Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من ودائع الشاه إلى عائدات النفط: كيف احتجزت بنوك العالم مليارات إيران؟

تُظهر وثيقة تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تعود لعام 1982 أن واشنطن جمدت نحو 12 مليار دولار من أصول طهران لديها قبل أن تفرج عنها بموجب "اتفاق الجزائر"

دفعت العقوبات الأميركية نحو تجميد مليارات من أموال النفط الإيراني (أ ب)

ملخص

معظم الأموال المجمدة حالياً من قبل الولايات المتحدة لا توجد في المصارف الأميركية، بل تمثل مدفوعات أحدث في مقابل صادرات إيران النفطية إلى الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان، وهي أموال تعذر تحويلها إلى النظام المصرفي الإيراني، بعد أن انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال ولايته الأولى من الاتفاق النووي. 

في أبريل (نيسان) الماضي أطلقت وزارة الخزانة الأميركية حملة باسم "الغضب الاقتصادي" لممارسة "أقصى درجات الضغط الاقتصادي"، بغية عزل النظام الإيراني مالياً من خلال قطع مصادر إيراداته الرئيسة بصورة منهجية، عبر تفكيك الأنظمة المالية المعقدة التي يستخدمها للالتفاف على القيود التجارية الدولية، والضغط على طهران للتوصل إلى اتفاق، ودعت وزارة الخزانة الأميركية القطاع المصرفي إلى تكثيف الرقابة.

و"الغضب الاقتصادي" امتداد لتاريخ عمره نحو 47 عاماً من العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران، بدأت في الـ 14 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، بعد مرور 10 أيام على اقتحام طلاب إيرانيين مقر السفارة الأميركية في طهران، واتخاذ الدبلوماسيين الأميركيين رهائن، ووقتها وقّع الرئيس الأميركي جيمي كارتر القرار التنفيذي رقم (12170) القاضي بتجميد أصول الحكومة الإيرانية المحتجزة في الولايات المتحدة، حيث كانت إيران تمتلك ودائع وذهب وسيولة ضخمة في البنوك الأميركية منذ عهد الشاه محمد رضا بهلوي، والذي ارتبط بعلاقة وثيقة مع الولايات المتحدة. 

وتُظهر وثيقة تابعة لأرشيف وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تعود للثامن من يناير (كانون الثاني) 1982، أن الولايات المتحدة جمدت نحو 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية لديها، بينها أكثر من 5.6 مليار دولار من الودائع والسندات لدى فروع البنوك الأميركية في أنحاء مختلفة حول العالم، ومع ذلك أُفرج عن الجزء الأكبر من هذه الأموال بموجب "اتفاق الجزائر" عام 1981 لإطلاق الرهائن، غير أن النظام الإيراني لم يحصل على تلك الأموال نقداً، بل جرى اقتطاع 3.7 مليار دولار لتسوية ديون البنوك، وإيداع 1.4 مليار دولار في حساب ضمان في لاهاي لتسوية مطالبات تجارية معلقة، إضافة إلى إعادة نحو 2.9 مليار دولار مباشرة لطهران، وحجز أموال صفقة أسلحة ضخمة بقيمة 400مليون دولار جرى دفعها للـ "بنتاغون" في عهد الشاه ولم تُسلم، وهى الأموال التي سمح الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بإعادتها لإيران عقب الاتفاق النووي عام 2015.

أموال النفط

غير أن معظم الأموال المجمدة حالياً من قبل الولايات المتحدة تمثل مدفوعات أحدث في مقابل صادرات إيران النفطية إلى الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان، وهي أموال تعذّر تحويلها إلى النظام المصرفي الإيراني، بعد أن انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال ولايته الأولى من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة سلفه باراك أوباما، وأعاد فرض العقوبات على إيران عام 2018، ولا يوجد في المصارف الأميركية سوى جزء ضئيل من الأموال الإيرانية التي تتعلق بأصول وسندات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتختلف التقديرات في شأن قيمة الأصول الإيرانية الموجودة في الخارج، إذ تؤكد طهران أنها لا تقل عن 100 مليار دولار، بينما يقدّرها خبراء آخرون بمبلغ أقل كثيراً، وتتمثل أولوية طهران خلال المفاوضات الحالية في الإفراج عن دفعة أولية تبلغ 24 مليار دولار على مراحل.

وفيما دفعت العقوبات الأميركية نحو تجميد مليارات من أموال النفط الإيراني في كثير من الدول، فإن مليارات أخرى تمر بصورة غير شرعية عبر أنظمة مصرفية أخرى، وفي أبريل الماضي أرسلت وزارة الخزانة الأميركية مراسلات رسمية إلى مؤسسات مالية في الصين وهونغ كونغ ودولة الإمارات وسلطنة عُمان في شأن شركات أجرت تعاملات بقيمة تقارب 4 مليارات دولار، مرتبطة بشركات نفط إيرانية، وقامت بتمرير ما لا يقل عن 707 ملايين دولار من تلك الأموال عبر حسابات أميركية عام 2024، ووفقاً لـ "شبكة إنفاذ قوانين الجرائم"، وهي مكتب تابع لوزارة الخزانة الأميركية، فقد جرى تحديد عشرات الشركات التي تتخذ من العراق والإمارات وهونغ كونغ مقراً لها، باعتبارها مشاركة في نقل النفط الإيراني الخاضع للعقوبات، وأشارت إلى أن مشتري النفط في دول مثل سنغافورة والإمارات أرسلوا تحويلات، قد تكون مرتبطة بنفط إيراني خاضع للعقوبات، إلى كيانات يُحتمل أنها خاضعة لسيطرة إيران، وكذلك أفادت تقارير بأن البنك المركزي الإيراني يحتفظ أيضا بحسابات في دول أخرى عدة، من بينها الصين وألمانيا والهند وتركيا.

وخلال الحرب الجارية، وبعد هجمات إيرانية على دول خليجية، علّق ترمب قائلاً إنه من المدهش أن تستهدف إيران الدول التي تدير ثرواتها في الخارج، مضيفاً "هذا غريب، وكما تعلمون فالإمارات هي مثل المصرف لإيران، إنهم نوعاً ما المصرف".

وتضمنت رسائل الولايات المتحدة لهذه الدول تحذيراً شديد اللهجة من إمكان فرض عقوبات أميركية ثانوية على أي كيان يثبت تورطه في تسهيل أنشطة تجارية إيرانية، واُتهمت هذه الدول بالسماح بمرور تعاملات غير مشروعة عبر أنظمتها المصرفية المحلية، مع رقابة محدودة.

مليارات الدولارات

كذلك أفاد تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الشهر الماضي بأن الصين، باعتبارها المشتري الأكبر للنفط الإيراني، فإن التقديرات في شأن قيمة الأصول الإيرانية المجمدة لديها تتراوح ما بين 20 و50 مليار دولار، وحتى بعد اندلاع الحرب في فبراير (شباط) الماضي، واصلت الصين شراء النفط الإيراني سراً، وتمكنت إيران من استخدام جزء من هذه الأموال لشراء معدات وآلات صينية وقطع غيار للسيارات، إضافة إلى سلع أخرى.

وتستطيع الولايات المتحدة منع الدول من سداد ثمن النفط لإيران، لأن معظم صفقات النفط العالمية تُجرى بالدولار الأميركي، ويمكن لوزارة الخزانة الأميركية حرمان المؤسسات المالية من الوصول إلى النظام المالي المعتمد على الدولار، إذا انتهكت العقوبات، وهي أداة قوية لجأت إليها الولايات المتحدة بوتيرة متزايدة خلال العقدين الماضيين.

كذلك يحتفظ العراق، أحد كبار مشتري الكهرباء والغاز الطبيعي من إيران، بـ 15 مليار دولار، ولا يستطيع دفع ثمن هذه الخدمات بسبب القيود الأميركية، وقد منعت إدارة ترمب أخيراً بغداد من سداد مدفوعات واردات الكهرباء الإيرانية، وقبل انسحابه من الاتفاق النووي، كانت الهند ثاني أكبر مشتر للنفط الإيراني، لكن العقوبات التي فرضتها الإدارة الأميركية دفعت البنوك الهندية إلى تجميد مدفوعات النفط الإيراني التي تبلغ نحو 7 مليارات دولار.

ومثل الهند والصين، كانت كوريا الجنوبية من كبار زبائن النفط الإيراني قبل فرض العقوبات خلال إدارة ترمب الأولى، وجرى لاحقاً تحويل 6 مليارات من أصل 7 مليارات دولار مجمدة لديها إلى قطر، ضمن صفقة تبادل سجناء مع الولايات المتحدة في أغسطس (آب) 2023، ونص الاتفاق آنذاك على السماح لبنوك سيول التي كانت الأموال الإيرانية مودعة فيها، بتحويلها إلى قطر تحت إشراف "البنك المركزي القطري"، شرط ألا يسمح لإيران باستخدامها سوى للأغراض الإنسانية، وفقاً لنظام العقوبات الأميركية.

وبعد هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 التي نفذتها حركة "حماس" بدعم من إيران، تراجعت الولايات المتحدة عن الاتفاق، ولا تزال واشنطن تمنع قطر من تحويل هذه الأموال التي كان من المفترض استخدامها لأغراض إنسانية فقط، فيما تتركز المفاوضات الحالية بصورة كبيرة على السماح لإيران بالوصول إليها.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير