ملخص
عاد الجدال حول أسهم الذكاء الاصطناعي ليهيمن على اهتمامات المستثمرين وسط إنفاق رأسمالي غير مسبوق ومخاوف من تشكل فقاعة مالية جديدة، في مقابل انقسام بين من يراها طفرة طويلة الأمد ومن يحذر من انفجار وشيك.
عاد سؤال تتجاوز قيمته تريليونات الدولارات ليتصدر اهتمامات المستثمرين حول العالم بعد ربع عام اتسم بتقلبات حادة في الأسواق: هل لا تزال أسهم الذكاء الاصطناعي الرهان الأفضل، أم أن الأسواق دخلت بالفعل مرحلة الفقاعة؟
أعاد أكبر إنفاق رأسمالي في التاريخ على تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الإدراج الضخم لشركة "سبيس أكس"، التي تجمع بين تقنيات الذكاء الاصطناعي وصناعة الفضاء، إشعال الجدال حول ما إذا كانت الطفرة الحالية في أسواق الذكاء الاصطناعي تعكس نمواً حقيقياً أم فقاعة استثمارية آخذة في التشكل.
وبينما يرفض مؤسس مجموعة "سوفت بنك" ماسايوشي سون هذه المخاوف، واصفاً الحديث عن وجود فقاعة بأنه "أقرب إلى التجديف"، ومؤكداً أن الذكاء الاصطناعي "لا يزال في بداية مسيرته"، يحذر آخرون، من بينهم بنك التسويات الدولية، من أن موجة "الحماسة المفرطة" الحالية قد تنتهي بـ"ركود استثماري طويل الأمد".
ومن المنتظر أن يقدم بنك إنجلترا (البنك المركزي البريطاني) الأسبوع المقبل تقييمه للأخطار المتراكمة في الأسواق، عند نشر تقريره نصف السنوي عن الاستقرار المالي، في ظل تزايد المخاوف من انعكاسات الطفرة الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي على النظام المالي.
وفي الوقت نفسه، بدأت الأسواق العالمية تتحول من التركيز على تداعيات الحرب إلى رهانات السلام عقب وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما أدى إلى تغير ملحوظ في توجهات المستثمرين.
وأظهر أحدث استطلاع أجراه "بنك أوف أميركا" لمديري الائتمان أن المخاوف من "فقاعة الذكاء الاصطناعي" عادت لتتصدر قائمة أكبر الهواجس الاستثمارية، بعدما تراجعت المخاوف المتعلقة بارتفاع أسعار الطاقة.
وفي ظل هذه التحولات، يعيد المستثمرون تقييم أبرز فئات الأصول، بدءاً من أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة المعروفة بـ"العظماء السبعة"، مروراً بعملة "بتكوين"، ووصولاً إلى الدولار والذهب والنفط، بحثاً عن الوجهة الأكثر أماناً وربحية في مرحلة تتسم بدرجة عالية من التقلب وعدم اليقين.
شركات التكنولوجيا الكبرى
أثارت الخطط التي أعلنتها هذا الأسبوع شركتا "سامسونغ" و"أس كيه هاينكس"، وهما من أكبر شركات التكنولوجيا في كوريا الجنوبية، لاستثمار أكثر من500 مليار دولار في إنشاء مجمع ضخم لصناعة الرقائق، مخاوف جديدة في شأن حجم الأموال التي تضخ في قطاع الذكاء الاصطناعي.
ودفع ذلك المستثمر الأميركي مايكل بوري، الذي اشتهر بتوقع أزمة الرهن العقاري الأميركية عام 2008، إلى تعزيز رهاناته على هبوط أسهم شركات الذكاء الاصطناعي.
وكتب بوري على منصته في "سابستاك"، "أرى أن هذه هي بداية النهاية"، في إشارة إلى اعتقاده أن طفرة الذكاء الاصطناعي قد تكون تقترب من نهايتها.
وأثارت موجة الإنفاق الضخمة التي تقودها شركات التكنولوجيا الكبرى على مشاريع الذكاء الاصطناعي، والممولة عبر إصدارات ضخمة من الأسهم والديون، تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت العوائد المستقبلية ستكون كافية لتبرير هذه الاستثمارات.
وحذر بنك التسويات الدولية في تقريره السنوي الصادر هذا الأسبوع، من أن أي تراجع مفاجئ في تدفقات التمويل إلى هذا القطاع قد يؤدي إلى "انحسار مفاجئ في التمويل"، بما قد ينعكس سلباً على الأوضاع المالية في الأسواق.
ومن بين الأصوات المشككة في موجة التفاؤل الحالية، الباحث الاستثماري في شركة "بانمور ليبروم" يواخيم كليمنت الذي يعرف في الأوساط المالية بأنه أحد أبرز المتخصصين في دراسة الفقاعات الاستثمارية، إذ يرى أن حال الحماس المحيطة بالذكاء الاصطناعي باتت "غير عقلانية".
ويرى كليمنت أن المستثمرين يبالغون في تسعير توقعات النمو والتفاؤل في شأن شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة، مثل "أوبن أي آي" و"أنثروبيك"، إضافة إلى شركات الحوسبة السحابية العملاقة (Hyperscalers) التي تتسابق على بناء البنية التحتية اللازمة لدعم تقنيات الذكاء الاصطناعي. ويقول في تقرير بحثي حديث إن "من منظور الاقتصاد الكلي، أصبحت طفرة الذكاء الاصطناعي أكبر بنحو 60 في المئة من فقاعة التكنولوجيا والإعلام والاتصالات (TMT) التي شهدها العالم مطلع الألفية، ومع ذلك فإن توقعات النمو المستقبلية اليوم تفوق أي مستويات شهدناها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية".
وأضاف أن شركات الحوسبة العملاقة ستكون مضطرة إما إلى خفض خططها الاستثمارية بصورة كبيرة، أو تحقيق إيرادات إضافية تصل إلى خمسة تريليونات دولار لتمويل هذا الإنفاق، في حين تبدو شركات مثل "أوبن أي آي" و"أنثروبيك"، بحسب رأيه، وكأنها "لا تمتلك نموذج أعمال قابلاً للاستمرار".
وتابع قائلاً "قد نكون متشائمين أكثر من اللازم في شأن آفاق نمو شركات الحوسبة العملاقة ومصنعي الرقائق، لكن طفرة بناء مراكز البيانات تبدو بالنسبة إلينا أشبه ببيت من ورق. ونعتقد أن فقاعة الذكاء الاصطناعي ستنفجر، لكن ليس هذا العام، لأن الأسواق لم تصل بعد إلى مستويات السلوك المضاربي المتطرف التي شهدناها في أواخر عام 1999".
من جانبه يرى رئيس استراتيجية الأسهم في شركة "كافنديش" روجر لي أن أقوى الأدلة التي يستند إليها من يعتقدون بوجود فقاعة في الذكاء الاصطناعي هو التركز الكبير لأسهم الشركات المرتبطة بهذه التقنية داخل مؤشر "أس أند بي 500"، إذ تشكل نحو 40 في المئة من وزنه، وهي نسبة تضاهي أعلى مستويات التركز التي شهدتها الأسواق خلال الفقاعات الاستثمارية السابقة، باستثناء فقاعة أسهم شركات السكك الحديد في ستينيات القرن الـ19.
لكن لي يرى في المقابل أن هناك عوامل تدعو إلى الحذر من إطلاق وصف "الفقاعة"، موضحاً أن السوق أصبح أكثر انتقائية في اختيار الرابحين. ويقول إن المستثمرين يفضلون الشركات التي تتلقى فعلياً الإنفاق الرأسمالي الضخم على الذكاء الاصطناعي، مثل شركات الرقائق والبنية التحتية، وليس الشركات التي تتحمل كلفة هذا الإنفاق.
ويشير إلى أن أسهم مجموعة "العظماء السبعة" لم تحقق منذ بداية العام سوى مكاسب تقارب 3 في المئة، في حين قفز مؤشر "فيلادلفيا" لأشباه الموصلات (SOX) بأكثر من 80 في المئة، مدفوعاً بصورة رئيسة بنمو أرباح الشركات، وليس فقط بارتفاع مضاعفات التقييم.
وعلى رغم أن مؤشر أشباه الموصلات سجل أفضل أداء فصلي له منذ إطلاقه مطلع تسعينيات القرن الماضي، فإن يونيو (حزيران) كان الأسوأ لمجموعة "العظماء السبعة "منذ تشكيلها قبل ثلاثة أعوام، في مؤشر إلى تراجع الزخم الذي قاد أسهم التكنولوجيا العملاقة خلال الأعوام الأخيرة.
ولفت الارتفاع القوي في أسهم شركة التكنولوجيا الإيطالية "بندينغ سبونز" عقب إدراجها في بورصة "ناسداك" هذا الأسبوع، الأنظار مجدداً إلى مستويات التقييم المرتفعة لأسهم شركات التكنولوجيا.
"شتاء العملات المشفرة"
أيضاً قد تكون موجة حر جديدة تلوح في الأفق، لكن مستثمري "بيتكوين" يعيشون ما يصفه المتعاملون بـ"شتاء العملات المشفرة"، إذ هبطت أكبر وأشهر عملة رقمية في العالم بصورة حادة منذ أن سجلت مستوى قياسياً تجاوز 126 ألف دولار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، لتتراجع إلى نحو 61521 دولاراً، بعدما لامست هذا الأسبوع أدنى مستوياتها في 21 شهراً.
وخلال يونيو الماضي وحده، فقدت "بيتكوين" نحو 20 في المئة من قيمتها، في أسوأ أداء شهري لها منذ يونيو 2022، وهي الفترة التي كانت فيها السوق تعيش آخر موجة هبوط حادة.
ويرجع هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل، أبرزها تزايد التوقعات بأن "الاحتياط الفيدرالي" الأميركي قد يرفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، وهو ما يدفع المستثمرين إلى التخارج من الأصول التي لا توفر عائداً، مثل "بيتكوين"، والتوجه نحو أدوات استثمارية تحقق عوائد ثابتة.
وأثار قرار شركة "استراتيجي"، إحدى أكبر الشركات المالكة لـ"بيتكوين"، البدء في بيع جزء من حيازاتها، قلق المستثمرين، إذ يمثل تحولاً جذرياً في استراتيجية الشركة. وكان رئيسها التنفيذي مايكل سايلور أكد قبل أربعة أعوام أن الشركة "لن تبيع بيتكوين أبداً"، ما جعل هذه الخطوة مفاجئة للأسواق.
وترى المحللة في "دويتشه بنك" ماريون لابور أن أكبر التحديات التي تواجه "بيتكوين" حالياً تتمثل في انتقال المستثمرين من الأصول الرقمية إلى أسهم الذكاء الاصطناعي، التي باتت تستقطب الجزء الأكبر من السيولة والمضاربات. وتوضح أن المستثمرين في العملات المشفرة غالباً ما يكونون من الشباب الأميركيين ذوي الدخل المرتفع والميل إلى تحمل الأخطار، وهي الفئة نفسها التي أصبحت تنجذب اليوم إلى أسهم الذكاء الاصطناعي.
وتضيف لابور لصحيفة "التايمز" أن "بيتكوين" كانت "على الأرجح مبالغاً في تقييمها "عندما بلغت ذروتها العام الماضي، إذ استندت موجة الصعود آنذاك إلى المضاربات البحتة والتفاؤل المفرط بمستقبل صناعة العملات المشفرة. وتخلص إلى أن "بيتكوين" ،"لا تستند إلى أي أصل حقيقي يدعم قيمتها"، وأن صعودها خلال الأعوام الأخيرة اعتمد بدرجة كبيرة على ما تصفه بـ"تأثير تينكربيل"، أي الاعتقاد بأن قيمة الأصل تستمر في الارتفاع طالما ظل المستثمرون يؤمنون بذلك.
الذهب يفقد بريقه بعد موجة صعود تاريخية
بعد موجة صعود قوية استمرت لأشهر، بدأ الذهب يفقد جزءاً من بريقه خلال الفترة الأخيرة، ليلتحق بقائمة الأصول التي تعرضت لضغوط في الأسواق.
وكان المعدن النفيس سجل في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلى مستوى في تاريخه، مقترباً من 5595 دولاراً للأونصة، بعد ارتفاع بلغت نسبته 65 في المئة خلال العام الماضي، مسجلاً بذلك أفضل أداء سنوي له منذ القفزة التاريخية التي شهدها عام 1979.
إلا أن الذهب يتداول حالياً قرب 4126 دولاراً للأونصة، بعدما سجل أسوأ تراجع فصلي له منذ13 عاماً، إذ انخفض بنحو 14 في المئة خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في يونيو الماضي.
ويعزو محللون هذا التراجع إلى عوامل عدة، أبرزها قوة الدولار الأميركي، إلى جانب تنامي رهانات المستثمرين على احتمال رفع "الاحتياط الفيدرالي" الأميركي برفع أسعار الفائدة، فالذهب لا يدر عائداً، ولذلك يصبح أقل جاذبية عندما ترتفع الفائدة، إذ يفضل المستثمرون حينها تحويل أموالهم إلى أصول تحقق دخلاً ثابتاً.
وأسهم تغير سلوك البنوك المركزية في الضغط على أسعار الذهب، وقال كبير استراتيجيي الأسهم العالمية في أوروبا لدى "غولدمان ساكس" بيتر أوبنهايمر للصحيفة إن جانباً كبيراً من الطلب على الذهب خلال العام الماضي جاء من البنوك المركزية، لا سيما في منطقة الخليج ومناطق أخرى، التي سعت إلى تنويع احتياطاتها بعيداً من الدولار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف أن وتيرة الشراء تراجعت خلال فترة الحرب، إذ فضلت البنوك المركزية الحفاظ على قدر أكبر من المرونة في ظل حال عدم اليقين التي خيمت على الأسواق.
النفط... تراجع المخاوف يضغط على الأسعار
في مقابل عودة المخاوف من فقاعة الذكاء الاصطناعي إلى صدارة اهتمامات المستثمرين، أظهر أحدث استطلاع لـ"بنك أوف أميركا" تراجع القلق في شأن ارتفاع أسعار الطاقة، بعدما هدأت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وكان الصراع مع إيران المحرك الرئيس للأسواق العالمية خلال الربع الثاني من العام، إذ ركز المستثمرون على تأثير تقلبات أسعار النفط في النمو الاقتصادي والتضخم العالمي.
وساعد اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران على تراجع خام برنت بأكثر من 38 في المئة خلال الربع الثاني من العام. وأشار محللو "دويتشه بنك" إلى أن الربع الأول من العام شهد أكبر ارتفاع فصلي لأسعار "برنت" منذ اندلاع حرب الخليج عام 1990، في حين سجل الربع الثاني من العام أكبر انخفاض فصلي منذ بداية جائحة كورونا في الربع الأول من عام 2020.
ومع تراجع المخاوف من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات تجارة النفط في العالم، بفعل تنامي الثقة في تقدم المحادثات بين واشنطن وطهران، انخفضت أسعار النفط الخميس الماضي بأكثر من واحد في المئة لتصل إلى 70.54 دولار للبرميل، وهو أدنى مستوى لها منذ ما قبل الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي.
وقال محللو "أتش أس بي سي" إن عودة السفن التي كانت عالقة في الخليج إلى مساراتها الطبيعية أدت إلى زيادة موقتة في المعروض النفطي، مشيرين إلى أن صادرات دول الخليج ارتفعت من أقل من مليوني برميل يومياً في مايو (أيار) إلى أكثر من تسعة ملايين برميل يومياً في المتوسط خلال الأيام الأخيرة.
الدولار... عودة قوية بعد عام صعب
وفي وقت شهدت فيه بعض الأسواق موجات بيع حادة هذا العام، برز الدولار الأميركي كأحد الأصول التي استعادت جزءاً من قوتها بعد فترة من الضعف.
مر الدولار بعام صعب، إذ أثارت الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاوف المستثمرين وأضعفت الطلب على الأصول الأميركية، وأسهمت توقعات خفض أسعار الفائدة من جانب "الاحتياط الفيدرالي" الأميركي في زيادة الضغوط على العملة الأميركية.
وأدى ذلك إلى تراجع مؤشر الدولار (DXY)، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من العملات الرئيسة، بأكثر من 9 في المئة خلال العام الماضي، مسجلاً أكبر انخفاض سنوي له منذ عام 2017.
لكن الصورة تغيرت خلال العام الحالي، إذ ارتفع المؤشر بنحو 2.5 في المئة مع تحسن معنويات المستثمرين تجاه الدولار.
ويعزى جزء مهم من هذا التحول إلى تولي كيفن وورش رئاسة مجلس الاحتياط الفيدرالي الأميركي. وكان المستثمرون يتوقعون أن يتبنى وورش نهجاً أكثر ميلاً إلى خفض الفائدة، خصوصاً بعد الانتقادات المتكررة التي وجهها ترمب إلى سلفه جيروم باول بسبب إبقائه أسعار الفائدة مرتفعة.
غير أن تصريحات وورش عقب أول اجتماع له على رأس البنك المركزي الشهر الماضي جاءت أكثر تشدداً تجاه مكافحة التضخم مما كانت تتوقعه الأسواق، وهو ما عزز الدولار ودفع المستثمرين إلى زيادة رهاناتهم على احتمال رفع أسعار الفائدة مستقبلاً.