Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"جوع عتيق" تفكك ظاهرة أغنياء الحرب اللبنانية

لينة كريدية تروي الصراع الأهلي على الهوية والمال والسلطة

معركة فندق الهوليداي إن في بيروت 1975 (صفحة الحرب اللبنانية - فيسبوك)

ملخص

 لعل الدرس الأهم الذي يخرج به قارئ رواية "جوع عتيق" للروائية اللبنانية لينة كريدية، الصادرة عن دار النهضة العربية في بيروت، هو أن الماضي لا يمضي، فما زرعناه بالأمس نحصده اليوم، وما نزرعه اليوم سنحصده غداً، ولا بد أن يكون الحصاد من جنس الزرع.

بالدخول إلى رواية "جوع عتيق" من عتبة العنوان، نشير إلى أن عبارة "جوع عتيق"، في المأثور الشعبي، تطلق على من يقبل على الطعام ولا يشبع، أو يستحوذ على المتاح وغير المتاح ولا يكتفي، تعويضاً عن جوع عتيق أو حاجة مزمنة. وهذا ما يجعل من الإقبال أو الاستحواذ حالة مرضية، لها أعراضها وتداعياتها الوخيمة، في معظم الأحيان. وهو ما تثبته الوقائع المروية في المتن الروائي.

 تدور أحداث الرواية بين منطقتي بيروت وجونية في الربع الأخير من القرن الـ20، بدءاً من حرب السنتين حتى نهاية القرن، على الأقل. وتتمحور حول شخصيتي إبراهيم خليل وفؤاد اللتين تتناوبان على الوحدات السردية المتعاقبة في النصف الأول من الرواية، وتتحدان في النصف الثاني منها. والشخصيتان المحوريتان تتفاوتان في العمر، وتتقاطعان في النشأة ومكان الإقامة وبعض الاهتمامات، إلى حد انخراطهما في علاقة صداقة بينهما، تترتب عليها نتائج معينة، رغم الفارق العمري بينهما. وكلتاهما تدفع ثمن الماضي الذي عاشته، على اختلاف ما بين الماضيين، وتفاوت الثمن المدفوع.

 حقد طبقي

 من جهة، ينشأ إبراهيم خليل في أسرة ريفية فقيرة مفككة، لأب سكير فاشل يقوم بتعنيف أولاده وزوجته العصبية، بسبب وبغير سبب. حتى إذا ما تصدى له ابنه يوماً وأوقفه عند حده، يغضب منه، ويحقد عليه، ويلعنه وذريته، ويتنبأ له بمصير قاتم، يعبر عنه بالقول: "ستأكلك المتاهة يا إبراهيم". وإذ يحقق تصدي إبراهيم لأبيه نوعاً من الاستقرار النسبي للأسرة، فإن الزمن يكون لها بالمرصاد. فيأتي موت الأخ الأصغر يحيى، واستشهاد الأخ الأكبر خالد، وهجرة الأخ الأوسط عادل، وطلاق الأخت عفيفة من زوجها لتخيم بظلالها على الأسرة وتطيح باستقرارها. وهو ما يجعل إبراهيم يغادر القرية، وينزل إلى بيروت، بداية حرب السنتين، وينخرط فيها، ويشارك في معركة الفنادق. ويبرز قائداً وليس مجرد مقاتل عادي، ويصب جام حقده الطبقي الريفي على المدينة. يأمر من موقع القيادي بإضرام النار في المطعم الدوار في فندق الهوليداي إن، ويوطن النفس على أمر يقبر به الفقر. حتى إذا ما ألقي القبض عليه، ذات يوم من عام 1976، وتم سحله، ودخل في غيبوبة، يفيق من غيبوبته في مكان غريب، على صوت ناعم يأمره بالهرب من النداهة. ويطلق سراحه، من دون أن نعرف هوية هذا الصوت.

على أن نقطة التحول الرئيسة في حياة إبراهيم، تتمثل في إقدامه بالتعاون مع العجمي، لص السجاد، على سرقة بنكو دي روما. وقيامه، خلال العملية، بالغدر بمساعده صبحي ومساعد العجمي أبي عبده، وإردائهما قتيلين والاستيلاء على حصتيهما منها، والعودة إلى قريته. وهو ما يترتب عليه نتائج مهمة، تقلب حياة الشخصية رأساً على عقب. فيقوم ببناء فيلا في جونية، ويؤسس شركة عقارية، ويقيم مشروعاً ضخماً، ويتحول إلى رجل أعمال. وينجح في بناء سمعة مهنية طيبة، وينسج علاقات وثيقة مع نافذين، ويراكم الثروات.

غير أنه، على هذه الإنجازات، تعتوره مجموعة من نقاط الضعف التي تترك تأثيرها في حياته، وتحول دون استمتاعه بالثروة الوليدة. فمال الحرام لا بركة فيه، بل قد يتحول إلى عبء يرهق كاهل صاحبه، ويغدو التخلص منه الوسيلة الوحيدة للتصالح مع الذات. وهو ما ينطبق على إبراهيم، إلى حد كبير؛ ذلك أن أبا خليل، وهي كنيته المعروفة، يجد نفسه في مواجهة تلك النقاط عاجزاً عن التحرر منها. فيتمنى لو يستطيع محو ماضيه الأسود من حياته، ويرزح تحت وطأة فشل أولاده الأربعة، رغم الجهود الكبيرة التي بذل لتعليمهم وتوفير فرص العمل لهم.

 مازن مدمن المخدرات ينتهي ميتاً بجرعة زائدة، ومرمياً قرب حاوية نفايات في منطقة شعبية مشبوهة بعد أن جرى الاعتداء عليه. وخليل الهامشي يؤول إلى متدين يعتزل الناس، وعامر المقامر يراهن في البورصة ويتسبب له بخسائر كبيرة ويدخل السجن. ورامي المغرور يرتكب فضيحة أخلاقية تجعل الآخرين ينفضون عنه. ناهيك بعجز زوجته كريمة عن مواكبة نجاحاته واكتفائها بدور ربة المنزل، فيحملها مسؤولية الفشل في تربية الأبناء، معفياً نفسه من قسطه في هذه المسؤولية. ويزيد الطين بلة أن النداهة تلازمه فيسمع صوتها كلما تفقد مجوهراته المسروقة، وأن الكوابيس تطارده وتحرمه لذة النوم. وهكذا، يحصد أبو خليل ما زرعت يداه، ويطارده الماضي الذي لا يمضي.

الفلتان الاخلاقي

 في مواجهة هذه الأعطاب، ثمة علاقتان اثنتان تشكلان علاجاً موقتاً لها؛ الأولى علاقته العابرة بسوسن مديرة المعمل في مشروعه الضخم، وهي امرأة ثلاثينية جميلة مطلقة. فيقضيان أوقاتاً حميمة معاً في الشاليه العائدة له، حتى إذا ما أدرك أن لها سعراً كغيرها، سرعان ما يملها ويعود إلى رتابته السابقة.

والثانية، وهي الأهم، علاقته بفؤاد ابن العائلة المجاورة له، وهو من جيل أبنائه، فيؤدي تشابههما في بعض النقاط إلى نشوء صداقة بينهما، تجري ترجمتها في جلسات دورية حول كأس ويسكي، يتبادلان خلالها الشؤون والشجون. يفضي أحدهما إلى الآخر بلواعجه وخصوصياته، ويشتركان في مغامرات غرامية، مما يشكل متنفساً لإبراهيم، ويعيد إليه شيئاً من توازنه المفقود. وإذا ما توالت عليه مصائب أبنائه، يصاب بشلل نصفي، يعتزل بنتيجته الناس، ويصبح غير قادر على إدارة أعماله . ويشعر أن ما حل به وبعائلته يعود إلى لعنة المجوهرات التي سطا عليها في شبابه والعائدة للأسرة الملكية المصرية. فيعهد إلى فؤاد بإدارة أعماله، ويتخلى له عن صندوق المجوهرات مقابل اهتمامه بعائلته. فيغتنم الأخير الفرصة، ويبعد الأبناء عن أبيهم بأساليب مختلفة كي يستطيع اللعب على هواه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا تختلف نشأة فؤاد كثيراً عن نشأة صديقه إبراهيم؛ فينشأ في ظل أب متعجرف، يصفعه بسبب وبلا سبب، ويهينه بكلام جارح. وفي ظل أم مغلوبة على أمرها تنال نصيباً من عجرفة الأب وتعنيفه. فيأخذ عن أمه الأرمنية الصبر والقدرة على التحمل، ويأخذ عن جدته لأبيه الآشورية الشراسة. لذلك، نراه يمارس هواية الملاكمة لإفراغ الغضب المتراكم داخله. وإذا كان من الطبيعي أن يكون لهذه النشأة تأثيرها في حياة فؤاد، فإن حدثاً آخر يحدث ويكون له أكبر الأثر في حياته. ذلك أنه يتعرض في السابعة من العمر للاغتصاب على يد ابنة خالته التي تكبره بثمانية أعوام. فتحدد هذه الواقعة موقفه من المرأة، وتجعله يشك في جميع النساء، ويقيم علاقات عابرة مع بعضهن سرعان ما يقطعها، ويفشل في الزواج من إحداهن وتحقيق الاستقرار الذي ينشده أقرانه من الشبان. هذه النشأة تجعل منه شخصاً شرساً، غضوباً، يتجنبه الآخرون. وتشوب علاقته بأفراد الأسرة شوائب تحول دون انتظامها باستثناء علاقته بجدته الآشورية التي تسهب في الحديث الخال سرجون المقاتل الشرس في الحرب. يهرب إلى الملاكمة لبعض الوقت، ويفشل في علاقته العاطفية مع تالا، ويعيش على هامش الحياة، ولا تجد فيه أسرته فائدة تذكر.

هكذا، يطارد الماضي فؤاد، كما طارد إبراهيم، ويتحكم بخياراته وسلوكياته. على أن ما يميزه عن الآخر هو أن ماضيه مفروض عليه، بينما يختار أبو خليل ماضيه بنفسه، مما يجعل مسؤوليته عما آل إليه أكبر من مسؤولية فؤاد. ولعل الشيء الوحيد الذي يمنح حياته بعض المعنى، هو علاقة الصداقة التي تنشأ بين الاثنين. فيشعر فؤاد بحاجة صديقه إليه، ويؤنس وحدته، ويشاطره كأسه، ويخفف عنه، ويشير عليه بما فيه راحته. يقف إلى جانبه في مصابه، ويحمل عنه لعنة الصندوق، ويتولى إدارة أعماله بعد إصابته بالفالج. وهكذا، نكون إزاء ضحيتين للماضي، لا تستطيعان التحرر من تردداته المتمادية في الزمن، فيطلع في حاضر كل منهما ومستقبله، ويتحكم بخياراته وسلوكياته.

 إلى جانب سؤال الماضي، تطرح كريدية أسئلة الحرب والسلم والهوية والطائفية والإثراء غير المشروع والمسألة الأرمنية وغيرها. غير أن السؤال المحوري الذي يطغى على ما عداه هو سؤال أغنياء الحرب الذين جنوا ثروات طائلة بأساليب غير مشروعة، فتقوم، من خلال شخصية أبي خليل المحورية، بفضحهم، وتفكيك ظاهرتهم، واقتفاء مساراتهم، ورصد مصائرهم، وتبني على الشيء مقتضاه.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة