Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كراهية الأجانب تهدد إرث بريتوريا السياسي منذ 1994

اتساع الفجوة بين الخطاب والممارسات الداخلية قد يضعف صدقيتها الأخلاقية ويحد من قدرتها على توظيف القوة الناعمة بوصفها أحد أهم مصادر نفوذها الخارجي

لم تعد أزمة كراهية الأجانب في جنوب أفريقيا شأناً أمنياً أو اجتماعياً وحسب بل تحولت إلى قضية تمس النفوذ الإقليمي والعلاقات الدبلوماسية (أ ف ب)

ملخص

مع انتهاء المهلة غير الرسمية التي حددتها جماعات مناهضة للهجرة أمس الثلاثاء لمغادرة المهاجرين غير النظاميين، دخلت البلاد مرحلة جديدة من التوتر، وسط مخاوف متزايدة من اندلاع أعمال عنف ذات طابع معاد للأجانب.

نادراً ما تنشأ موجات كراهية الأجانب بوصفها استجابة مباشرة للهجرة نفسها، بل تتبلور عادة عندما تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع التنافس السياسي وضعف مؤسسات الدولة. ففي مثل هذه اللحظات، يصبح المهاجر هدفاً مثالياً لخطابات الشعبوية، تنسب إليه البطالة وارتفاع معدلات الجريمة والضغط على الخدمات العامة وتراجع فرص العمل، على رغم أن الأدلة الإحصائية كثيراً ما ترسم صورة أكثر تعقيداً. ويكشف التاريخ أن المجتمعات التي تواجه أزمات حكم أو تراجعاً في الثقة بالمؤسسات تميل إلى البحث عن "كبش فداء" خارجي أكثر من بحثها عن معالجة الاختلالات البنيوية التي أنتجت الأزمة.

وتبدو جنوب أفريقيا اليوم مثالاً صارخاً لهذه المعادلة، فمع انتهاء المهلة غير الرسمية التي حددتها جماعات مناهضة للهجرة أمس الثلاثاء لمغادرة المهاجرين غير النظاميين، دخلت البلاد مرحلة جديدة من التوتر، وسط مخاوف متزايدة من اندلاع أعمال عنف ذات طابع معاد للأجانب، بعدما شهدت الأشهر الماضية احتجاجات في عدد من المدن تحولت في بعض الحالات إلى مواجهات دامية أودت بحياة أربعة أشخاص، فيما تحدث مهاجرون عن تلقيهم تهديدات مباشرة دفعت كثراً إلى مغادرة مناطق إقامتهم خوفاً على حياتهم. وعلى رغم تأكيد الشرطة أنها لن تتسامح مع الاعتداءات أو تخريب الممتلكات، فإن المؤشرات الميدانية توحي بأن الأزمة تتجاوز البعد الأمني إلى أزمة سياسية واجتماعية أعمق.

وتطرح الهجمات الأخيرة على المتاجر المملوكة لأجانب جدلاً حول ما تمثله هذه الاعتداءات من كونها انفلاتاً إجرامياً معزولاً، أم أنها تعكس تصاعداً ممنهجاً في خطاب كراهية الأجانب. غير أن هناك ميلاً عاماً إلى التفسير الثاني الذي يربط بين تنامي نفوذ جماعات مثل "أوبريشن دودولا" و"مارش آند مارش" وبين صعود الخطابات الشعبوية التي تتبناها قوى سياسية، من بينها حزب "أكشن إس إيه"، إضافة إلى وجود تقاطعات مع حزب "إم كيه" بقيادة الرئيس السابق جاكوب زوما. ومع اقتراب الانتخابات المحلية المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) من هذا العام، يزداد توظيف ملف الهجرة في المنافسة السياسية، ليصبح المهاجرون، مرة أخرى، ضحايا أزمات البطالة والتفاوت الاجتماعي وتراجع الخدمات العامة.

مقاطعة شعبية

قبيل انتهاء المهلة المحددة، عقد الرئيس سيريل رامافوزا لقاءات مع قادة الاحتجاجات داعياً إلى الالتزام بالسلمية، ومؤكداً أن حق التظاهر لا يبرر الترهيب أو التخريب أو الاعتداء على الآخرين. كذلك شدد على أن ملايين الأجانب المقيمين بصورة قانونية يعملون ويدرسون ويستثمرون في الاقتصاد الجنوب أفريقي، ويتمتعون بالحماية التي يكفلها الدستور، مع إقراره في الوقت ذاته بضرورة إصلاح سياسات الهجرة وتعزيز إنفاذ القانون.

وعلى رغم هذه الرسائل، استمرت التوترات على الأرض، فأغلقت متاجر عدة أبوابها واعتقل أشخاص بتهم نهب متاجر يملكها أجانب، فيما عززت الشرطة انتشارها لمنع حمل الأسلحة التقليدية، باستثناء بعض العصي والدروع التي حملها متظاهرون من قومية "الزولو".

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى وجود أكثر من 3 ملايين أجنبي مسجلين في جنوب أفريقيا، بينما تؤكد الحكومة أن الشرطة أوقفت نحو 50 ألف مهاجر منذ يناير (كانون الثاني) بتهمة الإقامة غير القانونية، في حين جرى ترحيل نحو 25 ألف شخص، وإعادة أكثر من 12 ألف مهاجر إلى بلدانهم منذ بداية موجة الاحتجاجات، معظمهم من دول أفريقية. كذلك غادر نحو 3500 شخص طوعاً عبر عمليات إجلاء نسقتها حكومات غانا ومالاوي وموزمبيق ونيجيريا وزيمبابوي، بينما ظلت مخيمات العبور، لا سيما في ديربان، تستقبل آلاف المهاجرين الذين انتظروا استكمال إجراءات عودتهم خوفاً من أعمال العنف.

وفي خضم هذه التطورات، أقرت وزيرة العدل والتنمية الدستورية، مامولوكو كوبايي، بأن تصاعد الاتهامات الموجهة لجنوب أفريقيا في شأن كراهية الأجانب بدأ ينعكس سلباً على علاقاتها مع دول القارة. وأوضحت أن عدداً من الفنانين الجنوب أفريقيين فقدوا حفلاتهم وارتباطاتهم الفنية في بلدان أفريقية مختلفة، في مؤشر إلى اتساع المقاطعة الشعبية غير الرسمية، مؤكدة في الوقت ذاته أن حملات التفتيش والهجرة تستند إلى تطبيق القانون ولا تستهدف الأجانب على أساس الجنسية.

وامتدت تداعيات الأزمة إلى المجال الرياضي، إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة لجنوب أفريقيا. فبعد خسارة منتخب "بافانا بافانا" أمام المكسيك بهدفين من دون مقابل في مباراته الافتتاحية ببطولة كأس العالم 2026، أعرب قائد المنتخب، رونوين ويليامز، عن خيبة أمله بعدما لاحظ أن جماهير من دول أفريقية عدة فضلت تشجيع المنتخب المكسيكي بدلاً من مساندة ممثل القارة، وعدّ ذلك انعكاساً لحالة الفتور المتنامية في المزاج الشعبي الأفريقي تجاه جنوب أفريقيا. وبذلك، لم تعد أزمة كراهية الأجانب شأناً أمنياً أو اجتماعياً وحسب، بل تحولت إلى قضية تمس النفوذ الإقليمي والقوة الناعمة والعلاقات الدبلوماسية وصورة الدولة داخل محيطها الأفريقي.

مسار التوترات

تعد موجة العداء الحالية للمهاجرين في جنوب أفريقيا امتداداً لمسار طويل من التوترات الاجتماعية والسياسية التي رافقت مرحلة ما بعد انتهاء نظام الفصل العنصري. فمنذ مطلع الألفية، تحولت البلاد، بوصفها أكبر اقتصاد صناعي في أفريقيا، إلى وجهة رئيسة للمهاجرين واللاجئين القادمين من زيمبابوي وموزمبيق ومالاوي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا والصومال ونيجيريا، بحثاً عن فرص العمل والاستقرار. وفي مدن مثل جوهانسبرغ وديربان وكيب تاون، أصبح المهاجرون جزءاً من الاقتصاد الحضري، سواء في التجارة الصغيرة أو النقل أو الخدمات، غير أن هذا الحضور تزامن مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر، مما جعلهم هدفاً متكرراً لخطابات الإقصاء والشعبوية.

وكانت أحداث مايو (أيار) 2008 نقطة التحول الأخطر، عندما اجتاحت أعمال عنف واسعة أحياء فقيرة في جوهانسبرغ ومناطق أخرى، وأسفرت عن مقتل أكثر من 60 شخصاً وإصابة مئات وتشريد عشرات الآلاف من المهاجرين. وتكررت المشاهد ذاتها في أعوام 2015 و2019، ثم عادت بوتيرة أكثر تنظيماً منذ عام 2022 مع صعود الجماعات المناهضة للهجرة، التي لم تكتف بتنظيم الاحتجاجات، بل فرضت حصاراً على مرافق صحية عامة، ومنعت مهاجرين من تلقي العلاج في ما لا يقل عن 53 عيادة.

وتشير بيانات منصة "زينوواتش" التابعة للمركز الأفريقي للهجرة والمجتمع إلى توثيق 406 حوادث عنف وتمييز ضد الأجانب بين عامي 2022 و2025، أسفرت عن مقتل 75 شخصاً، فيما سجل عام 2025 وحده 151 حادثة، قبل أن توثق 22 حادثة إضافية خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، بينها 14 هجوماً عنيفاً أعقب احتجاجات مناهضة للمهاجرين، وأسفر أحدثها عن مقتل أربعة أشخاص وتشريد مئات.

وتذهب دراسات لورين لانداو، المدير المشارك لـ"مختبر حوكمة التنقل"، إلى أن "كراهية الأجانب في جنوب أفريقيا لم تعد مجرد رد فعل اجتماعي على الضغوط الاقتصادية، بل تحولت إلى مشروع سياسي تستفيد منه جماعات محلية وشبكات نفوذ، في ظل تقاعس الدولة عن محاسبة المسؤولين عن أعمال العنف، وأحياناً منحهم شرعية غير مباشرة عبر الحوار الرسمي أو التساهل مع ممارساتهم". ذلك كشفت أبحاثهما أن بعض جمعيات "التنمية المجتمعية" في الأحياء الفقيرة تدير شبكات ابتزاز تتحكم في حق الإقامة والعمل وممارسة التجارة، بالتنسيق مع عناصر محلية في أجهزة إنفاذ القانون، بما يقوض سيادة الدولة نفسها.

مفارقة عميقة

تثير أزمة كراهية الأجانب في جنوب أفريقيا مفارقة سياسية وأخلاقية عميقة، لا سيما أنها أقامت منذ أكثر من ثلاثة عقود دستوراً يعد من أكثر الدساتير تقدماً في حماية الحقوق والحريات، ووقعت على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع صور التمييز العنصري، والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب. ولا تعني هذه المفارقة أن الدولة الديمقراطية أعادت إنتاج نظام الفصل العنصري بصورته التاريخية، وإنما أن بعض ممارسات الإقصاء القائمة على الأصل أو الجنسية باتت، في نظر منتقديها، تستدعي مقارنات مقلقة مع أنماط التمييز التي طالما ناهضتها.

وتثير هذه الأزمة جدلاً يعكس رؤيتين متعارضتين. يستند الرأي الأول، الذي تتبناه اللجنة الدولية للحقوقيين، إلى أن ممارسات جماعات مثل "أوبريشن دودولا" و"مارش آند مارش"، تمثل تجاوزاً لاختصاصات الدولة، وتقوض التزامات جنوب أفريقيا بدستورها والاتفاقات الدولية المناهضة للتمييز. وعلى رغم ترحيب اللجنة بتأكيد الرئيس رامافوزا أن إنفاذ قوانين الهجرة مسؤولية الحكومة وحدها، فإنها حذرت من أن تصاعد سياسات الترحيل قد يفهم بوصفه استجابة لضغوط تلك الجماعات. كذلك عزز حكم المحكمة العليا في غاوتينغ هذا التوجه بإدانة "أوبريشن دودولا" ومنعها من ممارسة أي صلاحيات تنفيذية، تأكيداً على أن حماية الكرامة والمساواة يجب ألا ترتبط بالجنسية أو الوضع القانوني، وهو ما شددت عليه كاجال رامجاثان-كيو، مديرة برنامج أفريقيا في اللجنة الدولية للحقوقيين.

في المقابل، يقدم باحثون ومتخصصون في الهجرة، من بينهم سيسيلمبيلو شانج بوثان وتوم مولتري، خلال ندوة نظمها معهد الدراسات الأمنية، قراءة مختلفة تنطلق من الفصل بين الخطاب السياسي والوقائع الاقتصادية. ويؤكد هؤلاء أن المزاعم في شأن استيلاء الأجانب على الوظائف أو هيمنتهم على الاقتصاد لا تدعمها الأدلة، إذ لا يمثل الأجانب سوى نحو أربعة في المئة من السكان في سن العمل، بينما تظهر بيانات اتحاد أبحاث الهجرة من أجل العمل وأبحاث مرصد منطقة مدينة غاوتينغ، أن المهاجرين يسهمون في خلق فرص العمل ويشغلون غالباً وظائف يعزف عنها السكان المحليون. كذلك خلصت دراسة مشتركة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة العمل الدولية إلى أن المهاجرين أسهموا بنحو تسعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وأكد البنك الدولي أن العمالة المهاجرة تكمل العمالة المحلية ولا تزاحمها. ويعزز هذا الرأي ما توصل إليه "مختبر النمو" في جامعة هارفارد من أن جذور الأزمة ترتبط بضعف الإدارة العامة وتراجع قدرة الدولة واستمرار الإقصاء المكاني، فيما أكد الباحثان أن غياب البيانات الدقيقة عن المهاجرين أسهم في انتشار الإشاعات والخطابات الشعبوية أكثر مما تعكسه الوقائع.

تأثيرات محتملة

إذا استمرت موجة الاتهامات المرتبطة بكراهية الأجانب في التصاعد، فإن تداعياتها لن تقتصر على الملف الأمني أو الاجتماعي، بل ستمتد إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها جنوب أفريقيا داخلياً وإقليمياً ودولياً. فعلى المستوى الداخلي، ينذر استمرار العنف وخطابات التحريض بتآكل الثقة في قدرة الدولة على احتكار استخدام القوة وإنفاذ القانون، خصوصاً إذا استمرت الجماعات المعنية في فرض وقائع ميدانية تتجاوز صلاحيات المؤسسات الرسمية. كذلك فإن تحويل المهاجرين إلى محور للاستقطاب السياسي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية قد يرسخ الشعبوية بوصفها أداة لحشد الأصوات، ويؤجل معالجة الأسباب البنيوية للأزمة.

أما إقليمياً، فإن الأخطار تبدو أكثر عمقاً من مجرد توتر دبلوماسي عابر. فمنذ نهاية نظام الفصل العنصري، استثمرت بريتوريا قدراً كبيراً من رصيدها السياسي في تقديم نفسها بوصفها الدولة القائدة في أفريقيا والوسيط الأكثر قبولاً في تسوية النزاعات والمحرك الرئيس لبرامج التكامل الاقتصادي والتنمية داخل القارة. غير أن استمرار استهداف مواطني الدول الأفريقية يقوض هذا الرصيد المعنوي، ويضعف الثقة في قدرتها على قيادة أجندة أفريقية جامعة. ومع تنامي حملات المقاطعة الشعبية وعمليات إجلاء رعايا بعض الدول وتراجع التعاطف الشعبي معها، قد تجد جنوب أفريقيا نفسها أمام تآكل تدرجي في نفوذها داخل مؤسسات مثل الاتحاد الأفريقي ومجموعة تنمية الجنوب الأفريقي، وحتى في المبادرات الاقتصادية العابرة للحدود التي تعتمد على الثقة السياسية بقدر اعتمادها على المصالح الاقتصادية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتجاوز الأثر حدود القارة ليطاول صورة جنوب أفريقيا داخل ما يُعرف بـ"الجنوب العالمي". فقد بنت بريتوريا، خلال العقدين الماضيين، مكانتها الدولية على خطاب يرتكز إلى العدالة الدولية ورفض التمييز والدفاع عن حقوق الشعوب، وهو ما منحها ثقلاً سياسياً داخل تجمع "بريكس" ومجموعة الـ20 ومنصات الجنوب العالمي، وعزز قدرتها على لعب أدوار دبلوماسية في ملفات الوساطة وإصلاح النظام الدولي. غير أن اتساع الفجوة بين هذا الخطاب والممارسات الداخلية قد يضعف صدقيتها الأخلاقية، ويحد من قدرتها على توظيف القوة الناعمة بوصفها أحد أهم مصادر نفوذها الخارجي.

وتنعكس هذه التطورات أيضاً على الاقتصاد، فجنوب أفريقيا لا تتنافس على جذب رؤوس الأموال بمواردها الطبيعية وحسب، بل باستقرارها المؤسسي وموقعها كبوابة للأسواق الأفريقية. وإذا ترسخ الانطباع بأن التوترات المجتمعية أصبحت سمة مستدامة، فقد تتزايد كلفة الاستثمار، وتتأثر قطاعات السياحة والخدمات والترفيه والصناعات الإبداعية، كذلك قد تعيد شركات إقليمية ودولية تقييم تمركزها في السوق الجنوب أفريقية. وفي المدى الأبعد، تكمن الخطورة الحقيقية في أن تخسر بريتوريا أهم ما راكمته منذ عام 1994، من نموذج للمصالحة، إلى رصيد سياسي، فإذا تآكل هذا الرصيد، فإن استعادته ستكون أكثر صعوبة من احتواء أي أزمة أمنية أو دبلوماسية عابرة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير