Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مداولات شراكة التسعينيات: حين رفض الأوروبيون مطالب القاهرة (2-2)

شهد الملف الزراعي خلال المفاوضات جموداً غير مسبوق فيما هددت القاهرة بأنها ستتجه إلى مصادر أخرى لتلبية حاجاتها من الواردات الغذائية والاتحاد الأوروبي يصفها بأصعب الشركاء تفاوضاً

شهدت الجولة السابعة من مفاوضات اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومصر في يوليو 1996 تصعيداً حاداً (الأرشيف البريطاني)

ملخص

مصر حذّرت الاتحاد الأوروبي من الاعتقاد بإمكان تجميد المفاوضات معها ومواصلة التقدم في المفاوضات مع لبنان والأردن، مؤكدة أن ذلك سيكون خطأً كبيراً، وأوضح أنه إذا جرى تعليق المفاوضات مع مصر لستة أشهر مثلاً، فإنه عندما تُستأنف سيكون تفاوضاً مختلفاً وأكثر تشدداً من الذي يجري في ذلك الوقت.

تضمنت الوثائق المفرج عنها في الـ 19 من يونيو (حزيران) الماضي أن الاتصالات البريطانية - المصرية في شأن اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومصر، لم تقتصر على الجولات الرسمية للمفاوضات، بل سبقتها مشاورات سياسية هدفت إلى احتواء الخلافات، ولا سيما حول ملف الضمان الاجتماعي الذي تحول إلى إحدى أكثر القضايا حساسية في المفاوضات، فقد أعد ج. أ. شيبرد في الـ 22 من أبريل (نيسان) 1996، مذكرة أوضح فيها أن المدير العام بوزارة الخارجية المصرية والمسؤول عن العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، السفير بيومي، بادر إلى التواصل معه لمناقشة ما وصفه بـ "الفصل الاجتماعي" في اتفاق الشراكة الجاري التفاوض عليها.

وأوضح شيبرد أن رسالة بيومي لم تكن واضحة تماماً، لكنها بدت مصممة لطمأنة الجانب البريطاني، إذ أشار إلى أن عدداً كبيراً من المصريين المقيمين في المملكة المتحدة يحملون بالفعل جوازات سفر بريطانية، وأنه لا يتوقع حدوث تدفق كبير للعمالة المصرية إلى بريطانيا، مضيفاً أن مصر كانت تأمل في إيجاد صياغة تنص على أنه عندما تحتاج دول الاتحاد الأوروبي إلى اليد العاملة، فإن مصر تستطيع توفيرها، وهو ما يشكل نوعاً من الإعلان عن العمالة المصرية، على أن يتمتع هؤلاء العمال بإمكان الاستفادة من آليات الدعم الاجتماعي المعتادة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأكدت الوثائق أن شيبرد ردّ على بيومي موضحاً أن ملف الضمان الاجتماعي يمثل "حقل ألغام سياسياً" بالنسبة إلى المملكة المتحدة، وأن الحكومة البريطانية بذلت جهوداً لضبط الإنفاق الاجتماعي، لم تقدم عليها دول أخرى بعد، ولذلك فإن لندن ليست مستعدة لتحمل التزامات جديدة عبر الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك أبلغه بأنه إذا كان لدى مصر أية مقترحات لصياغات بديلة، فإن الخبراء البريطانيين سيكونون مستعدين لدرسها، سواء في بروكسل أو في لندن.

ملف الزراعة يثير مشكلات

وتضمنت الوثائق تقريراً أعده ستيف ويليامز في الـ 23 من يوليو (تموز) 1996 في شأن الجولة السابعة من المفاوضات بين المفوضية الأوروبية ومصر حول اتفاق الشراكة، والتي عُقدت في بروكسل يومي الـ 17 والـ 18 من يوليو 1996، موضحاً أن الكاتب حضر الجلسة العامة الافتتاحية صباح الـ 17 من يوليو، بينما قدم إيبرهارد راين، الذي ترأس فريق التفاوض التابع للمفوضية الأوروبية، إحاطة لاحقة إلى فريق عمل المغرب والمشرق في الـ 19 من يوليو حول نتائج الجولة.

وذكرت الوثائق أن راين استهل الجلسة العامة بتأكيد أن الطرفين يواجهان مشكلة رئيسة واحدة تتمثل في ملف الزراعة، غير أن كبير المفاوضين المصريين بيومي رد بخطاب حاد، مؤكداً أن الاتحاد الأوروبي لا يمتلك أصلاً موقفاً تفاوضياً حقيقياً في شأن الزراعة، وموضحاً أن مصر تمثل سوقاً ضخمة للصادرات الزراعية الأوروبية، وأن الميزان التجاري الزراعي يميل إلى مصلحة الاتحاد الأوروبي بنسبة تبلغ ستة إلى واحد في المئة، مشيراً إلى أن الوفد المصري وزع إحصاءات تفصيلية في هذا الشأن، وأضاف أن القضية الأساس تتمثل في معرفة ما إذا كان الاتحاد الأوروبي يرغب بالفعل في الحفاظ على هذه السوق التصديرية، محذراً من أنه إذا لم يُظهر استعداداً لتقديم تنازلات خلال المفاوضات، فإن مصر ستتجه إلى مصادر أخرى لتلبية حاجاتها من الواردات الغذائية.

 

وأكدت الوثائق أن بيومي تحدث مطولاً عما وصفه بالمظالم الناجمة عن أحدث اللوائح الأوروبية الخاصة بإجراءات الصحة النباتية، المفروضة على واردات البطاطس المصرية، واصفاً تلك اللوائح بأنها مدعاة للسخرية، وأضاف أن الأمر يكتسب مفارقة خاصة، لأن مرض العفن البني، بحسب قوله، دخل إلى مصر أصلاً عبر بذور ملوثة استوردتها من الاتحاد الأوروبي.

وأشار بيومي إلى أن مصر أبدت تعاوناً مع الاتحاد الأوروبي في قضايا جنون البقر ومنتجات الألبان، لكنه حذر في المقابل من أن مصر تستطيع هي الأخرى استخدام الإجراءات الصحية النباتية لأغراض حمائية إذا اقتضى الأمر، معرباً عن استيائه الشديد من فشل الاتحاد الأوروبي في اعتماد الإجراءات المستقلة المتعلقة بأسعار دخول الرز والبرتقال إلى الأسواق الأوروبية، عاداً أن اعتمادها كان سيبعث برسالة إيجابية تدعم سير المفاوضات.

التلويح بتجميد المفاوضات

وأشارت الوثائق إلى أن بيومي حذّر الاتحاد الأوروبي من الاعتقاد بإمكان تجميد المفاوضات مع مصر ومواصلة التقدم في المفاوضات مع لبنان والأردن، مؤكداً أن ذلك سيكون خطأً كبيراً، وأوضح أنه إذا جرى تعليق المفاوضات مع مصر لستة أشهر مثلاً، فإنه عندما تُستأنف سيكون قد حصل على تفويض تفاوضي مختلف وأكثر تشدداً من التفويض الذي يحمله في ذلك الوقت، مضيفاً أنه إذا جرى وضع مصر في نهاية أولويات الاتحاد الأوروبي، فإن القاهرة ستستغل تلك الفترة لتعديل موقفها التفاوضي، لئلا يعود الاتحاد الأوروبي المصدر الرئيس لوارداتها الغذائية.

وأكد بيومي أن من المرغوب فيه للغاية هو الانتهاء من المفاوضات قبل انعقاد "قمة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الاقتصادية" في القاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 1996، واصفاً ذلك بأنه سيكون بمثابة "زواج عملية برشلونة مع عملية مدريد في القاهرة"، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن مصر لن تقبل بإبرام اتفاق بأي ثمن، من أجل الالتزام بذلك الموعد.

وكشفت الوثائق أن بيومي انتقل بعد ذلك إلى قضية الضمان الاجتماعي، مؤكداً أن "إعلان برشلونة" أرسى مبدأ الشراكة بين 27 شريكاً متساويين، ولذلك لا يمكن لمصر أن تقبل وضعاً يحصل فيه مواطنو بعض الدول المتوسطية الشريكة، ولا سيما دول المغرب العربي وإسرائيل، على معاملة أفضل داخل الاتحاد الأوروبي، من تلك التي يحصل عليها المواطنون المصريون، مضيفاً أن نحو نصف مليون مهاجر مصري في الاتحاد الأوروبي في غالبيتهم من أصحاب المهن والكفاءات العالية، واصفاً إياهم بأنهم "صفوة المهاجرين".

 

أما في ما يتعلق ببند إعادة القبول، فقد اعتبره بيومي مسألة مبدئية أيضاً، وقال إنه إذا تمكن الاتحاد الأوروبي من تقديم حال واحدة رفضت فيها الحكومة المصرية إعادة قبول أحد مواطنيها، فإن مصر ستوافق على إدراج بند إعادة القبول القياسي من دون أي اعتراض إضافي، أما إذا عجز الاتحاد الأوروبي عن تقديم مثل هذا الدليل، فإن ذلك يثبت أن المشكلة غير موجودة أصلاً، وبالتالي فإن الإصرار على إدراج هذا البند يعد أمراً مسيئاً لمصر.

وتبيّن من الوثائق أن إيبرهارد راين، خلال إحاطته لفريق عمل المغرب والمشرق في الـ 19 من يوليو (تموز) 1996، وصف مصر بأنها أصعب شركاء الاتحاد الأوروبي تفاوضاً في منطقة البحر المتوسط، وفي ما يتعلق بالزراعة، أعرب عن اعتقاده بأن المصريين مستعدون للتفاوض، وأن على الجماعة الأوروبية أن تتقدم بعرض مضاد، مضيفاً أنه يعتقد بإمكان التوصل إلى اتفاق إذا تضمن منح صادرات البطاطس المصرية الحالية، التي تتراوح ما بين 400 ألف و500 ألف طن، دخولاً معفياً من الرسوم الجمركية، إضافة إلى منح امتيازات لـما بين 50 إلى 60 ألف طن من البرتقال، و30 ألف طن من الرز، إضافة إلى تقديم بعض التنازلات في شأن المنتجات الجديدة، وتحسين الجداول الزمنية للامتيازات القائمة، مثل إدراج شهر يوليو ضمن موسم تصدير العنب.

التمسك بالموقف الأوروبي

وأيدت دول أعضاء عدة، من بينها المملكة المتحدة، ضرورة أن تعمل الجماعة الأوروبية على إعداد عرض مضاد في الملف الزراعي، بهدف كسر حال الجمود في المفاوضات، وأوضح ممثل المديرية العامة السادسة، شتادلر، أن المفوضية ستسعى بالفعل خلال فصل الصيف إلى إعداد مقترح غير رسمي لعرضه على الدول الأعضاء في أوائل سبتمبر (أيلول) 1996، لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن الدول الأعضاء ينبغي أن لا تقلل من حجم القضية، موضحاً أنها سبق أن أثارت ضجة بسبب استيراد 200 طن فقط من البطاطس الإستونية، بينما يدور الحديث في الحالة المصرية عن نحو 500 ألف طن.

وذكرت الوثائق أن راين أوضح، في ما يتعلق بقضية الضمان الاجتماعي، أنه أبلغ المصريين صراحة بأن مطلبهم بالحصول على الأحكام نفسها الواردة في اتفاقات المغرب العربي لن يكون مقبولاً، وأضاف، مع التشديد على أنه لم يطرح هذا الأمر أمام الوفد المصري، أن السبيل الوحيد الممكن للتقدم ربما يتمثل في إضعاف صياغة أحكام المغرب العربي لئلا تصبح ملزمة قانونياً، ولا يمكن لـ "محكمة العدل الأوروبية" تفسيرها باعتبارها ذات تطبيق مباشر، وهو ما يعني أن تبقى المسؤولية في هذا المجال من اختصاص الدول الأعضاء، وأبدت فرنسا شكوكها في شأن إمكان التوصل إلى مثل هذه الصيغة، لكنها طلبت من المفوضية تعميم مشروع نص حال الانتهاء منه.

وأكدت الوثائق أن الممثل البريطاني أوضح خلال الاجتماع أنه على رغم أن الزراعة تمثل بلا شك أصعب ملفات المفاوضات، فإن قضية الضمان الاجتماعي تظل بالنسبة إلى المملكة المتحدة القضية الأساس الباقية، وأن لندن لن تقبل بأن يجري التضحية بها عند الوصول إلى المرحلة النهائية من المفاوضات، وهو الموقف الذي أيدته الدنمارك.

 

وأضاف معد التقرير أنه تحدث على هامش الاجتماع مع إيبرهارد راين، موضحاً له أن الدراسات التي أُنجزت في لندن حول هذه القضية تجعل من الصعب للغاية الاعتقاد بإمكان صياغة "نص مخفف"، يكون محكماً بما يكفي لمنع "محكمة العدل الأوروبية" من تفسيره بصورة توسعية، ورد راين بأنه طلب من باتريك هيتش، في الدائرة القانونية للمفوضية الأوروبية، متابعة هذا الموضوع، وتعهد بإطلاع الجانب البريطاني باكراً على أي مشروع نص يجري إعداده.

وختمت الوثائق بالإشارة إلى أن راين أعرب عن اعتقاده بأن المشكلة بالنسبة إلى المصريين تتعلق بطريقة عرض القضية أكثر من مضمونها، أي برغبتهم في أن لا يحصلوا على اتفاق أقل تفضيلاً من ذلك الممنوح لدول المغرب العربي، وردّ الممثل البريطاني بأن هذا التقييم يعني أن التكتيك الصحيح يتمثل في التمسك بالموقف الأوروبي، وعدم تقديم تنازلات، وهو رأي لم يعترض عليه راين الذي أضاف في ختام حديثه أن الورقة البريطانية الخاصة بمعاملة المواطنين المصريين في المملكة المتحدة، كانت مفيدة للغاية بالنسبة إلى المفوضية الأوروبية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير