ملخص
بحسب المصادر، فإن الشيباني سيطرح مبادرة سورية لمساعدة الدولة اللبنانية في الوصول إلى حصر السلاح بيد الدولة عبر مسار سياسي توافقي، وسيكتسب لقاء الشيباني مع رئيس مجلس النواب نبيه بري أهمية خاصة، إذ سيتركز على سبل تخفيف الاحتقان الداخلي وبحث إمكان إسهام سوريا، بالتنسيق مع شركاء عرب وإقليميين، في احتواء أية توترات قد ترافق المرحلة المقبلة.
يجري وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني غداً الخميس زيارة رسمية إلى لبنان، تتضمن لقاء الرؤساء الثلاثة، رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، وفق ما أوردت وسائل إعلام سورية.
وتشمل الزيارة لقاء نائب رئيس الحكومة طارق متري ومفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبداللطيف دريان والبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ورئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" السابق وليد جنبلاط، ورئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، وبهية الحريري نائبة رئيس "تيار المستقبل"، وفق ما نقله موقع "تلفزيون سوريا" عن مصادر دبلوماسية.
وبحسب المصادر، فإن الشيباني سيطرح مبادرة سورية لمساعدة الدولة اللبنانية في الوصول إلى حصر السلاح بيد الدولة عبر مسار سياسي توافقي، وسيكتسب لقاء الشيباني مع بري أهمية خاصة، إذ سيتركز على سبل تخفيف الاحتقان الداخلي وبحث إمكان إسهام سوريا، بالتنسيق مع شركاء عرب وإقليميين، في احتواء أية توترات قد ترافق المرحلة المقبلة. وتؤكد المصادر أن الرؤية السورية التي سيعرضها الشيباني ترتكز على التطبيق الكامل لـ"اتفاق الطائف" بجميع مندرجاته، كونه الإطار الدستوري والسياسي الوحيد القادر على إعادة إنتاج الاستقرار اللبناني، وأشارت إلى أن الشيباني سيزور مدينة طرابلس ويصلي في جامع السلام الذي سبق أن تعرض للتفجير.
لبنان وسوريا... المسار المرن
الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان، قال في تصريح إلى "اندبندنت عربية" إن "زيارة وزير الخارجية السورية إلى لبنان تحمل رسالة مهمة مفادها بأن العلاقات الأمنية والعسكرية بين البلدين تسير في مسار إيجابي ومرن نسبياً. فقد أثمرت النقاشات التي جرت على مستوى اللجان الفنية والأمنية، وانتقلت المحادثات إلى المستوى السياسي والاقتصادي، وهو تطور بالغ الأهمية بالنسبة إلى سوريا ولبنان والمنطقة ككل. وتكمن أهمية هذه المرحلة في أن الشراكة الأمنية والتعاون في مكافحة الإرهاب والتنسيق لمواجهة التحديات والتهديدات الأمنية المشتركة بين سوريا ولبنان والعراق، تشكل أساساً يمكن البناء عليه لإعادة تعريف العلاقات السياسية بين البلدين، وفتح المجال أمام فرص تعاون اقتصادي واسعة ومثمرة".
من دمشق إلى بيروت... أزمات مشتركة
واستدرك علوان أن "ذلك لا يعني أن المحادثات الأمنية انتهت أو أنها نجحت في حل جميع الملفات العالقة، إلا أن المؤشرات تدل على أنها تسير في اتجاه إيجابي وجاد، بما يجعل العلاقة بين البلدين مؤهلة للتطور سريعاً نحو شراكة سياسية واقتصادية، خصوصاً أن الحكومتين السورية واللبنانية تعملان في ظل مرحلة انتقال سياسي تشهدها المنطقة، ولا سيما في سوريا ولبنان، وتستطيع سوريا الإسهام في معالجة عدد من الملفات اللبنانية، ولا سيما في مجال التكامل والتبادل الاقتصادي، إذ توجد فرص كبيرة لتحقيق مصالح مشتركة يستفيد منها البلدان، خصوصاً أنهما لا يزالان يواجهان آثار الأزمات الاقتصادية والمعيشية التي خلفتها أعوام الاضطرابات في المنطقة. ومن هذا المنطلق، فإن البلدين شريكان في مواجهة التحديات الأمنية، وشريكان في إيجاد حلول اقتصادية تكاملية بدلاً من الدخول في علاقات تنافسية".
لا عسكرة سورية في لبنان
أضاف الباحث السوري "أما الحديث عن تدخل عسكري سوري في لبنان، فلا أعتقد بأنه مطروح في الوقت الراهن، وأرى أن الرسائل المتكررة الصادرة عن الإدارة الأميركية تمثل في جانب منها ضغوطاً موجهة إلى مختلف الأطراف، ولا سيما حكومة بنيامين نتنياهو وقيادة ’حزب الله‘، بهدف دفعهما إلى التزام الاتفاق الإطاري، وكذلك ممارسة الضغط على الحكومة اللبنانية لتكون أكثر جدية في التعامل مع ما تراه الأزمة الأكثر تعقيداً في لبنان، والمتمثلة في ملف ’حزب الله‘".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تدخل سوري محدود
وأكد علوان أنه "في المستقبل قد تقتضي بعض الظروف تنفيذ تدخل سوري محدود، إذا جاء بطلب وتنسيق مع الحكومة اللبنانية، واكتسب الشرعية القانونية والسياسية، على أن يقتصر على مناطق حدودية قريبة من الأراضي السورية، ولمدة زمنية معينة، بهدف تنفيذ مهمات أمنية واضحة ومحددة بالتنسيق مع السلطات اللبنانية، أما أي تدخل عسكري واسع النطاق، أو تدخل في المرحلة الحالية، فأراه احتمالاً مستبعداً".
لماذا تطرق دمشق أبواب بيروت؟
الأكاديمي اللبناني نضال السبع قال إن "الجانب السوري مهتم في هذه المرحلة بإجراء محادثات مع المسؤولين اللبنانيين، والاطلاع على خلفيات الاتفاقات الجارية، ولا سيما أن سوريا ولبنان يتشاركان ملفات حدودية وأمنية، إضافة إلى قضية الاحتلال الإسرائيلي، إذ لا تزال هناك أراضٍ سورية محتلة. ومن أبرز الملفات المتوقع بحثها تعزيز التنسيق الأمني بين البلدين واستكمال ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية، كذلك سيحضر ملف النازحين السوريين في لبنان الذي لا يزال قائماً حتى اليوم. لكن يبقى السؤال حول مدى قدرة سوريا على الإسهام في معالجة الملفات اللبنانية، وبرأيي من المبكر إصدار أحكام، وعلينا انتظار نتائج الزيارة، وكان الرئيس أحمد الشرع أكد في وقت سابق أن سوريا مستعدة للقيام بدور إيجابي، وربما تسعى إلى أداء دور الوسيط إذا توافرت الظروف المناسبة".
أضاف أنه "في الجانب الأمني يواصل الجيش السوري جهوده لمكافحة تهريب الأسلحة من سوريا إلى لبنان، مع وجود توجه سوري واضح لتعزيز ضبط الحدود. أما في ما يتعلق بالحديث عن احتمال تدخل عسكري سوري في لبنان، فبحسب أحاديث كبار المسؤولين السوريين، هناك تأكيد بصورة قاطعة على عدم وجود أية نية لدى دمشق للتدخل العسكري، كذلك ينبغي عدم إغفال أن إسرائيل استهدفت بعد سقوط النظام السوري معظم القدرات والمعدات العسكرية السورية، مما يجعل سوريا اليوم غير قادرة على خوض مواجهة عسكرية جديدة، ومن ثم فإن أي تدخل عسكري في لبنان من شأنه أن يزيد من تعقيد المشهد. أيضاً هناك اعتبارات أخرى تجعل هذا السيناريو مستبعداً، من بينها المواجهات السابقة بين ’حزب الله‘ وفصائل المعارضة السورية في إدلب، ناهيك عن التباينات الفكرية والدينية بين الطرفين، لذلك لا أعتقد بأن سوريا تتجه نحو أية مواجهة عسكرية مع ’حزب الله‘ داخل لبنان".
وأوضح السبع أن "من المؤكد أن دمشق معنية بالاستماع إلى وجهة النظر اللبنانية والتعرف إلى تفاصيل الاتفاق مع إسرائيل والوقوف على مسار المفاوضات والنتائج التي وصلت إليها، ويأتي ذلك في وقت أبدت سوريا استعدادها للدخول في مسار تفاوضي يفضي إلى حل هذه القضية وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها، إلا أن الموقف الإسرائيلي لا يوحي حتى الآن بوجود رغبة حقيقية في ذلك".
تشجيع عربي
وأردف السبع أن "زيارة الشيباني إلى لبنان تأتي أيضاً في ظل تشجيع سعودي متواصل لتعزيز التنسيق بين دمشق وبيروت، ويُذكر أن وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان كان جمع مسؤولين من البلدين في الرياض، وشجع على تطوير التعاون والتنسيق الأمني بينهما. كذلك تشهد العلاقات الأمنية بين البلدين تعاوناً مستمراً، إذ هناك زيارات دورية بين ضباط من الأمن العام اللبناني ومديرية الاستخبارات السورية، مما يعكس وجود تنسيق أمني قائم بين الجانبين. وفي المحصلة هناك مصلحة مشتركة لسوريا ولبنان في تعزيز التعاون الأمني، ولا سيما أن الجهود المشتركة لمكافحة التهريب أسهمت في الحد من تهريب المخدرات".
لبنان... بين السيادة والجوار السوري
الصحافي السوري أسامة الأحمد قال إن "زيارة الشيباني إلى بيروت لا تنبغي قراءتها باعتبارها محاولة سورية لحل الأزمة اللبنانية، لأن هذه الأزمة أكثر تعقيداً من أن تتمكن دولة واحدة من معالجتها، وإنما بوصفها إعلاناً عن تحول جذري في طريقة تعاطي دمشق مع لبنان مقارنة بما كان سائداً لعقود، إذ إن أهمية المبادرة السورية، خصوصاً كونها مستندة إلى اتفاق الطائف، تكمن في الرسالة السياسية التي تحملها، وهي أن دمشق الجديدة تعترف بأن معالجة الشأن اللبناني يجب أن تحصل من خلال المؤسسات اللبنانية والمرجعيات الدستورية، لا عبر النفوذ الأمني أو صناعة التوازنات الداخلية كما كان يحدث في السابق".
ماذا تريد دمشق... شراكة أم وصاية؟
أضاف الأحمد أن "سوريا الجديدة لا تسعى إلى القيام بدور الوصي ولا حتى بدور الوسيط بالمعنى التقليدي، بل تحاول تثبيت نفسها شريكاً إقليمياً يحترم سيادة لبنان، ويقدم دعماً سياسياً لأي مسار يتوافق عليه اللبنانيون أنفسهم. لذلك فإن الحديث عن مبادرة سورية لا يعني أن دمشق ستفرض حلولاً، بل إنها قد توفر غطاء سياسياً عربياً لأي تفاهم لبناني داخلي. وما يميز هذه الزيارة أيضاً أنها تأتي بعد أشهر من الضغوط الأميركية والإسرائيلية المتعلقة بملف ’حزب الله‘، فالرئيس الأميركي دونالد ترمب سبق أن طلب من الرئيس أحمد الشرع التدخل عسكرياً ضد الحزب، إلا أن دمشق رفضت هذا الخيار بصورة واضحة، مما يعني أن سوريا تحاول رسم خط فاصل بين التعاون الأمني مع لبنان وبين الدخول في أية مواجهة عسكرية داخل أراضيه".
مخاوف لبنان التاريخية
وأشار الأحمد إلى أن "هذا الموقف يعبر عن قناعة سياسية بأن أي تدخل عسكري، حتى لو جاء بضغوط خارجية، سيقوّض صورة سوريا الجديدة، ويعيد إنتاج المخاوف اللبنانية التاريخية من عودة النفوذ السوري، لذلك فإن دمشق تبدو حريصة على تحقيق أكبر قدر ممكن من التأثير السياسي بأقل قدر ممكن من الانتظام الأمني المباشر. وباختصار فإن نجاح زيارة الشيباني إلى لبنان يقاس بمدى قدرة سوريا على ترسيخ معادلة جديدة في العلاقات السورية- اللبنانية، عنوانها الانتقال من علاقة النفوذ إلى علاقة الشراكة".