مَن الرابح من وراء عملية سوريا ثم وقف إطلاق النار؟

ماذا تتخيلون من 15 مليون كردي في تركيا التي تشن هجوما عسكريا على مناطق أشقائهم في الجوار

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونائب الرئيس الأميركي مايك بنس ويظهر وزير الخارجية مايك بومبيو أثناء زيارتهما لأنقرة (رويترز)

الرابح في المعارك هو الذي يخرج منها بأقل الخسائر. والأخسرون فيها على الإطلاق هم أبناء الشعب من كلا الجانبين. والضحية في هذه الصراعات إما هم أنفسهم أو ابنهم الوحيد أو أخوهم الشقيق أو أبوهم أو حبيبهم المقرب منهم!

وبالأخص إذا تم استهداف المناطق المدنية فحينئذ تتضاعف الخسائر بشتى الوجوه، ثم تتسبب هذه الفظائع إلى زرع العداوة والبغضاء في نفوس الأطراف المتصارعة، مما يؤدي إلى قطيعة نفسية وعاطفية بين الشعوب. وحتى لو انتهت الحرب فربما تترك هذه الصدامات آثارا عميقة في المجتمعات يكون من الصعب إصلاحها في المدى القريب.

 يقدر عدد الأكراد في منطقة الشرق الأوسط بحوالي 32 مليونا؛ يتوزعون بين تركيا وإيران والعراق وسوريا. تتصدر تركيا بـ 15 مليون كردي، تليها إيران بـ 8 ملايين، ثم العراق بـ 6 ملايين، ثم سوريا بحوالي 2 مليون كردي.

فماذا تتخيلون من 15 مليون كردي في تركيا التي تشن هجوما عسكريا على المناطق الكردية التي يعيش فيها 2 مليون من أبناء جلدتهم؟ وماذا ستكون النتائج النفسية لذلك على أكراد تركيا؟

بادئ ذي بدء، نستطيع القول بأنه يمكن ملاحظة التأثير السلبي الكبير لهذه العملية على نفوس أبناء الشعب الكردي في تركيا، مما جعلهم يعيشون تصدعات عاطفية مع بلدهم الذين يعيشون على ترابه.

 وبينما كنا نعيش هذه الدوامة، إذا بنا نسمع بوقف إطلاق النار في هذه العملية التي صرح فيه أردوغان بأنه لن يتراجع عنها في أية حال حتى تصل إلى هدفها المنشود!

وماذا عن إعلان حزب العدالة والتنمية بأنه لن يعترف بعنصر يسمى YPG (وحدات حماية الشعب)؟

وكيف تم إعلان وقف إطلاق النار بهذه السرعة الكبيرة؟

ولإلقاء الضوء على هذه القضية اسمحوا لي أن أشرح بإيجاز ثلاثة أحداث مهمة أوصلت إلى هذه المرحلة:

1- في بداية الأسبوع الماضي، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرسوما رئاسيا يمنح وزراتي الخزانة والخارجية صلاحية فرض عقوبات على مؤسسات وشخصيات في تركيا، وأكثر المواد اللافتة للأنظار في هذا المرسوم هي التي تدرج أسماء وزراء الدفاع خلوصي أكار، والداخلية سليمان صويلو، والطاقة والموارد الطبيعية فاتح دونماز على لائحة العقوبات.

2- ومن ذلك قضية "بنك خلق (Halkbank)" التي لا تزال مستمرة في الولايات المتحدة الأميركية.

حيث إن لائحة الاتهام التي أعدها المدعي العام بجنوب نيويورك جيفري بيرمان (Geoffrey Berman)، وتم الإعلان عنها في منتصف الأسبوع الماضي، كانت تتهم هذا البنك الحكومي بأنها وفرت لإيران 20 مليار دولار من عائدات النفط بصورة غير مشروعة، وأن مجموع الأموال التي تم غسيلها من خلال تركيا لصالح إيران قد بلغ 87 مليار دولار، وأن هذه الأمور حصلت برعاية من المسؤولين الكبار، وأنه من غير الممكن أن لا يكون لدى أردوغان علم بما جرى في هذا المجال.

3- أخيرًا، الرسالة الشهيرة التي تم تسريبها، والتي يقول فيها ترامب لأردوغان: "لا تكن أحمق"، منبها إياه من أنه يخاطر، ومذكراً بأن التاريخ كـ"شيطان".

أجل، هذه الرسالة هي أيضا من الأمور التي أدت إلى تركيع أردوغان وإرغامِه على الاستسلام للأمر الواقع.

ففي اليوم الثامن من العملية العسكرية، جاء الوفد الأميركي برئاسة نائب الرئيس الأميركي مايك بنس إلى أنقرة، ووقَّع قرار وقف إطلاق النار مع الرئيس أردوغان.

ولكن المفارقة المضحكة هي أن الأدوات الإعلامية الخاضعة لسيطرة أردوغان لا تزال تحاول إظهار الاتفاقية التي تم التوصل إليها على أنه انتصار.

وبعد هذه المقدمة الطويلة تظهر الإجابة على السؤال الذي طرحتُه في بداية هذا المقال: من الرابح من وراء عملية سوريا ثم وقفِ إطلاق النار.

وإذا نظرنا إلى الاتفاقية من وجهة نظرِ "وحدات حماية الشعب" فسنلاحظ أن أردوغان اعترف بها رسميا لأول مرة، في حين أنه كان مصرا على عدم الاعتراف بها؛ فقد أدت هذه العملية إلى اعتراف وحدات حماية الشعب في ما يستجد من الاتفاقيات الدولية، مما يوحي بكونها كيانا قائما بذاته، حتى ولو لم يصل ذلك إلى مستوى الحكم الذاتي.

وقد كان هناك رأي عام وردود فعل دولية ضد هذه العملية باستثناء بضع دول وقفت بجانب تركيا.

كما أن مشاركة أعضاء الجماعات السورية الذين شاركوا في هذه العملية إلى جانب الجيش التركي تحت مسمى الجيش الوطني السوري، ثم دَفْعَهم بالجنود الأتراك إلى ذبح الأسرى من الأكراد، ثم قيامَهم بنشر فيدوهات تحتوى على ذلك أدت إلى ردود فعل في الرأي العام العالمي، وفقدانِ مصداقيةِ هذه العملية. وكان هذا من أكبر الأمور التي تحز في نفسي، وكنت غير مرتاح لهذا الوضع المزري الذي يقع فيها جنود بلادي.

فهل بعد هذا كله يمكن أن نعتبر أردوغان هو الرابح من وراء هذه العملية ثم إعلان الهدنة بعدها.

بالطبع لا!

بل إن حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا وزعيمها الرئيس أردوغان، هم أكبر الخاسرين في هذه العملية.

وأما بالنسبة للأكراد، فلربما تعود حالة من الهدوء المؤقت إلى منطقتهم، ولكن ذلك لا يعني أنهم من الرابحين؟

فإذا كانت مناطقهم ومرافقهم تعرضت لدمار شامل، ونزح حوالي 250 ألف من السكان من ديارهم، بالإضافة إلى المشاكل الصحية والغذائية، فلا يمكن اعتبارهم من الرابحين.

ومن ناحية أخرى، فهناك أجزاء مهمة من هذه الاتفاقية لا تزال غامضة وغير واضحة المعالم.

 إلى أي طرف ستنتقل تلك الكمية الكبيرة من الأسلحة الثقيلة التي تمتلكها بها وحدات حماية الشعب؟

وكيف سيتم التعامل مع ما تغير من التوازنات الميدانية، بعد دخول الجيش الروسي والسوري إلى الأماكن التي غادرها الجنود الأميركيون ووحدات حماية الشعب؟

ومَن سيسيطر على المناطق الآمنة التي تطالب بها تركيا؟

هذه وغيرها أسئلة تظل غير واضحة في الاتفاقية، وتتطلب منا التريث للحصول على أجوبتها في الأيام المقبلة.

 بالإضافة إلى ذلك، فإن مصادفة اجتماع أردوغان مع فلاديمير بوتين في 22 أكتوبر (تشرين الثاني)، وهو اليوم الذي تنتهي فيه فترة الـ120 ساعة، يعطي الانطباع بأن روسيا تتصرف في نفس الاتجاه الذي تسير فيه الولايات المتحدة.

كان أدروغان يهدف من وراء الهجوم على المناطق الكردية إلى تحصيل مصالح شخصية وحزبية، أي إعادة ترتيب السياسية الداخلية، ولكنه عندما واجه الملفات التي تضم علاقاته مع إيران، سرعان ما خضع للضغوط الأميركية، وهذا يعني أن القادم أسوأ بالنسبة له وللمقربين إليه.

وأعود لأذكّر بالمَثل الذي ذكرته في مقالي السابق المنشورة في "إندبندنت العربية" والذي يقول: هناك شيئان يمكنك أن تبدأ بهما ولكن إنهاءهما ليس في صلاحيتك: الحرب والحريق".

وهكذا الأمر بالنسبة لأردوغان، حيث إنه هو الذي بدأ بالحرب، ولكن لن يكون بيده إنهاؤها.

 

المزيد من تحلیل