الفردي بدل قطعه كلياً، يبقى التحدي الأكبر هو إيجاد توازن بين فوائد التواصل الرقمي من دعم وتعلم وترفيه، وحماية الصحة النفسية والجسدية من أضراره التراكمية.