ملخص
يمنح الاتفاق الأميركي-الإيراني طهران دفعة مالية سريعة عبر النفط، لكن التضخم والدمار وفاتورة الإعمار الضخمة تؤخر تعافي الاقتصاد وتحسن المعيشة.
يمنح الاتفاق الأميركي-الإيراني الهادف إلى تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز النظام في طهران دفعة مالية سريعة، لكن الإيرانيين العاديين لن يلمسوا تحسناً اقتصادياً بالوتيرة نفسها.
وأتاح الإعفاء الذي منحته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأسبوع الماضي لإيران استئناف بيع نفطها وتلقي المدفوعات بالدولار، مما يفتح أمام الحكومة باباً لتحقيق مليارات الدولارات من العملات الأجنبية التي تشتد حاجتها إليها بعد الحرب وأعوام من العقوبات القاسية.
ووفقاً لبيانات تتبع ناقلات النفط، بدأت صادرات إيران النفطية بالفعل بالارتفاع على رغم تبادل الضربات العسكرية خلال الأيام الأخيرة.
ويقدر محللون بأن تتمكن طهران من تحقيق ما يصل إلى 10 مليارات دولار خلال الشهرين المقبلين من مبيعات النفط وحدها.
ويعزز التوقعات الإيجابية إعلان مسؤولين أميركيين وآخرين اتفاق الجانبين على إنهاء الجولة الأخيرة من القتال واستئناف المفاوضات.
إلا أن كبح التضخم المرتفع وإنعاش الطلب الاستهلاكي وخلق فرص عمل جديدة ستستغرق وقتاً، وستعتمد أيضاً على استمرار الثقة بالاتفاق، وعلى ضمان عدم توجيه الأموال العائدة لإيران إلى تمويل أنشطتها العسكرية أو دعم حلفائها من الجماعات المسلحة في المنطقة.
فاتورة إعادة إعمار بمئات مليارات الدولارات
وتواجه إيران كذلك فاتورة إعادة إعمار تُقدَّر بمئات مليارات الدولارات، وهو مبلغ يفوق بكثير العائدات الأولية المتوقعة من زيادة صادرات النفط.
ويرى مراقبون أن هذه الفجوة قد تمثل أول اختبار داخلي للاتفاق بالنسبة إلى النظام الإيراني، فمن المحتمل أن تتحسن المؤشرات المالية للحكومة خلال أسابيع، بينما سيظل الاقتصاد الحقيقي الذي أنهكته الحرب والعقوبات بحاجة إلى أشهر وربما فترة أطول قبل أن يلمس المواطنون أي تحسن فعلي في أوضاعهم المعيشية.
ويعني هذا التفاوت بين التحسن السريع في الإيرادات وبطء تعافي الاقتصاد أن طهران ستظل تحت ضغط لمواصلة المحادثات مع الولايات المتحدة، على رغم التوترات المتكررة في شأن السيطرة على الملاحة في مضيق هرمز.
فإيران لا تحتاج وحسب إلى زيادة صادراتها النفطية، بل أيضاً إلى تخفيف أوسع للعقوبات وإتاحة وقت كافٍ لاقتصادها كي يستعيد عافيته.
وقال كبير المحللين المتخصص في الشأن الإيراني لدى مجموعة "أوراسيا" غريغوري برو لصحيفة "وول ستريت جورنال" إن الإعفاء الذي يسمح لإيران ببيع النفط قد يدر عليها ما بين 8 مليارات و10 مليارات دولار خلال 60 يوماً، لكنه أضاف "في المدى القصير، تمثل هذه العائدات مكسباً مالياً مفاجئاً، لكنها ليست كافية لإعادة تشغيل الاقتصاد على نطاق واسع."
وتابع "لقد لحقت أضرار هائلة بالقطاعات الصناعية والبنية التحتية في المدن الكبرى، والحكومة بحاجة إلى ترسيخ الانطباع بأن السلام سيستمر، وأن القصف لن يتجدد."
وخلال فترة الحرب، قال الرئيس التنفيذي لشركة تستورد قطع غيار السيارات إنه اضطر إلى تسريح عدد من الموظفين، وبيع جزء من المخزون لسداد الديون، وخفض النفقات بصورة حادة للحفاظ على استمرار نشاط الشركة.
وعلى رغم أن الاتفاق الموقت أسهم في تهدئة الأوضاع إلى حد ما، فإن حال التقلب وعدم اليقين لا تزال تمثل تحدياً كبيراً أمام قطاع الأعمال، مضيفاً "ينتظر التوصل إلى اتفاق نهائي حتى يتمكن من وضع خطط أعمال تستند إلى قدر أكبر من اليقين"، وقال "أصبح التخطيط شبه مستحيل، ونحن مضطرون إلى تحمل أخطار كبيرة لمواصلة العمل."
270 مليار دولار خسائر إيران من الحرب
وخلّفت الحرب آثاراً اقتصادية جسيمة على اقتصاد كان يعاني بالفعل ضغوطاً حادة نتيجة التضخم الجامح الذي بلغ 88.6 في المئة على أساس سنوي في يونيو (حزيران) الماضي، فضلاً عن تراجع قيمة العملة المحلية وأعوام من العزلة الدولية المتراكمة.
ومنذ اندلاع النزاع، فقد أكثر من مليون إيراني وظائفهم، فيما هبطت العملة الوطنية إلى مستويات قياسية متدنية. كذلك أدى انقطاع خدمات الإنترنت الذي استمر لأشهر إلى شلل واسع في التجارة الإلكترونية، وزاد من عزلة فئة الشباب التي تعتمد بصورة كبيرة على الاقتصاد الرقمي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقدّرت السلطات الإيرانية الخسائر الناجمة عن الحرب بنحو 270 مليار دولار، في حين أفادت الأمم المتحدة بوقوع دمار واسع النطاق طاول نحو 150 ألف مبنى مدني، من بينها 51 ألف منزل في طهران، مما يعكس حجم الأعباء التي ستواجهها البلاد خلال مرحلة إعادة الإعمار.
وتواجه إيران أيضاً أوسع نطاق من الأضرار التي لحقت بقطاع الطاقة بين دول الخليج، إذ رجحت شركة "ريستاد إنرجي" الاستشارية أن تصل كلفة إصلاح المنشآت المتضررة إلى 19 مليار دولار، بعدما استهدفت الضربات منشآت لمعالجة الغاز ومصافي تكرير ومجمعات للبتروكيماويات، إضافة إلى بنية تحتية مخصصة لتصدير النفط والغاز.
توقعات بانكماش الاقتصاد الإيراني
وفي الوقت نفسه، يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 6.1 في المئة خلال العام الحالي، في أسوأ أداء اقتصادي تشهده البلاد منذ ثمانينيات القرن الماضي.
ويرجح الصندوق أن يبلغ متوسط معدل التضخم نحو 70 في المئة هذا العام، مما يعكس استمرار الضغوط المعيشية على الإيرانيين على رغم التحسن المتوقع في الإيرادات النفطية.
وحتى الآن، لا توجد مؤشرات تُذكر على أن الاتفاق الذي أنهى القتال بدأ يخفف من حدة المشكلات الاقتصادية العميقة التي تواجهها إيران.
فالأسبوع الماضي، ارتفعت أسعار الخبز في طهران بصورة ملحوظة، وتضاعف تقريباً سعر خبز "بربري"، وهو أحد أشهر أنواع الخبز الإيراني المسطح، وكذلك خبز "لافاش" الذي يُخبز تقليدياً في الأفران الطينية، مما يعكس استمرار الضغوط التضخمية على السلع الأساسية.
وقالت شابة إيرانية تبلغ من العمر 26 سنة، فقدت وظيفتها في مجال التسويق خلال فترة النزاع، للصحيفة إنها اضطرت إلى تقليص معظم نفقاتها، مضيفة أنها، على رغم استمرار الاتفاق مع الولايات المتحدة في الوقت الراهن، لا تثق باستمراره، مضيفة "في الوقت الحالي، لا أستطيع حقاً وضع أية خطط للمستقبل."
وتعود هذه الشكوك للتجربة التي أعقبت الاتفاق النووي المبرم عام 2015 خلال عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، إذ لم يدُم الانفراج الاقتصادي طويلاً، بعدما أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات عقب انسحابها من الاتفاق عام 2018، مما أدى إلى تقويض ثقة كثير من الإيرانيين باستدامة أية اتفاقات مع واشنطن، حتى إن حملت مكاسب اقتصادية على المدى القصير.
وساعد تخفيف العقوبات الذي رافق الاتفاق النووي لعام 2015 إيران في زيادة صادراتها النفطية وإعادة ربط أجزاء من اقتصادها بالتجارة العالمية. إلا أن هذه المكاسب كانت محدودة زمنياً وغير متوازنة، إذ ظل معدل البطالة مرتفعاً، ولم يلمس كثير من الإيرانيين تحسناً مستداماً في الأجور أو فرص العمل أو القوة الشرائية.
ثم انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الاتفاق خلال ولايته الأولى، وأعاد فرض العقوبات على طهران، لتتبدد المكاسب الاقتصادية التي تحققت.
ويخشى كثير من الإيرانيين اليوم تكرار السيناريو ذاته، فيكون أي تخفيف للعقوبات موقتاً ولا ينعكس على تحسين مستوى المعيشة، بل إن بعضهم يعتقد بأن الإيرادات النفطية الجديدة ستُستخدم أولاً لتعزيز موارد النظام وحلفائه، بدلاً من توجيهها إلى دعم الأسر والاقتصاد المحلي.
وقال فني يعمل لحسابه الخاص في محافظة أصفهان إنه لا يتوقع أن يكون للاتفاق تأثير يُذكر في حياة المواطنين العاديين، معتبراً أن الحكومة ستوجه أية تدفقات مالية جديدة لخدمة مصالحها.
وأضاف للصحيفة "نحن نخشى وقف إطلاق النار والتوصل إلى اتفاق وبقاء النظام أكثر مما نخشى الحرب نفسها."