ملخص
يرى متخصصون أن الأزمة الحالية تكشف بوضوح أن الحدود البحرية أصبحت إحدى أهم أدوات الصراع الجيوسياسي في شرق المتوسط، حيث تمثل الثروة الطاقية المحرك الاقتصادي للأزمة، بينما تشكل السيادة البحرية وإعادة توزيع النفوذ الإقليمي بعدها الاستراتيجي الأعمق. ولا يُستبعد أن يتطور الملف إلى نزاع دولي أوسع، مع احتمال دخول الولايات المتحدة بقوة على خط الأزمة في إطار إعادة هندسة التوازنات السياسية في ليبيا وربطها بمصالح الطاقة والتحالفات الإقليمية الجديدة.
تصاعد خلاف ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط بعدما تقدمت تونس وإيطاليا باعتراضات رسمية لدى الأمم المتحدة على خطوط أعلنتها ليبيا بصورة أحادية لترسيم منطقتها الاقتصادية الخالصة.
وبحسب خبراء في العلاقات الدولية، فقد كشف تصاعد هذا الخلاف عن صراع متزايد على الثروات، بخاصة الغاز والسيادة البحرية، فما هي التداعيات المحتملة على العلاقات بين دول المنطقة واستقرارها؟
في هذا السياق، أوضح الناشط المتخصص في الشأن الليبي مصطفى عبدالكبير، في تصريح خاص، أن "إشكالية ترسيم الحدود بين تونس وليبيا ليست وليدة اليوم، بل تعود جذورها إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث برزت خلافات حقيقية خلال فترة حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة والعقيد معمر القذافي، بخاصة في ما يتعلق بالحدود البحرية وملف حقل البوري النفطي".
قضية دولية تتجاوز الإطار الثنائي
أشار عبدالكبير إلى أن تونس عرفت خلافات حدودية مع كل من ليبيا والجزائر، غير أن الملف الذي تم اللجوء بشأنه إلى التحكيم الدولي كان الخلاف البحري مع ليبيا، لافتاً إلى أن قرار محكمة العدل الدولية آنذاك منح تونس نصيباً محدوداً مقابل استفادة أكبر للجانب الليبي، وهو ما اعتُبر في حينه نتيجة لإدارة غير موفقة للملف في أواخر عهد بورقيبة، بسبب عدم إيلائه الأهمية الكافية والاعتماد على مبدأ حسن الجوار بدل التفاوض التقني والقانوني الدقيق.
وأضاف أن فترة حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي تميزت بانفتاح اقتصادي واسع بين تونس وليبيا، حيث كانت ليبيا داعمة للنظام التونسي، وهو ما جعل ملف الحدود، سواء البحرية أو البرية، خارج دائرة النقاش الرسمي بين البلدين لفترة طويلة.
وبين عبدالكبير أنه في عام 2023 أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيد فتح هذا الملف عندما أشار إلى ما اعتبره ظلماً في قرار التحكيم الدولي المتعلق بترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، الأمر الذي أعاد الجدل حول هذا الموضوع من جديد، في سياق إقليمي ودولي متغير يتزايد فيه الاهتمام بمصادر الطاقة، بخاصة النفط والغاز في البحر المتوسط.
وأوضح أن هذه القضية لم تعد تخص تونس وليبيا فقط، بل أصبحت مرتبطة بتوازنات إقليمية أوسع، حيث دخلت أطراف أخرى على الخط، مثل إيطاليا، إلى جانب خلافات حدودية مماثلة في شرق المتوسط بين دول أخرى، مما جعل ملف ترسيم الحدود البحرية قضية دولية تتجاوز الإطار الثنائي التقليدي.
وختم عبدالكبير بالتأكيد على أن "ملف ترسيم الحدود يُعد من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، وأن الحكمة السياسية تقتضي تأجيل نقاشه إلى مرحلة أكثر استقراراً، لأن ما قد تخسره تونس وليبيا والمنطقة من تبعات فتحه في هذا التوقيت قد يكون أكبر بكثير من أي مكاسب محتملة".
من جانب آخر، أكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة نالوت الليبية الدكتور إلياس الباروني، في تصريح خاص، أن التصعيد الأخير بشأن ترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط يتجاوز كونه خلافاً قانونياً حول الإحداثيات البحرية، ليعكس تصاعداً واضحاً في التنافس الجيوسياسي على الطاقة والممرات البحرية ومجالات النفوذ في شرق ووسط المتوسط.
وأوضح الباروني أن الاعتراضات التي قُدمت إلى الأمم المتحدة بشأن الخطوط البحرية التي أعلنتها ليبيا من جانب واحد، يجب فهمها في سياق أوسع يرتبط بتوازنات القوة والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية، وليس فقط في إطار القانون البحري.
وأشار إلى أن الغاز الطبيعي أصبح خلال الأعوام الأخيرة محركاً رئيساً للصراعات في البحر المتوسط، خصوصاً بعد اكتشاف حقول كبرى قبالة سواحل مصر وإسرائيل وقبرص، وهو ما جعل دول المنطقة تتنافس على مناطق الامتياز البحرية وحقوق التنقيب وخطوط نقل الغاز نحو أوروبا وجذب الاستثمارات الدولية في قطاع الطاقة.
توترات دبلوماسية
أضاف أن مفهوم السيادة البحرية بات اليوم امتداداً مباشراً للأمن القومي، باعتبار أن المناطق الاقتصادية الخالصة لم تعد مجرد فضاءات للصيد البحري، بل أصبحت تضم احتياطات ضخمة من الغاز وثروات معدنية وممرات تجارية دولية ومواقع استراتيجية ذات أهمية عسكرية، مما يجعل أي تنازل في ترسيم الحدود مسألة شديدة الحساسية بالنسبة للدول.
وفي ما يتعلق بالحالة الليبية، أوضح الباروني أن ليبيا تخوض هذا الملف في ظل ظروف داخلية معقدة نتيجة استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، وهو ما ينعكس سلباً على قدرتها التفاوضية ويزيد من حذر المستثمرين الدوليين الذين يبحثون أساساً عن الاستقرار السياسي والوضوح القانوني والبيئة الآمنة للاستثمار.
وأكد المتحدث أن الاعتراضات المقدمة من الدول المعنية لا تحمل بعداً قانونياً فقط، بل تعكس كذلك رسائل سياسية واضحة مفادها أن أي ترتيبات أحادية الجانب لن تحظى بقبول تلقائي من الدول المجاورة، وأن معالجة هذه الملفات يجب أن تتم عبر التفاوض أو عبر آليات التسوية التي يقرها القانون الدولي.
وحول التداعيات المحتملة، اعتبر الباروني أن استمرار هذا الخلاف قد يؤدي إلى زيادة التوترات الدبلوماسية بين دول المنطقة، وتعقيد المفاوضات المتعلقة بالطاقة، وتأجيل مشاريع الاستثمار والتنقيب، إضافة إلى احتمال ارتفاع الحضور العسكري البحري من خلال تكثيف الدوريات وتعزيز إجراءات الردع لحماية المطالب السيادية.
وحذر أيضاً من أن اتساع دائرة الخلاف قد ينعكس سلباً على ملفات إقليمية أخرى، من بينها التعاون الأمني في البحر المتوسط، وإدارة الهجرة غير النظامية، ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن مشاريع الربط الطاقوي مع أوروبا.
وبين الباروني أن القواعد المعمول بها وفق الأمم المتحدة واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تؤكد أن تسجيل الإحداثيات أو الاعتراضات لا يحسم النزاع بصورة نهائية، بل يثبت فقط المواقف القانونية للأطراف، في حين يبقى الحل النهائي رهناً باتفاق ثنائي أو باللجوء إلى التحكيم أو القضاء الدولي.
وختم بالتأكيد على أن الخلاف الحالي لا ينبغي النظر إليه باعتباره نزاعاً تقنياً حول الحدود البحرية، بل باعتباره حلقة ضمن إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للبحر المتوسط، حيث أصبحت الطاقة عنصراً مؤثراً في موازين القوة الإقليمية، في وقت تسعى أوروبا إلى تنويع مصادرها الطاقية، فيما تحاول دول المتوسط تعظيم حصتها من الموارد البحرية وتعزيز مكانتها الاستراتيجية.
وشدد في ختام تصريحه على أن فرص احتواء هذا الخلاف تبقى قائمة إذا تم اللجوء إلى التفاوض والآليات القانونية الدولية، لأن التصعيد سيحمل كلفة سياسية واقتصادية وأمنية على جميع الأطراف، بينما تبقى التسويات التوافقية الخيار الأكثر استدامة لضمان الاستقرار والاستفادة المشتركة من ثروات المتوسط.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الوطن الأزرق
من جانبه، يرى الصحافي المتخصص في الشأن العالمي نزار مقني، في تصريح خاص، أن "الاعتراضات التي تقدمت بها كل من تونس وإيطاليا لدى الأمم المتحدة ضد إعلان ليبيا الأحادي لترسيم منطقتها الاقتصادية الخالصة تعكس تحولاً عميقاً يشهده شرق المتوسط، حيث أصبحت الحدود البحرية جزءاً من معادلة الأمن القومي والتنافس الجيوسياسي على الطاقة والنفوذ الإقليمي".
ويضيف أن التصعيد الحالي يكشف عن ثلاثة مستويات مترابطة من الصراع. أولها الصراع على الموارد الاقتصادية، باعتبار أن المناطق الاقتصادية الخالصة تحدد حقوق الدول في استغلال الغاز والنفط والثروات البحرية، ومع تزايد أهمية الغاز عالمياً أصبحت كل مساحة بحرية ذات قيمة استراتيجية عالية، مما يدفع الدول إلى التشدد في الدفاع عن مطالبها.
أما المستوى الثاني، وفق المتحدث، فيتمثل في الصراع على السيادة البحرية، إذ لم يعد ترسيم الحدود مجرد إجراء فني أو قانوني، بل أصبح امتداداً مباشراً للسيادة الوطنية والنفوذ الإقليمي، على غرار ما تعكسه الاستراتيجية التركية المعروفة باسم الوطن الأزرق. ويعتبر أن اعتراض تونس وإيطاليا يعكس رفضاً لفرض وقائع قانونية جديدة بصورة أحادية قد تؤدي مستقبلاً إلى فقدان حقوق بحرية يصعب استعادتها.
أما المستوى الثالث، فيتعلق بإعادة تشكيل موازين القوى في شرق المتوسط، حيث لم يعد الملف الليبي منفصلاً عن شبكة التحالفات الإقليمية التي تشمل تركيا واليونان ومصر وإيطاليا، وأصبحت اتفاقات ترسيم الحدود جزءاً من التنافس على النفوذ السياسي والعسكري وخطوط نقل الطاقة نحو أوروبا.
ويشير نزار مقني إلى أن الموقف التونسي يكتسب أهمية خاصة لأنه لا يدخل ضمن منافسة جيوسياسية، بل يهدف أساساً إلى الدفاع عن الحقوق القانونية استناداً إلى حكم محكمة العدل الدولية الصادر عام 1982 والاتفاق الثنائي المبرم مع ليبيا عام 1988، باعتبار أن الخطوط الليبية الجديدة تتجاوز الأسس القانونية المتفق عليها سابقاً.
وفي المقابل، يرى المتحدث أن الخطوة الليبية تعكس محاولة لتعزيز مطالبها البحرية في ظل استمرار الانقسام السياسي الداخلي، وترتبط بالاتفاق البحري الموقع عام 2019 بين الحكومة التركية وحكومة الوفاق الليبية برئاسة فائز السراج، الذي يمثل أحد أبرز عناصر إعادة رسم الخرائط البحرية في شرق المتوسط.
وحول التداعيات المحتملة، يؤكد مقني أن المنطقة لا تبدو متجهة نحو مواجهة عسكرية مباشرة بسبب إدراك مختلف الأطراف لكلفة التصعيد، إلا أن استمرار الخلافات قد يعطل مشاريع الاستكشاف والاستثمار، ويزيد من حالة عدم اليقين بالنسبة لشركات الطاقة الدولية.
ويختم مقني بالقول إن الأزمة الحالية تكشف بوضوح أن الحدود البحرية أصبحت إحدى أهم أدوات الصراع الجيوسياسي في شرق المتوسط، حيث تمثل الثروة الطاقية المحرك الاقتصادي للأزمة، بينما تشكل السيادة البحرية وإعادة توزيع النفوذ الإقليمي بعدها الاستراتيجي الأعمق. ولا يستبعد أن يتطور الملف إلى نزاع دولي أوسع، مع احتمال دخول الولايات المتحدة بقوة على خط الأزمة في إطار إعادة هندسة التوازنات السياسية في ليبيا وربطها بمصالح الطاقة والتحالفات الإقليمية الجديدة.