Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة الوقود في سوريا تعيد الطوابير إلى المحطات

بدأت ملامح تلك المعضلة تظهر عقب صدور أول قرارات لجنة حديثة العهد بتخفيض سعر البنزين

ملخص

قرار خفض سعر الوقود قلب الطاولة وأشعل أزمة بعد رفض أصحاب المحطات تزويد السائقين بالوقود والتوقف عن استجرار كميات جديدة خشية تكبد خسائر مالية في مخزونهم.

تفجرت أمام محطات الوقود في العاصمة دمشق وغيرها من المدن السورية أزمة الوقود المفقود، وعلى مدى أيام تزاحمت المركبات والآليات العاملة بمحرك البنزين واصطفت بطوابير طويلة بانتظار ليترات قليلة وهي أزمة غير مسبوقة منذ سقوط نظام الأسد.

وبدأت ملامح تلك الأزمة تظهر عقب صدور أول قرارات لجنة حديثة العهد أحدثتها وزارة الطاقة، وهي متخصصة بتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، وفي الـ28 من يوليو (تموز) الجاري، بتخفيض سعر ليتر البنزين 95 أوكتان بنسبة 20.39 في المئة ليستقر سعره عند 130 ليرة سورية، وتخفيض آخر على البنزين من نوع 90 أوكتان بنسبة 19.97 في المئة ليصبح سعره 125 ليرة جديدة، (الدولار يعادل 131.150 ليرة جديدة) حسب سعر الصرف بالسوق الموازية.

تعويض فروق الأسعار

قرار خفض سعر الوقود الأول للجنة قلب الطاولة وأشعل أزمة بعد رفض أصحاب المحطات تزويد السائقين بالوقود والتوقف عن استجرار كميات جديدة خشية تكبد خسائر مالية في مخزونهم، هذه الأزمة شملت مدناً عدة أبرزها دمشق وحلب وحمص واللاذقية، وعزا صاحب محطة لتزويد البنزين ما حدث إلى أن التسعير الجديد لم يرافقه تنسيق مُسبق مع المحطات الخاصة.

وتحدث مدير محطة تعمل في دمشق بسام العويد خلال جولة لـ"اندبندنت عربية" قائلاً إنه على رغم الفوضى العارمة خلال الأيام السابقة، فإن التوريدات بدأت تصل إلى المحطات بعد التوقف عن استجرار كميات جديدة من البنزين، لا سيما وأن القرار فرض أيضاً عدم بيع الوقود بكل أنواعه إلا بالعملة السورية الجديدة.

وأضاف "بعد إلغاء التداول بالليرة السورية القديمة كنا نستقبل العملات الأكثر تداولاً بينها الدولار الأميركي والليرة التركية، بعدها منعت اللجنة التعامل غير بالليرة السورية الجديدة، لكن المعضلة بالتسعيرة الحديثة تكمن بعدم التعويض عن فروق الأسعار عبر نظام إلكتروني، وفي هذه الحال تتوقف المحطات عن البيع لإحصاء الموجودات داخل مخزون المحطة والتعامل مع فروق الأسعار عند تعديلها".

الطوابير وشلل بالحركة

وعلى رغم التطمينات الحكومية باستمرار عمل الشركة المتخصصة بتوزيع الوقود بصورة طبيعية، لا يزال الازدحام يغلب على المشهد العام أمام المحطات، مما ترك تأثيراً في حركة السوريين وتنقلهم، لا سيما أن أغلب السيارات في سوريا تعمل على البنزين بينما مادة المازوت متوفرة وتلبي حاجات المركبات.

وأعلن عضو مجلس الشعب السوري مؤيد قبطور في وقت سابق عن رحلة بحثه عن ليترات وقود في حلب لتعبئة سياراته لحضور الجلسة الأولى للبرلمان المشكّل حديثاً، ولكنه لم يجد، وأضاف في منشور له "مما اضطرني إلى استعارة سيارة ابن عمي".

هذا المشهد عاد بالذاكرة إلى فترة الازدحام على المواد النفطية مثل البنزين والمازوت والغاز والمواد الغذائية خلال عقد ونصف العقد من الحرب السورية، والحصار المطبق في مناطق سيطرة النظام آنذاك، حين اعتمدت الحكومات السابقة في عهد الأسد "البطاقة الذكية" الخاصة بالمركبات التي تحدد كمية وموعد تعبئة شبه ثابت لكل مركبة.

يروي لنا أحد السائقين كيف مضى اليوم الأول للأزمة ولم يتمكن من تعبئة سيارته ليعاود الانتظار أكثر من خمس ساعات في اليوم الثاني، وقال "اللافت توقف محطات عن البيع مما زاد من المشكلة"، لكن التوقيت زاد الأمر حدة، إذ تزامن مع انتهاء فترة الامتحانات مما اضطر العائلات إلى تأجيل الإجازات الصيفية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويستغرب سائقون من تحديد كمية التعبئة في حال توفرت لدى محطة الوقود بـ20 ليتراً من مادة البنزين كحد أقصى، إضافة إلى منع تعبئة العبوات نهائياً، وهذا الإجراء بحسب متخصصين في الشأن الاقتصادي سيزيد من الازدحام. ويتساءل المواطنون "كيف يمكن لهذه الكمية المحدودة من البنزين أن تكفي للسفر من محافظة إلى أخرى؟"، ليجيب أصحاب المحطات أن هذه الكمية تبقى حالاً موقتة وهي أشبه بإسعاف السيارات، وسيتغير الحال مع توافد مزيد من التوريدات، علاوة على استغلال البعض هذه الأزمة وباتت تباع هذه الكمية بـ"السوق السوداء".

وزاد سعر ليتر البنزين إلى الضعف، إذ وصل بين 200 و250 ألف ليرة جديدة، وتهافت لشراء المادة المضطرون إلى السفر أو التنقل بعد شلل، واضطراب بمواعيد الرحلات بين المحافظات للسيارات الخاصة. وحذر متخصصون من مواد مغشوشة منتشرة قد تؤدي إلى تعطيل المحرك أو غيره من القطع وذلك بسبب خلطها بمادة "التينر" وغيرها من المواد غير الصالحة للاستعمال، فضلاً عن نشاط في حركة استجرار غير مشروع للبنزين من لبنان عبر الحدود والطرق الخفية وغير المرخص لها لسد حاجة السوق.

ضخ المادة في المحطات

بوادر الانفراج بدأت تلوح لدى الشارع السوري مع بدء وزارة الطاقة بضخ ما يفوق 7 ملايين ليتر من مادة البنزين لمحطات الوقود. وبحسب المعلومات المتوفرة، فقد انطلقت من مركز بانياس للتوزيع إلى جانب مركز حمص وسط سوريا، آليات نقل المادة إلى المحافظات السورية التي تعاني اختناقات في الطاقة، وبحسب وزارة الطاقة ترسل هذه الكمية (7 ملايين و320 ألف ليتر) عبر 305 طلبات للمحطات.

ومع انتقادات وجهها السوريون إلى الحكومة وتأخرها بالمعالجة، أو الإفصاح عن السبب الحقيقي لهذه الأزمة وموعد حلها، عزت وزارة الطاقة في بيان لها السبب إلى ارتفاع الطلب المفاجئ على مادة البنزين، تزامناً مع تأخر بعض المحطات في استجرار مخصصاتها وتأخر عمليات تفريغ الشحنات، وبضخ كميات إضافية تجاوزت 2.5 مليون ليتر من البنزين.

وقال مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة عبدالحميد سلات إن الارتفاع الاستثنائي والكبير في الطلب خلال الأيام الماضية تسبب في زيادة الضغط على بعض محطات الوقود، ومن ثم نفاد الكميات فيها بصورة موقتة، بينما أوصى تيار "المستقبل السوري" (كيان سياسي مدني) بضرورة الإسراع بإطلاق نظام إلكتروني لتعويض أصحاب المحطات عن فروقات الأسعار، واعتماد آلية تنسيق مع أصحاب المحطات وجمعية حماية المستهلك قبل أي تعديل بالأسعار.

كذلك طالب التيار "بتعزيز الشفافية في إدارة قطاع المحروقات من خلال الإعلان الدوري عن المخزون الاستراتيجي وخطة توزيع وآليات التسعير"، تزامناً علت أصوات المجتمع المدني بضرورة حل للأزمة إلى جانب أزمات الطاقة الأخرى مثل رفع أسعار الكهرباء. وأشارت إحصاءات حديثة إلى استهلاك سوريا قرابة 123817 برميل نفط يومياً اعتباراً من عام 2024 محتلة المرتبة الـ71 عالمياً باستهلاك النفط، وهو ما يمثل نحو 0.12 في المئة من إجمال الاستهلاك العالمي، في حين بلغ الإنتاج 60365 برميلاً يومياً.

وعلى رغم وصول سوريا إلى ذروة إنتاجها في فترة التسعينيات من القرن الماضي، فإن هذا القطاع تعرض لانتكاسة منذ نشوب الحرب السورية الأخيرة بعد تعرضه للدمار والعقوبات، فانخفض أكثر من 90 في المئة، لكن الإنتاج المحلي لحظ زيادة مع وصول حكومة انتقالية للبلاد والانفتاح بالعلاقات مع الدول الغربية ولا سيما الولايات المتحدة ودخول الشركات الأجنبية في مجال التنقيب النفطي وتأهيل الآبار والحقول.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات