ملخص
أعاد حكم محكمة الاستئناف في قضية وفاة النائب السابق الجيلاني الدبوسي فتح ملفات "حركة النهضة" خلال فترة حكمها، بعدما قضى بسجن قياديين بارزين فيها، في خطوة تزيد الضغوط القضائية والسياسية على الحركة. وفيما ترى أطراف أن الحكم يمثل إنصافاً متأخراً للدبوسي، تشكك "النهضة" في إجراءات المحاكمة وتعتبرها افتقرت إلى معايير العدالة.
أعاد حكم أصدرته محكمة الاستئناف في تونس في شأن قضية وفاة النائب البرلماني السابق الجيلاني الدبوسي إلى الواجهة ملفات "حركة النهضة" الإسلامية إبان حكمها (2012 - 2014).
وتوفي الدبوسي، وهو رجل أعمال أيضاً، بعد ساعات من الإفراج عنه عام 2014 بعد أن قضى في السجن 31 شهراً من دون محاكمة حاسمة، الأمر الذي أثار غضباً آنذاك في أوساط حقوقية وسياسية في وقت لوحت أسرته باللجوء إلى القضاء الدولي.
وواجهت حركة "النهضة" انتقادات واتهامات بالتقصير في حماية صحة الدبوسي وتصفية حسابات سياسية معه، وهو أمر نفاه الحزب الذي يواجه كثيراً من القضايا الأخرى على غرار التآمر على أمن الدولة، والتورط في تسفير الشباب التونسي إلى بؤر القتال خلال فترة حكمه مثل سوريا والعراق للانضمام إلى جماعات متشددة.
عبء إضافي
وشملت الأحكام التي صدرت عن القضاء التونسي في هذا الملف القيادي البارز بحركة "النهضة" نور الدين البحيري الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير العدل وتم الحكم بحبسه أربعة أعوام والعقوبة ذاتها لنائب رئيس الحركة منذر لونيسي.
وأصدر القضاء أيضاً حكماً بحبس طبيبة سابقة بالسجن المدني بالمرناقية في العاصمة لمدة عامين مع تأجيل التنفيذ شأنها في ذلك شأن قاض سابق.
في السياق، قال الباحث السياسي التونسي مراد علالة "مبدئياً يُمكن القول إن ملف وفاة الجيلاني الدبوسي تم حسمه، وبالتالي إنصاف أحد الشخصيات الوطنية على رغم أن ذلك تأخر كثيراً، وهذا عبء آخر يضاف إلى أعباء حركة النهضة التي أساءت إدارة المرحلة الانتقالية، ولم تكن جاهزة للحكم، وارتكبت كثيراً من الأخطاء نتيجة رغبة في الانفراد بالسلطة وعدم قراءة المستقبل". وبين علالة أن "حركة النهضة لم تكن بعد الثورة جاهزة للحكم وما يتطلبه من شروط مثل إقامة العدل واحترام مصالح المواطنين واحترام المؤسسات". وفي رأيه فإنه، خلال الفترة الانتقالية، تراكمت الأخطاء ولم تستوعب آنذاك "حركة النهضة" أنها لم تعد في المعارضة بل أصبحت تمارس الحكم وعليها واجبات أكثر من الأطراف الأخرى.
وحاولت "اندبندنت عربية" الحصول على تعليق فوري من "النهضة" على هذه الأحكام، لكن لم يتسن لها ذلك.
زيادة معضلات الحركة
يُنظر إلى هذا الحكم على أنه حاسم بصورة كبيرة في مسار قضية أثارت كثيراً من السجالات السياسية في تونس لا سيما أنها جاءت في خضم مرحلة انتقالية، عرفت كذلك اغتيالات سياسية طاولت القياديين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي عام 2013.
ورأى الباحث السياسي التونسي فريد العليبي أن "هذا التطور يتعلق بوصول مسار العدالة المتعلق بهذه القضية إلى درجة عليا من حيث الحسم فيها، فقد ظلت محل نظر مدة طويلة نسبياً، وتأجلت الجلسات مرات كثيرة ومضى أكثر من 10 أعوام على تقديمها، وباتت هناك حاجة لإغلاق الملف بحسم النظر فيه، علماً أنها لم تعد تعني فقط عائلة الدبوسي التي رفعت الدعوى".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أضاف العليبي في تصريح خاص "هنا يجد القضاء نفسه معنياً بالقيام بوظيفته سواء حضر الدفاع أو غاب، وهو ما حصل في واقع الحال إذ تم إقرار الحكم الابتدائي، وغير خاف أن الخلفية السياسية للقتيل من حيث هو ركن من أركان نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، كما الخلفية السياسية للمتهمين من حيث هما قياديان بارزان ضمن حركة النهضة، تجعلان الجدل حول هذه القضية كبيراً، ولا شك أن القضاء يجد نفسه في مثل ظروف كهذه معنياً بالحرص على العدالة وحدها من دون الخضوع إلى أي تأثير سياسي". ولفت إلى أن "هذا الحكم يأتي ليزيد من حدة المعضلات التي تواجه حركة النهضة على إثر أحكام سابقة تتصل بالجهاز السري وتسفير شبان إلى بؤر التوتر، وهذا الأمر من شأنه أن يدفع باتجاه إحياء الدعوات إلى حل الحركة وهو أمر غير مستبعد".
تشكيك في المحاكمات
وسارعت حركة "النهضة" إلى إصدار بيان قالت فيه إن هيئة الدفاع اضطرت للانسحاب من جلسة المحاكمة، مشيرة إلى أن "المحكمة أصرت على خرق أبسط قواعد المحاكمة العادلة من خلال رفضها الاستجابة لطلبات الهيئة".
ولفت مراد علالة إلى أن "البحث في الطعون والإشكاليات هو حق للمتقاضي في تونس، والقول إن معايير المحاكمة العادلة لم تكن متوفرة لا بد من تفهمه وهي من الإشكاليات المطروحة بشدة". وتابع أن "مسألة طول أمد المحاكمات وإجراء محاكمات عن بعد أو منع الصحافيين من تغطية المحاكمات كلها إشكاليات تمس من جوهر العدالة، لكن الأطراف المعنية تستغل الأمر للتشكيك في المحاكمات والطعن في صدقيتها وهو أمر كان من الممكن تجنبه".
وتأتي هذه التطورات في وقت تبحث فيه حركة "النهضة" عن إعادة التموضع في مشهد سياسي مثير للجدل إذ دعت قبل أيام من خلال رسالة أطلقها زعيمها المحبوس راشد الغنوشي ونشطاء سياسيون آخرون، إلى توحيد قوى المعارضة في مواجهة السلطة.
وقال علالة "لا فرص أمام حركة النهضة لإقامة تحالفات معها لا سيما في ظل وضعها الراهن، إذ تواجه تهماً خطرة تتعلق بالإرهاب والاغتيالات وغير ذلك، لا يوجد طرف سياسي قد يجازف بالتحالف معها وهي المثقلة بهذه الاتهامات والأحكام التي صدرت بشأنها".