ملخص
قاد كارلو أنشيلوتي البرازيل إلى انتصار درامي على اليابان بفضل تبديلات حاسمة وشخصية بطولية، فيما استعاد كاسيميرو بريقه وسجل التعادل قبل هدف الفوز القاتل، لتتواصل أحلام "السيليساو" في المنافسة على اللقب السادس.
هذا بالضبط ما تعاقدت البرازيل مع كارلو أنشيلوتي من أجله. فالمدرب الإيطالي أحرز دوري أبطال أوروبا ثلاث مرات مع ريال مدريد، وفي كل واحدة منها جاء هدف حاسم في الوقت بدل الضائع، سواء في نصف النهائي أو النهائي، وأحياناً أكثر من هدف.
وهكذا عندما اخترق برونو غيماريش دفاع اليابان، وسدد غابرييل مارتينيلي كرة متقنة في الدقيقة الـ95 استقرت في الزاوية البعيدة للشباك، كان المدرب صاحب أهدأ نبض في عالم كرة القدم قد عاش هذا المشهد مراراً من قبل.
قد يكون أنشيلوتي سيد الهدوء، والرجل الذي لا يعرف الذعر. لكن قدرته على التفكير بهدوء تحت الضغط أسهمت أيضاً في عودة أبقت آمال البرازيل قائمة في إضافة النجمة السادسة إلى قميصها. وكان لتبديلين أجراهما أثر حاسم؛ إذ دفع أولاً بإندريك بدلاً من لوكاس باكيتا بين الشوطين، مانحاً البرازيل قوة هجومية أكبر، ثم أشرك مارتينيلي بدلاً من ماتيوس كونيا.
انتفاضة البرازيل بعد الاستراحة
ومع نهاية الشوط الأول، حين كانت اليابان تتقدم عن جدارة في هيوستن، بدا الخطر قائماً بأن يتم تسجيل هذه النسخة كأسوأ مشاركة للبرازيل في كأس العالم. فالمنتخب البرازيلي بلغ دور الـ16، أو ما يعادله، في كل نسخة، ووصل إلى الأدوار الإقصائية في جميع البطولات باستثناء نسختي 1930 و1966، وبلغ دور الثمانية في كل مشاركة منذ 1990. وقد اعتاد أنشيلوتي صناعة التاريخ في بطولات الكؤوس، لكن بالطريقة الصحيحة، وربما يفعلها مجدداً.
وتوحي ملامحه بأنه شديد الاسترخاء إلى حد النوم. وببدلته المؤلفة من ثلاث قطع، بدا أنشيلوتي أشبه بخبير أنيق في التحف منه إلى مدرب كرة قدم. لكن جزءاً من نجاحه يكمن في قدرته على تحفيز لاعبين يصغرونه بعقود ويملكون شخصيات مختلفة تماماً. وخرجت البرازيل إلى الشوط الثاني بروح مختلفة، وقدمت خلال أول 15 دقيقة أداءً يمكن مقارنته بالاندفاعة التي قدمتها إنجلترا لمدة 15 دقيقة أمام كرواتيا. وكان حديث المدرب بين الشوطين مقدمة لهجوم كاسح. وعلى رغم أن البرازيل فقدت شيئاً من زخمها بعد توقف شرب المياه في الشوط الثاني، فإنها أظهرت أنها اكتسبت القدرة على حسم المباريات في اللحظات المتأخرة، وهي السمة التي ميزت كثيراً من فرق أنشيلوتي.
عقدة البرازيل في الأدوار الإقصائية
لكن البرازيل استفادت أيضاً من السلبية الغريبة التي أصابت اليابان. فالمنتخب الياباني، الذي كان الأكثر تماسكاً وإقناعاً قبل الاستراحة، تراجع إلى الخلف مبكراً، وأصبح سلبياً، يدافع بعمق ويدعو منافسه إلى الضغط، وكأنه انجذب إلى الوراء بفعل شعور بالنقص.
وحين سنحت له فرصة لجعل البطولة أكثر عالمية عبر إقصاء المنتخب الوحيد المتوج بكأس العالم خمس مرات، انتهى الأمر بنتيجة تتماشى مع تاريخ المونديال. فمنذ خروجها أمام الأرجنتين 1990، لم تخسر البرازيل أي مواجهة إقصائية أمام منتخب من خارج أوروبا. كما لم تخسر مطلقاً أمام منتخب من أميركا الشمالية أو أفريقيا أو آسيا في الأدوار الإقصائية. وعادة ما تتفوق على قوى كرة القدم الصاعدة عندما يكون الأمر أكثر أهمية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما اليابان، فلا تزال عالقة في نسختها الخاصة من فيلم "يوم غراوندهوغ" فلم يسبق لها الفوز بأية مباراة في الأدوار الإقصائية، وقد خسرت فيها خلال خمس نسخ من كأس العالم. وعادة ما كان ذلك يعني دور الـ16، أما في النظام الحالي فكان دور الـ32. ومن هذه الناحية، كان ذلك تراجعاً، على رغم أن ما قدمته في الشوط الأول أمام البرازيل، إلى جانب مباراتيها أمام السويد وهولندا، يؤكد في الأقل أنها من بين أفضل 16 منتخباً، وكان بإمكانها أن تكون من المرشحين لبلوغ ربع النهائي.
ثغرات البرازيل وتألق كاسيميرو
غاب عن اليابان الانتصار التاريخي، لكنها كشفت بعض نقاط الضعف في المنتخب البرازيلي، وإن لم تكن خافية أصلاً. وبينما كان روبرتو كارلوس يتابع اللقاء من مقعد خلف جياني إنفانتينو، بدا واضحاً أن البرازيل لم تعد تملك أظهرة من الطراز الرفيع. فقد أهدر دانيلو الكرة في الهجمة التي سبقت هدف تقدم اليابان عن طريق كايشو سانو، ثم تلقى بطاقة صفراء لاحقاً بعدما عجز عن إيقاف دايزن مايدا.
وفي خط الوسط، عاش كاسيميرو مباراة بوجهين مختلفين. فقد غادر الملعب متأثراً بإصابة بعد 92 دقيقة، على رغم أن هناك مبررات لاستبداله بعد 45 دقيقة فقط. لكن ما حدث بعد ذلك كان بمثابة استعادة للاعتبار. فبعد أن قدم أسوأ ما لديه، أنهى المباراة بأفضل صورة.
وقبل الاستراحة، حصل على بطاقة صفراء بعدما أسقط جونيا إيتو بطريقة خرقاء، ليظهر مجدداً أن ميله إلى الارتماء عند التدخل يمثل إحدى نقاط ضعفه. ثم بدا بطيئاً للغاية بينما اندفع سانو متجاوزاً إياه ليسجل الهدف. وظهر كأنه لاعب متقدم في السن يفتقر إلى الحركية، وبعد استبداله بين الشوطين أمام المغرب، بدت هناك أسباب تدعو للاعتقاد بأن التاريخ قد يعيد نفسه.
لكن كاسيميرو يملك شخصية قوية. وبالنسبة إلى لاعب ارتكاز دفاعي، فإنه يمتلك قدرة استثنائية على تسجيل الأهداف. فهو ليس مجرد لاعب يجيد إنهاء الهجمات، بل يملك أيضاً حاسة المهاجم في استغلال المساحات. وقد أبعد المدافعون كرة رأسية له من على خط المرمى بطريقة رائعة تكاد تكون غير قابلة للتصديق، قبل أن يقابل عرضية غابرييل ماغالهايس بضربة رأس قوية سجل منها هدف التعادل.
ثنائية الوسط تصنع الفارق وتواصل حلم البرازيل
وهو لاعب يعرف كيف يتألق في المباريات الكبرى، وهو أمر يدركه أنشيلوتي جيداً. فقد كان كاسيميرو ضمن الفريق الذي توج معه المدرب الإيطالي بلقبه الرابع في دوري أبطال أوروبا 2022. وأعاد أنشيلوتي حليفه القديم من المنفى الدولي، بعدما استدعاه مجدداً إلى المنتخب عقب غياب دام عامين، وجعله عنصراً أساسياً من جديد.
وبالمقارنة مع بعض المنتخبات البرازيلية السابقة، قد لا يملك هذا الجيل وفرة من الخيارات في وسط الملعب. ومع ذلك، اعتمد أنشيلوتي على ثنائية كاسيميرو وبرونو غيماريش. فسجل الأول هدف التعادل، وصنع الثاني هدف الفوز. ومع نجاح قرارات أنشيلوتي، واصلت البرازيل مشوارها. وهذا شعور ستأمل في تكراره خلال الأسابيع المقبلة.
© The Independent