Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفوضى الخلاقة... السلاح النفسي الذي أربك كبار المونديال

الفوز نفسياً على الخصم يولد لحظات تاريخية في كأس العالم

ليونيل ميسي قائد منتخب الأرجنتين يداعب كرة القدم (أ ف ب)

ملخص

يراقب المتخصصون في علم النفس الرياضي إلى جانب الجماهير في جميع أنحاء العالم كيف يطبق الرياضيون بعض أهم مبادئ هذا العلم عملياً لتحقيق الفوز النفسي على الخصم.

في مونديال 2026 لا يقتصر تميز نجوم كرة القدم المعاصرين على أدائهم، بل يتعداه إلى تفكيرهم المبتكر. ومنذ بداية انطلاق بطولة كأس العالم، راقب متخصصو علم النفس الرياضي إلى جانب الجماهير في جميع أنحاء العالم كيف طبق اللاعبون بعض أهم مبادئ هذا العلم عملياً، وكيف حققت منتخبات صغيرة انتصاراً نفسياً واضحاً على خصم قوي.

والانتصار هنا نفسي ولا يتعلق مباشرة بتحقيق الأهداف، وفي مثل هذه الحالات لا يكون الفوز في مباراة كرة القدم مشروطاً بنتيجة إيجابية أو عبر فارق في الأهداف، ولكنه يكمن في تحقيق التعادل الإيجابي أو حتى السلبي مع الخصم القوي، تماماً كما حدث في تعادل منتخب الرأس الأخضر مع إسبانيا خلال المباراة الافتتاحية للمونديال ثم تعادل المغرب مع منتخب البرازيل.

فوضى نفسية خلاقة

وفي هذا السياق يقول علم النفس الرياضي الحديث إنه كان من المؤكد لجوء بعض المنتخبات الصغيرة إلى تكتيك ما وهو إحداث نوع من الفوضى النفسية الخلاقة في أية مباراة بين خصمين غير متكافئين، لأن ذلك غالباً ما سيصب في مصلحة الفريق الأضعف. وهنا يكمن دور علم النفس الرياضي الذي بيّن التطبيق العملي له أن العمل الجماعي للمنتخبات الأقل حظاً في الفوز تحقق من خلال "إدارة اللاعبين والمدربين معاً لهذه الفوضى الخلاقة في أرض الملعب"، إذ كان ذلك كفيلاً بتحسين الأداء استراتيجياً وتحقيق فوز غير متوقع على خصم قوي جداً.

أعصاب فولاذية

لتحقيق هذا الهدف، هناك عامل نفسي لا بد من توافره لدى جميع الرياضيين على أرض الملعب، وهو التمتع بأعصاب فولاذية. ومن الممكن أن يكون هذا العامل أدى إلى "تفوق" منتخبات صغيرة على فرق رياضية عريقة، إذ إنه يقود إلى الفوز النفسي في المباراة وحسم النتيجة بصورة مباغتة.

 

فمنتخب الرأس الأخضر المصنف 67 عالمياً في بداية البطولة تعادل مع إسبانيا المرشحة الأبرز للفوز باللقب وبنتيجة 0-0. وفي كأس العالم 2026 وضمن هذه المعادلة النفسية ذاتها شهدنا تعادل المغرب مع البرازيل، حاملة اللقب خمس مرات، وكذلك فوز أستراليا على تركيا في "مفاجأة مدوية" لبعض عشاق الكرة. ولذلك يقوم علم النفس الرياضي بدور حاسم في مثل هذه النتائج وهو الذي يحدد فوز أو تعادل أو خسارة فريق ما، فضلاً عن توافر العوامل الأساسية في كرة القدم وأهمها جودة اللاعبين والجهاز الفني وتحليل البيانات الرياضية.

مبادئ عدة

وضمن قراءة في أهم أحداث هذا المونديال، حدد بعض علماء النفس المعاصرين مبادئ نفسية حديثة عدة لتحقيق التفوق النفسي على الخصم في مباريات كرة القدم عموماً ومنافسات كأس العالم خصوصاً، لأن هذه المنافسات تأخذ طابعاً جماهيرياً كبيراً. ويمكن حصر هذه المبادئ في عوامل خمسة وهي أولاً تشتيت الخصم، ثم يأتي عامل التركيز الذهني، وبعده قدرة اللاعب على الاستكشاف الذهني النشط، ثم الإبداع التكتيكي وهو يعني التفكير الإبداعي على أرض الملعب، وأخيراً هناك عامل خارجي وهو عامل مرونة التحكيم في مباريات المونديال.

تشتيت الخصم

من المسلم به في جميع الرياضات، وبالتأكيد في كرة القدم الحديثة، أن الفريق "الفائز" سيستفيد أولاً من تشتيت تركيز خصمه، وتشمل أساليب التشتيت وفق أستاذ علم النفس العصبي لدى جامعة دريكسل في الولايات المتحدة إريك زيلر "المخالفات التكتيكية العنيفة والهجمات المرتدة السريعة التي تربك الخصم والكرات الثابتة الخادعة التي تحدث فوضى منظمة وأساليب الضغط العالي التي تجبر الخصوم على ارتكاب الأخطاء، إضافة إلى استفزاز لاعبي الخصم".

 

ومن خلال تطبيق هذه المبادئ، تمكن منتخب الرأس الأخضر من إرباك أسلوب لعب إسبانيا السلس خلال مباراته الافتتاحية في الـ15 من يونيو (حزيران) الجاري، لذلك "يُعد تعطيل تنظيم وإيقاع الفريق المنافس استراتيجية وتكتيكاً يتيحان فرصاً للتسجيل، إذ غالباً ما يستطيع الفريق القادر على تعطيل انسيابية الخصم قلب موازين القوى أو إحباط معنويات الفريق الآخر".

التركيز الذهني

في السياق ذاته وفي مقالة نُشرت أخيراً على موقع جامعة دريكسل ومواقع رياضية وعلمية أميركية وبريطانية، تساءل زيلر وهو اختصاصي نفسي سريري وشغل منصب المدير الرياضية الفخري في جامعة دريكسل بفيلاديلفيا ما بين أعوام 1998 و2021، عن كيفية استخدام لاعبين كبار مثل ميسي ومبابي وهالاند ذكاءهم إضافة إلى مهاراتهم لتحقيق التفوق النفسي في كأس العالم.

وسأل زيلر ضمن هذه المقالة أيضاً، لكن ما الذي يحدد فوز أو تعادل أو خسارة فريق ما؟ وأجاب "بالطبع، جودة اللاعبين والجهاز الفني لهما دور كبير. وأدت التطورات الحديثة في تحليلات البيانات الرياضية، بما في ذلك تحديد الموقع الجغرافي للاعبين في الوقت الفعلي، إلى اعتماد قرارات مبنية على البيانات أثناء المباريات. وتعتمد فرق كرة القدم بصورة متزايدة على البيانات الضخمة والخوارزميات التنبؤية لتحقيق التفوق".

وعلى رغم ذلك، قام علم النفس الرياضي بالدور الأهم بين كل هذه العوامل في كثير من المباريات، ولذلك يضيف زيلر "وهنا يأتي دوري في التحدث عن علم النفس الرياضي، إذ لدي شغف بالرياضة عموماً وكرة القدم خصوصاً، كونها اللعبة التي نشأت على ممارستها. وأيضاً بصفتي اختصاصياً نفسياً ورياضياً ومديراً لمختبر حلول القيادة الرياضية العالمية في جامعة دريكسل، فقد درست كيفية إدارة اللاعبين والمدربين للفوضى في الملعب لتحسين الأداء استراتيجياً وتحقيق الفوز".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعد ذلك أوجز زيلر بعض المبادئ النفسية الحديثة التي تُعد أساسية لجميع الفرق الـ48 المتنافسة في المكسيك وكندا والولايات المتحدة خلال بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026. ورتبها عبر خمس خطوات عدّها ركيزة للنجاح في كرة القدم عموماً، مؤكداً أن تشتيت الخصم هو أولها، ثم يأتي دور العامل الثاني وهو عامل التركيز أو الحضور الذهني.

ويُعد تسجيل الأهداف في كرة القدم الدولية أمراً صعباً، لذلك فإن المهاجم المتميز لا يقدر بثمن لأنه لا يمتلك فقط مهارات مراوغة استثنائية ومهارات فردية رائعة، بل يتمتع أيضاً بتركيز ذهني عالٍ جداً، كما أن التركيز الذهني يتطلب  من اللاعب وفق الأستاذ الجامعي كفاءة ذهنية عالية و"مواظبة للوصول إلى مواقع مناسبة للتسجيل".

وعن كل من اللاعب الإنجليزي هاري كين ومبابي وهالاند يقول زيلر "يشتهر هؤلاء اللاعبون بهدوئهم ومهاراتهم في التعامل مع الكرة، لكن ذكاءهم النفسي هو ما يميزهم. فمن أولى المهارات التي تتأثر بالضغط هي القدرة على التركيز. "فالمهاجم المثالي لا يتجمد"، ولذلك يمكن وصف أعصابه بـ"الأعصاب الفولاذية"، وهذا مجرد تشبيه يعبر عن القدرة على الانتباه المتعدد في آن واحد وبكفاءة عالية، إذ يحافظ مهاجمون مثل هاري كين (إنجلترا) وكيليان مبابي (فرنسا) وإيرلينغ هالاند (النرويجي) على تركيزهم التام تحت الضغط، ويركز كل منهم على اللحظة الحاسمة، كما أنهم ينتقلون بسلاسة بين المهمات الموكلة لهم.

الاستكشاف الذهني النشط

أطلق علم النفس الرياضي على مهارة اللاعب في الاستكشاف الذهني اسم حال "شرود الذهن المتحكم به"، وهي حال وصفها بعض علماء النفس بأنها نوع من "الانفصال التلقائي عن المحيط المباشر". وفي الرياضة ينظر إلى شرود الذهن غالباً على أنه أمر سلبي، لأن عدم الانتباه في لحظة حاسمة قد يؤدي إلى كارثة. لكن العلم يؤكد أنه من الصعب الحفاظ على التركيز لأكثر من 90 دقيقة خلال مباراة كرة قدم كاملة.

وفي هذا السياق، يقول زيلر إن "أدلة التصوير العصبي الحديثة تشير إلى أن الدماغ، في لحظات شرود الذهن، لا يكون في حال راحة على الإطلاق، بل يعالج المعلومات بطريقة مختلفة. لذا فإنه من الممكن علمياً أن يكون شرود الذهن المتحكم به الذي ينطوي على استكشاف ذهني نشط حتى لو لبضع ثوانٍ فقط سلوكاً صحياً ومفيداً للغاية في الرياضات التنافسية".

ميسي

"يبدو أن عقل ميسي قادر على فعل أشياء يعجز عنها كثير من خصومه، فهو يتمتع بمهارات إدراكية عالية المستوى". ومن وجهة نظر بعض المتخصصين في علم النفس الرياضي، فإن أفضل اللاعبين هم من يعرفون متى يركزون ومتى يتراجعون. وأحياناً يشيح اللاعبون بنظرهم عن الكرة ليستوعبوا مجريات المباراة من منظور أوسع.

وعندما تسنح لهم فرصة حاسمة للتسجيل، فإنهم يسترجعون كل تركيزهم. وفي هذا السياق أكد العلماء أنه عندما فحص الباحثون اتجاه نظر النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي، وجدوا أن عينيه غالباً ما تكونان بعيدتين من الكرة. وعلى رغم أنه من المتعارف عليه في كرة القدم أن التركيز على الكرة هو أمر أساس، تشير أبحاث جديدة إلى أن اللاعب المتفوق نفسياً قد يشتت انتباهه أيضاً ويشيح بنظره عن مجريات اللعب.

إبداع تكتيكي

يرتبط الإبداع التكتيكي في كرة القدم بإيجاد حلول على أرض الملعب لمواقف فردية أو جماعية معقدة. ويعتمد ذلك في الغالب على التفكير الإبداعي الذي غالباً ما يكون مفاجئاً ومبتكراً. ونتيجة لذلك أكد المتخصصون في علم النفس الرياضي تحول أسلوب اللعب في كرة القدم الاحترافية خلال العقود الأخيرة من نظام منظم يعتمد على الدفاع والاستحواذ، إلى أسلوب لعب حديث قائم على البيانات والارتكاز على العلوم الرياضية للضغط على الخصم في مناطق متقدمة من أرض الملعب.

عامل التحكيم

لا يغفل علم النفس الرياضي وجود عامل خطر في هذه المعادلة النفسية الدقيقة وهو عامل التحكيم، إذ تُعد كرة القدم من أصعب الرياضات تحكيماً. ولا يقتصر الأمر على ضرورة تمتع الحكام بلياقة بدنية ممتازة كما كان سابقاً، بل يجب عليهم أيضاً إدارة المباراة "عاطفياً" بصورة سليمة. ويؤكد علم النفس الرياضي أيضاً أن الحكام جزء لا يتجزأ من اللعبة النفسية في المباراة "سواء أرادوا ذلك أو لا".

اقرأ المزيد

المزيد من رياضة