ملخص
تروي في سياق حديثها إلى "اندبندنت عربية" أن هذا النوع من الدمى ممتلئ بالحنان والدفء، ولهذا نفضت الغبار عن كثير من الدمى القديمة وسعت إلى ترميم التالف منها أو المحطم بمرور الزمن، وبكثير من الاحترافية والدقة تمكنت من لفت الانتباه وبات لديها جمهور متنوع.
من منا لا تستعفه ذاكرته باستحضار حكاية الفتاة "سالي"، شخصية شهيرة من مسلسل كرتوني (إنتاج 1985) حين عاشت حياة مأسوية بعدما تحولت فجأة من تلميذة إلى خادمة في المدرسة ذاتها، وحدها الدمية الجميلة التي رافقتها طيلة رحلتها بثت لها ما تقاسيه من أوجاع وقاسمتها الدموع، وقبل ذلك شاطرتها الفرح والبهجة.
الحكاية الحزينة لـ"سالي" لم تكن الوحيدة، بل هي غيض من فيض شخصيات كرتونية حضرت خلالها الدمية سواء بثيابها الأنيقة، أو متواضعة الشكل والمظهر كشخصيات بارزة في كثير من الأعمال الدرامية الموجهة للأطفال، وحرصت أفلام "الإنمي" الدرامية الموجهة للأطفال على إبراز اللعبة القماشية المصنوعة يدوياً كرفيق وشريك حياة الفتيات.
كيف بدأ المشوار؟
في زمن تشتد المنافسة بين تطبيقات الألعاب الإلكترونية، أو الآلية التي خطفت أبصار الأطفال لعقود طويلة، تعود اليوم "اللعبة القماشية" تطل عبر الزي المزركش والأنيق من بوابة إعادة إحياء صناعة الدمى اليدوية التي اختفت منذ أعوام بعيدة.
"أنا أم لفتاتين إحداهن طلبت مني صناعة دمية تشبه إحدى الشخصيات الكرتونية المحببة لها، ومن هنا بدأت مشواري". بهذه الكلمات تسرد مدربة وصاحبة مشروع صناعة الألعاب القماشية، ميس الجندي حكاية تجربة امتدت لأعوام طويلة بغية إعادة إنعاش ذاكرة الأطفال مع ألعابهم الشعبية، لقد نجحت وقتها في هذا التحدي حين صنعت الأم بيدها دمية لابنتها بدءاً بإحضار القماش ومستلزمات العمل إلى حد تعلّم الخياطة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من هنا بدأ لدى الأم الشغف بصناعة دمى يرجع تاريخ صناعتها إلى الآباء والأجداد عندما صنعوا من القماش والصوف وغيرهما من مواد في متناول اليد ألعاب الترفيه لأبنائهم، وتروي في سياق حديثها إلى "اندبندنت عربية" أن هذا النوع من الدمى ممتلئ بالحنان والدفء، ولهذا نفضت الغبار عن كثير من الدمى القديمة وسعت إلى ترميم التالف منها أو المحطم بمرور الزمن، وبكثير من الاحترافية والدقة تمكنت من لفت الانتباه وبات لديها جمهور متنوع، فإضافة إلى إقبال الأطفال على امتلاك دمى من صناعتها، فإن كثيراً من السيدات يبعثون بألعاب قماشية قديمة لا يزلن يحافظن عليها من أجل إعادة إصلاحها.
وتصف الأم الجمهور المقبل على ترميم الألعاب القماشية بأنهم "أشخاص متعلقون بذكريات الماضي، ولديهم شخص عزيز عليهم يرتبط بتلك الدمية بصورة ما، ويريدون المحافظة عليها".
وتضيف "فكرة ترميم الدمية محببة إليّ بحد ذاتها، ونالت استحساناً لدى سيدات تواصلن معي داخل سوريا وخارجها من الإمارات والكويت ومن دول أوروبية عدة بغية إرسال دمى كانت لديهن بغية ترميمها".
وتتابع "كثير منها مصنوع من مادة (البورسلان) ودوري هنا ترميم الدمية بإعادة تأهيل الرأس أو قوام الدمية أو حتى يمكن تجديد شعرها بعد مرور أعوام طويلة، ومع تنفيذ ترميم الشعر يعود رونق اللعبة من جديد".
صناعة يديرها الحنين
في غضون ذلك تتوافد نساء وفتيات إلى صاحبة مشروع "دريم دول" كما سمته، وهي تصف مشروعها بـ"ترميم الذكريات"، وترد هذا الوصف إلى كون الدمى شهدت آلام الطفلة أو آمالها قبل أن تصبح سيدة، فهي ليست قطعة بلا إحساس بل ذكريات رافقتها عمراً.
وأضافت "أحب الناس الفكرة، حيث فتحت الصبايا خزائنهن الخاصة، وأخرجن تلك الألعاب ليعدن إليها بريقها، إنها دمى ظلت محبوسة في هذه الأمكنة قبل 10 أو 20 عاماً".
في الأثناء تتفق إحدى السيدات مع فكرة إحياء الألعاب إلى جانب صناعة ألعاب القماش وغيرها من المواد المنزلية المتوفرة. تقول رهام السيد "أعجبت بهذا المشروع، وأتوق إلى توسيعه من ورشة صغيرة إلى مشروع أكبر يوازيه تسويق هذه الألعاب لكلا الجنسين من الأطفال".
هذه التجربة التي يُنظر إلى بعدها الإنساني والاجتماعي المميز، تحمل أيضاً بُعداً تراثياً لإحياء هذا النوع من الأعمال اليدوية، علاوة على تشجيع الحرف اليدوية، والحفاظ عليها من الانقراض بعدما سيطرت الآلة على كل الأعمال، ولهذا انتقلت السيدة التي يفضل جزء من السيدات وصفها بـ"صانعة البهجة" نحو تدريب الفتيات على صناعة الدمى في أصعب الظروف، وبدأت عقد دورات لمتدربات مهتمات في سوريا وخارجها عن بعد.
تقول "اتجهت إلى تدريب البنات على صناعة الدمى بصورة يدوية، وخلال فترة الحرب لم يكن لدينا مكان لإقامة الدورات اللازمة، لهذا توجهت إلى إقامة دورات عن بعد، وبات لديّ طالبات من مختلف دول العالم، عربية وأوروبية، يبلغ عددهن ما يربو على مئة طالبة، منهن من نجح بصورة جيدة وأخذ يشق طريقه وأبدع في هذا المجال".
اللافت في قصة المدربة هو حديثها المليء بالشغف، فمع كل قطعة تصنعها لفتاة تحاول ملاحظة ردود فعل صاحبة الدمية، وسعادتها، وهذا ما ينسيها كل التعب الذي استغرق أياماً وأسابيع، ولكن النقطة الصعبة والقاسية التي تصفها بأنها "نقطة سلبية" هي أن الدمى التي تصنعها تتعلق بها بكل جوارحها، "عند بيعها أشعر بالحزن الشديد لأنها غادرت روحي ولن أستطيع مشاهدتها مجدداً".