Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف طورت أوكرانيا مدى مسيراتها لتطال أقاصي روسيا؟

تحولت الطائرات المسيرة، التي كانت يوماً أداة مساندة للحرب البرية، إلى سلاح قادر على مقارعة الكبار، بفضل أربعة أعوام من الابتكار

أعادت ضربات الطائرات المسيرة في موسكو الحرب إلى داخل روسيا، مما زاد الضغط على بوتين، في الصورة بتاريخ 18 يونيو (حزيران) (أ ف ب/ غيتي)

ملخص

طورت أوكرانيا قدراتها بعيدة المدى من أداة محدودة إلى سلاح قادر على ضرب المصافي ومستودعات الوقود وطرق الإمداد في عمق روسيا، مما نقل الحرب إلى عتبة موسكو وأربك دفاعاتها. استهداف منشآت الطاقة الروسية لم يعد مجرد رد عسكري، بل استراتيجية لاستنزاف عائدات الحرب وخلق نقص في الوقود ورفع كلفة الصراع على الدولة والشركات والمواطنين.

بلغت قوة الانفجار حداً جعل الغطاء الضخم، الشبيه بالقرص، لأحد خزانات النفط يطير عالياً فوق المدينة على وسادة من الدخان الأسود واللهب.

طائرات مسيرة أوكرانية كانت قد اخترقت الدفاعات الجوية الروسية الأسبوع الماضي، لتضرب مصفاة نفط في موسكو للمرة الثانية خلال ثلاثة أيام، وسط أكبر هجوم تشنه كييف على العاصمة الروسية على الإطلاق.

وسرعان ما انتشرت اللقطات في أنحاء العالم بوصفها دليلاً على تماسك كييف وقدرتها على نقل الحرب إلى عتبة باب بوتين. ويوم الأحد، أقر الرئيس الروسي بأن موسكو تواجه "مشكلات" في الحرب، وحذر من نقص في الوقود بسبب الهجمات الأوكرانية.

 

وقال بوتين في كلمة أمام أعضاء حزب "روسيا الموحدة": "نعم، نرى المشكلات، وندركها ونتعامل معها، لكننا سنضمن بالتأكيد أمن البلاد ومواطنينا، وكذلك حرمة حدود روسيا".

وكثف الأوكرانيون في الأشهر الأخيرة ضرباتهم على المصافي ومستودعات الوقود وطرق الإمداد، بعدما تعلموا كيف يربكون الدفاعات الروسية بترسانة متنامية من الطائرات المسيرة المتطورة بعيدة المدى.

وأحدثت هذه النجاحات نقصاً خانقاً في أنحاء واسعة من روسيا، من شبه جزيرة القرم المحتلة إلى الامتدادات الشرقية في سيبيريا، مما منح كييف ورقة تفوق في وقت يدرس فيه الطرفان احتمال استئناف محادثات السلام.

تتناول "إندبندنت" في ما يأتي كيف طورت أوكرانيا قدراتها بعيدة المدى واستخدمتها لتحقيق أثر مدمر.

كيف تطورت حملة المسيرات الأوكرانية؟

قالت وزارة الدفاع الأوكرانية عام 2022 إن كييف باتت قادرة على ضرب أهداف تبعد نحو 630 كيلومتراً، أي ما يعادل تقريباً المسافة بين كييف وتولا. أما هذا العام، فتقول الوزارة إن أسلحتها بعيدة المدى أصبحت قادرة على تدمير أهداف "على مسافة تقارب 1750 كيلومتراً".

وجاء هذا التحول بعد أعوام من التطوير المتواصل. فعلى خطوط الجبهة، راحت أوكرانيا وروسيا تتسابقان في تبني الطائرات المسيرة وتحسينها، بحيث باتت قادرة على حمل متفجرات وإيصالها إلى أهداف تبعد كيلومترات عدة، من دون تعريض مشغلها للخطر.

 

لكن روسيا دخلت الحرب وهي تملك أفضلية واضحة في الضربات بعيدة المدى. فقد كانت لديها مخزونات من الصواريخ الباليستية، كما استطاعت منذ صيف 2022 استخدام طائرات "شاهد" المسيرة بعيدة المدى. ويمكن لهذه الطائرات، الإيرانية الصنع، أن تقطع مسافة تصل إلى ألفي كيلومتر وهي تحمل رأساً حربياً يزن 50 كيلوغراماً.

ومنحت هذه الأفضلية موسكو القدرة على ضرب معنويات المدن الأوكرانية الكبرى، وتدمير مستودعات الذخيرة، واستهداف البنية التحتية للطاقة في عمق الأراضي الأوكرانية.

وفي المقابل، حين تردد حلفاء أوكرانيا في تزويدها بأسلحة بعيدة المدى للرد على الهجمات الروسية، اتجهت كييف إلى الاستثمار في صناعتها المحلية، مستفيدة من خبرتها المتراكمة في الحرب. واليوم، بدأت هذه الصناعة تؤتي ثمارها، إلى حد أن أوكرانيا باتت تقدم النصح لحلفائها في كيفية خوض حرب حديثة.

وتخطط شركة "فاير بوينت" Fire Point، المصنعة للطائرة المسيرة الهجومية "أف بي-1" FP-1 وصاروخ كروز "فلامينغو" Flamingo، لتطوير نظام دفاع صاروخي أوروبي، فيما تفيد تقارير بأن البنتاغون يدرس شراء طائرات مسيرة وأنظمة حرب إلكترونية أوكرانية.

 

ووفقاً لـ"معهد بيكر"، وهو مركز أبحاث مقره تكساس، كانت أوكرانيا حتى أواخر عام 2025 تفتقر إلى القدرات اللازمة في مجال الطائرات المسيرة والصواريخ لشن "ضربات مستمرة بعيدة المدى" في عمق الأراضي الروسية.

وقال غابرييل كولينز، مسؤول ملف الطاقة والجغرافيا السياسية في أوراسيا: "قبل الغزو الروسي، كان ضرب أهداف تقع على عمق ألف كيلومتر أو أكثر داخل أراضي خصم يمتلك دفاعات جوية قوية مجالاً ربما لم تكن سوى الولايات المتحدة وإسرائيل والصين وروسيا تملك القدرات اللازمة له".

وأضاف: "بات امتلاك القدرة على شن ضربات دقيقة بعيدة المدى أقل صعوبة بكثير مما كان عليه في السابق. كان الناتج المحلي الإجمالي لأوكرانيا قبل الحرب يعادل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة هيوستن الكبرى. ومع ذلك، فإن اجتماع دافع البقاء، ووجود سكان موهوبين ومتعلمين، وقاعدة صناعية، وإمكان الوصول إلى مكونات مستوردة أساسية، أفضى إلى نشوء مجمع لصناعة الطائرات المسيرة والصواريخ، وهو مجمع عالي القدرة يستطيع تهديد أصول بنية تحتية رئيسة على مسافة تصل إلى ألفي كيلومتر من حدود أوكرانيا".

ما أثر هذه الاستراتيجية؟

تقول كييف إن استهداف منشآت الطاقة الروسية يهدف إلى استنزاف أحد المصادر الرئيسة لتمويل حرب موسكو، وإلى إظهار أن الحرب التي أشعلتها روسيا قبل أربعة أعوام باتت أقرب إلى مواطنيها من أي وقت مضى. وعلى هذا الصعيد، تبدو الاستراتيجية قد حققت أثراً واضحاً.

فبحسب تقديرات محللين، خرج أكثر من خُمس طاقة التكرير الإجمالية في روسيا من الخدمة بالفعل. وأفادت وكالة الطاقة الدولية الأسبوع الماضي بأن إنتاج النفط الخام الروسي انخفض في الشهر السابق بنحو خمسة في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليبلغ 8.7 مليون برميل يومياً، بسبب الضربات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقالت الوكالة في تقريرها الصادر في يونيو (حزيران): "هذا المستوى من الاضطراب غير مسبوق في تاريخ الصراع الروسي – الأوكراني".

ووصف غريغوار روس، مدير برامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في "تشاتام هاوس"، الهجوم بالمسيرات على مصفاة موسكو الأسبوع الماضي، في حديث إلى شبكة "سي أن بي سي"، بأنه "التطور الأكثر إثارة للاهتمام خلال العام الماضي".

ورأى روس أن الهجوم عكس ثقة أوكرانيا، وأظهر استراتيجيتها الأوسع القائمة على ضرب روسيا "في أكثر نقاطها إيلاماً"، من خلال استهداف عائدات الطاقة. فهذه العائدات تمثل نحو 23 في المئة من الميزانية الفيدرالية الروسية، وحوالى 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

 

وتتراجع هذه العائدات تدريجاً، جزئياً بسبب اضطرار روسيا إلى بيع منتجاتها النفطية بأسعار أقل تحت ضغط العقوبات، وجزئياً بسبب الاضطرابات التي أحدثتها الهجمات الأوكرانية.

وكشف تحليل أجراه "مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف" أن عائدات روسيا من صادرات النفط والغاز والفحم والمنتجات المكررة بلغت 193 مليار يورو خلال الأشهر الـ12 المنتهية في 24 فبراير (شباط) 2026، بانخفاض قدره 27 في المئة مقارنة بالفترة المماثلة قبل الغزو.

ولا تقف التداعيات عند عائدات الدولة. فالشركات في روسيا تعاني أيضاً وطأة ارتفاع أسعار الطاقة، ثم تنقل هذه التكاليف إلى المستهلكين. فقد ارتفع سعر البنزين من نحو 0.65 دولار للتر قبل الغزو مباشرة إلى 0.95 دولار في مايو (أيار) من هذا العام، فيما يبلغ معدل التضخم الرسمي 5.6 في المئة.

 

وفي الأسابيع الأخيرة، فُرضت قيود على شراء البنزين في المنطقة الوسطى، وعزت السلطات الأمر إلى "صعوبات لوجستية موقتة". وتفيد تقارير بوجود مشكلات مماثلة في جنوب روسيا وغربها، فيما امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو تظهر سيارات تصطف في طوابير لشراء البنزين في شبه جزيرة القرم المحتلة.

ووصل القلق إلى مقاطعة أومسك، التي كانت تحتفي في يناير (كانون الثاني) الماضي بأدنى أسعار الوقود في سيبيريا. هناك، أبدى سكان خشيتهم من تأثير نقص الوقود في حياتهم اليومية، على رغم أنهم يعيشون على بعد نحو 2400 كيلومتر من خط المواجهة.

ومع دخول حظر تعبئة عبوات الوقود حيز التنفيذ في ساعة متأخرة من يوم الإثنين، قال أحد السكان لموقع "أن جي أس 55" الإخباري المحلي: "لا أملك سيارة. كنت أطلب من جاري أن يشتري لي البنزين في عبوة. هل يفترض الآن أن أقطع الحطب بمنشار يدوي؟ وأن أقص العشب بالجزازة؟ لقد وصلنا إلى هذا الحد. الأمر لا يوصف".

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير