Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد فنزويلا... كيف ترى أميركا سوق النفط؟

توقعات زيادة العرض على الطلب تضغط على الأسعار نزولاً إلى حين

فنزويلا لديها أكبر احتياط في العالم بما يزيد على 300 مليار برميل (اندبندنت عربية)

ملخص

لا تزال شركات الطاقة الأميركية الكبرى تتردد في دخول قطاع الطاقة الفنزويلي لاعتبارات كثيرة، ولعل أهمها ما يصفه المحللون بأنه "ضعف المؤسسات" في البلاد، مما يجعل ثقة المستثمرين منخفضة بشدة. 

بحسب أرقام الشهر الماضي، عاد إنتاج فنزويلا من النفط إلى قرب مستويات ما قبل فرض الحصار الأميركي عليها، فمع محاولة واشنطن فرض سيطرتها على نفط فنزويلا بعد هجومها العسكري على كاراكاس مطلع العام، وإطاحة الرئيس نيكولاس مادورو، تتولى الولايات المتحدة بيع نفط فنزويلا، وتسعى إلى تشجيع الشركات الأميركية على العودة للاستثمار في قطاع الطاقة هناك.

يزيد إنتاج فنزويلا حالياً على مليون برميل يومياً، بعدما انخفض إلى ما دون مليون برميل بكثير نهاية العام الماضي، وطبقاً لآلية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تتولى الولايات المتحدة التصريح بعمليات بيع النفط الفنزويلي وتحصيل عائداته، إلا أنه على رغم تشجيع الإدارة الأميركية لشركات الطاقة، لم تحدث بعد "طفرة" الإنتاج المأمولة لاعتبارات كثيرة.

لكن ذلك لا يمنع أن الأسواق بدأت تتحسب لاحتمالات عودة النفط الفنزويلي بكميات كبيرة، وتأثير ذلك في معادلة العرض والطلب في سوق النفط العالمية، بالتالي في أسعار الخام والمشتقات، خصوصاً أن ذلك يأتي في وقت يسوده التفاؤل باحتمال التوصل إلى اتفاق نهائي بين إيران وأميركا يسمح بعودة قطاع الطاقة الإيراني إلى النشاط تدريجاً.

هناك تقارير عن سعي أميركي لزيادة إسهام الشركات الأميركية في قطاع النفط العراقي، إلى جانب التصريحات العراقية بأن بغداد ستخصص 50 ألف برميل يومياً لمصلحة إعادة ملء المخزون الأميركي الذي استُنفد خلال الحرب على إيران.

الضغط على الأسعار

بالطبع، سارعت عدة مؤسسات وبنوك استثمارية إلى إصدار مذكرات تحليلية تتوقع ضغطاً نزولياً على أسعار النفط، ليس فقط نتيجة انفراج الوضع في الخليج وعودة الشحن البحري عبر مضيق هرمز، وإنما أيضاً بسبب زيادة الإنتاج الفنزويلي وتوسع أميركا في منح تصاريح البيع والتصدير.

في المقدمة، كالعادة، تأتي تقديرات وكالة الطاقة الدولية، التي تتوقع باستمرار أن المعروض النفطي سيتجاوز الطلب، وأن الطلب العالمي على النفط سيصل إلى ذروته ويأخذ في الانخفاض. إلا أن الأرقام الحقيقية تثبت عكس ذلك، كما أوضح تقرير منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) قبل أيام أن الطلب العالمي على النفط لا يزال ينمو ولم يصل إلى ذروته.

مع ذلك، وإذا أخذنا في الاعتبار استمرار تحالف "أوبك+" في تخفيف قيود سقف الإنتاج، أي عملياً زيادة حصص إنتاج أعضائه من "أوبك" وخارجها، إضافة إلى استمرار زيادة الإنتاج من دول خارج تحالف "أوبك+"، فإن الضغط النزولي على الأسعار حقيقي.

بدا ذلك واضحاً بمجرد عودة الملاحة عبر مضيق هرمز، وانسياب نفط الخليج إلى السوق بما يقارب مستواه قبل الحرب. وأدى ذلك إلى هبوط سعر خام "برنت" القياسي من نحو 100 دولار للبرميل إلى نطاق 70 دولاراً للبرميل.

لكن إلى أي مدى تؤثر زيادة إنتاج فنزويلا، وتوسع واشنطن في تصاريح البيع والتصدير، في ميزان العرض والطلب، بالتالي في الأسعار؟

بحسب أغلب التقديرات والتحليلات الصادرة عن مؤسسات أبحاث الطاقة وشركات تحليل معلومات السوق، فإن تأثير الإنتاج الفنزويلي ليس كبيراً، وحتى ما هو متوقع من تغيير في سياسة العراق النفطية أو زيادة إنتاج إيران ليس بالمؤثر الكبير في السوق على المدى القصير.

نفط فنزويلا ومشكلاته

تعد فنزويلا من كبرى الدول النفطية في العالم، على رغم تدهور إنتاجها في الأعوام الأخيرة، إذ إن فنزويلا لديها أكبر احتياط معروف من النفط في العالم، بما يزيد على 300 مليار برميل من الاحتياطات المؤكدة. لكن العقوبات الاقتصادية والسياسات المتشددة للحكومة الفنزويلية أعاقت الاستثمار في الاستكشاف والتطوير والإنتاج. 

انخفض إنتاج البلاد مما يقرب من 3 ملايين برميل يومياً مطلع القرن إلى أقل من مليون برميل يومياً نهاية العام الماضي، وكان ذلك نتيجة عدم قدرة شركة النفط الوطنية على صيانة وتطوير قدراتها بسبب القيود على الاستيراد، ثم الحصار الأميركي في ديسمبر (كانون الأول)، الذي أوقف تقريباً خروج النفط من فنزويلا.

منذ تأميم قطاع الطاقة الفنزويلي في عهد الرئيس الأسبق الراحل هوغو تشافيز، خرجت أغلب الشركات الأجنبية من قطاع الطاقة. ومع ذلك، كانت فنزويلا تسمح بالشراكة بين شركة النفط الوطنية والشركات الخاصة. وتعمل عملاق الطاقة الأميركية "شيفرون" في فنزويلا في مناطق "الحقول المشتركة" تلك، التي تنتج ما يقارب ربع إنتاج فنزويلا من النفط.

لا تزال شركات الطاقة الأميركية الكبرى تتردد في دخول قطاع الطاقة الفنزويلي لاعتبارات كثيرة، ولعل أهمها ما يصفه المحللون بأنه "ضعف المؤسسات" في البلاد، مما يجعل ثقة المستثمرين منخفضة بشدة، كما أن الشركات تطالب بحماية حقيقية ومستمرة لاستثماراتها، وتعديل قوانين الطاقة، وإحكام التعاقدات بصورة واضحة.

وعلى رغم ما يقال عن هيمنة واشنطن على قطاع الطاقة الفنزويلي، فإن الإدارة الأميركية لا يمكنها أن تضمن كل هذه الأمور للشركات والمستثمرين.

ويحتاج الأمر إلى تغيير شامل في سياسات حكومة فنزويلا، وهو ما لم يحدث على رغم تعاون الحكومة الحالية مع واشنطن، فلا تزال شركات الطاقة بانتظار أن تعلن فنزويلا تفاصيل عقود الاستكشاف والتنقيب والإنتاج، واللوائح والقوانين الجديدة المنظمة لقطاع الطاقة. بجانب أن مسألة خضوع النفط الفنزويلي لتصاريح تصدرها واشنطن تشكل مشكلة كبيرة، ففي تقرير هذا الأسبوع لمجلس العلاقات الخارجية، تتساءل روكسانا فيجيل "أين تذهب كل أموال قطاع النفط الفنزويلي؟".

وترى الباحثة في المجلس، التي عملت سابقاً مستشارة لسياسات العقوبات في وزارة الخزانة الأميركية، أن عملية تسويق وبيع النفط الفنزويلي من قبل الإدارة الأميركية "يكتنفها الغموض وانعدام الشفافية، وأن الشعبين الفنزويلي والأميركي لا يعرفان ما يحدث لمليارات الدولارات من عائدات النفط".

الإنتاج والعائدات والتأثير في السوق

باعت الولايات المتحدة ما يصل إلى 100 مليون برميل من نفط فنزويلا في الأشهر الأخيرة، بقيمة تصل إلى نحو 8 مليارات دولار. وبحسب أرقام وكالة "بلومبيرغ"، فإن التصاريح الأميركية تبيع النفط الفنزويلي بنسبة خصم عن أسعار السوق، وأن ما يقارب نصف هذا النفط (43 في المئة) يذهب إلى السوق الأميركية، تليها الهند بنحو الربع، ثم إسبانيا وغيرها بنسب تقل على 10 في المئة.

لن تكون شركات الطاقة الأميركية الكبرى مرتاحة لهذا النظام الذي تفرضه واشنطن، لأنها تريد تحقيق عائدات وأرباح معقولة لاستثماراتها في فنزويلا إذا قررت دخول قطاع الطاقة هناك.

غالب مشكلة رفع إنتاج فنزويلا باستثمارات خارجية، من شركات الطاقة الكبرى في الولايات المتحدة، هي مشكلة مزدوجة تتعلق بالسياسات الأميركية والفنزويلية الداخلية على السواء.

وفي تقرير "أوبك" الأخير، تقدر المنظمة، في شأن جانب العرض في السوق، أن الإنتاج من الدول خارج تحالف "أوبك+" سيرتفع بمقدار 4.1 مليون برميل يومياً في المدى المتوسط، ملبّياً تقريباً نصف الزيادة المتوقعة في الطلب العالمي.

ومع وصول الإنتاج الأميركي إلى ذروته بحلول عام 2030، سيستمر المعروض من الدول خارج تحالف "أوبك+" مستقراً عند نسبة 60 في المئة من المعروض العالمي للنفط.

وهكذا سيرتفع المعروض من دول تحالف "أوبك+" على المدى الطويل حتى منتصف القرن.

وفي تقرير لمؤسسة "فيتش" للتصنيف الائتماني، في وقت سابق من هذا العام، توقعت المؤسسة "تخمة" في المعروض في سوق النفط استناداً إلى أرقام العام الماضي.

وقدر التقرير زيادة في المعروض على الطلب في عام 2025 بمقدار 3 ملايين برميل يومياً، وتوقع أن يُضاف إليها 2.5 مليون برميل يومياً زيادة في العرض خلال عام 2026، في مقابل توقعات بنمو الطلب العالمي على النفط بنحو 0.8 مليون برميل يومياً فقط.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتأتي نصف تلك الزيادة المتوقعة في الإنتاج، والمقدرة بنحو 5.5 مليون برميل يومياً إجمالاً، من تخفيف تحالف "أوبك+" قيود الإنتاج، والنصف الآخر تقريباً من زيادة إنتاج الدول من خارج التحالف، وفي مقدمها أميركا، ثم كندا والبرازيل وغويانا والأرجنتين.

وحتى إذا تمكنت إدارة ترمب من تنفيذ خطتها بدفع شركات الطاقة الأميركية للاستثمار في قطاع الطاقة الفنزويلي، فإن أمامها فترة طويلة قبل أن يرتفع الإنتاج إلى 1.5 مليون برميل يومياً.

أما إيران، التي كان إنتاجها النفطي قبل الحرب عند نحو 3 ملايين برميل يومياً، فإن صادراتها لم تتجاوز 1.5 مليون برميل يومياً، بينما يستهلك الباقي محلياً.

وعلى رغم أن العراق يسعى إلى زيادة إنتاجه النفطي، ومع الحديث عن دور أكبر للشركات الأميركية في قطاع الطاقة العراقي، فإن احتمالات توافر الاستثمارات المطلوبة لا تبدو مرجحة على المدى القصير، كما أن الأوضاع الاقتصادية الداخلية للعراق لا تسمح بتوفير استثمارات ذاتية بالقدر الذي يتطلبه تطوير قطاع النفط لزيادة الإنتاج بكميات كبيرة.

ويبقى أن كثيراً من التقديرات والتوقعات تبدو مبالغاً فيها، فإدارة ترمب، مثلاً، تحدثت عن زيادة الإنتاج الأميركي بنحو 4 ملايين برميل يومياً.

لكن الواقع الفعلي، وفق أرقام إدارة معلومات الطاقة الأميركية، يظهر أن زيادة الإنتاج لم تصل حتى إلى مليون برميل يومياً، بخاصة أن قطاع النفط الصخري الأميركي وصل إلى ذروته بالفعل وبدأ في التراجع، ليس متأثراً بالأسعار في السوق وضغطها على كلفة الإنتاج فحسب، وإنما أيضاً بنضوب الأحواض الرئيسة للإنتاج في تكساس وغيرها.

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز