ملخص
قبل ولادة مؤسسي "كالشي" و"بوليماركت" بزمن طويل، كان عدد من الاقتصاديين متحمسين لنهج جديد لمعالجة أحد أبرز عيوب البشرية وهو ضعف التنبؤ بالمستقبل
فكرة المراهنة على الأحداث المستقبلية ليست جديدة، لكن الإطار الحديث لأسواق التنبؤ، التي تديرها شركتا "كالشي" و"بوليماركت"، يعود إلى غداء ودي عام 1988 في مطعم "إيرلاينر" بمدينة آيوا.
هناك التقى ثلاثة اقتصاديين من جامعة آيوا، روبرت فورسايث وجورج نيومان وفورست نيلسون، لتناول الطعام وتبادلوا الشكاوى حول مدى خطأ استطلاعات الرأي في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي داخل ميشيغان في اليوم السابق، عندما اكتسح جيسي جاكسون منافسه مايكل دوكاكيس.
وفق شبكة "سي أن أن"، يتذكر فورسايث في مقابلة "قلنا نحن الثلاثة ’حسناً، لو أردنا التنبؤ بنتيجة الانتخابات، فماذا سنفعل؟‘". ويضيف "بصفتنا اقتصاديين، كان أول ما تبادر إلى أذهاننا هو لننشئ سوقاً".
وأطلق الثلاثة سوق "آيوا" السياسي، الذي يعرف الآن باسم أسواق "آيوا" الإلكترونية، كتجربة لمعرفة ما إذا كانت حكمة الجماهير تزداد دقة عندما يخاطر المشاركون بأموال حقيقية.
قبل ولادة مؤسسي "كالشي" و"بوليماركت" بزمن طويل، كان عدد من الاقتصاديين متحمسين لنهج جديد لمعالجة أحد أبرز عيوب البشرية وهو ضعف التنبؤ بالمستقبل.
ربما، كما ساد الاعتقاد، يمكن للسوق الحرة أن تسهم في حل هذه المشكلة، كان ذلك في أواخر الثمانينيات، ذروة سياسات "ريغان" الاقتصادية، وأليكس كيتون، وأفول الاتحاد السوفياتي، فما الذي عجزت الرأسمالية عن إصلاحه؟
40 عاماً على مشروع أكاديمي غامض
وهكذا وُلدت سوق التنبؤات الحديثة، لكن بعد مرور ما يقارب 40 عاماً على هذا المشروع الأكاديمي الغامض للاقتصاديين تبدو الصناعة المزدهرة التي أسهموا في إلهامها (تجارة بمليارات الدولارات تغذيها المراهنات الرياضية بصورة كبيرة)، مختلفة تماماً عما تخيله الاقتصاديون الثلاثة.
فقد صعبت القوانين المصممة للسيطرة الصارمة على المقامرة أو السلوكات الشبيهة بها عملية الانتقال من الأوساط الأكاديمية.
وفي عام 2008، وبعدما شعر 19 محللاً اقتصادياً بالإحباط من العقبات، قدموا رؤيتهم في ورقة بحثية نُشرت في مجلة "ساينس" بعنوان "وعد أسواق التنبؤ".
ونظراً إلى تطبيقاتها "غير المحدودة عملياً" للشركات وصناع السياسات، فقد رأوا أن هذه الأدوات التنبؤية الجديدة "يجب أن تحرر من القيود الحكومية غير الضرورية".
وجادلوا بأن على الجهات التنظيمية السماح بالعقود المتعلقة بأي حدث ذي أهمية اقتصادية، مثل الانتخابات، والأخطار البيئية، والسياسة النقدية، وغيرها.
منذ ذلك الحين، كان هناك عقود لأحداث شتى، صحيح أن الأسواق ليست كرات سحرية للتنبؤ بالمستقبل، وأن حكمة الجماهير قد تكون مضللة، إلا أنها حققت بعض النجاحات البارزة، كما حدث عندما تفوقت شركة "بوليماركت" على استطلاعات الرأي الرائدة وآراء الخبراء في توقع فوز دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية لعام 2024.
وقد دأب المتداولون على توقع مؤشرات اقتصادية رئيسة، مثل معدل التضخم في الولايات المتحدة وقرارات أسعار الفائدة الصادرة عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
لكن عندما وضع هؤلاء الاقتصاديون الـ19 السيناريو الذي رأوه مثالياً، فقد فعلوا ذلك مع مراعاة عدد من الضوابط.
فمن المفترض ألا تشمل الأسواق عقوداً على نتائج الأحداث الرياضية. وقد دعا الاقتصاديون إلى وضع حد أقصى للمبلغ الذي يمكن لأي شخص المراهنة به، بحيث لا يتجاوز مبلغاً معقولاً، ربما نحو 3000 دولار.
لكن مع ازدهار المراهنات الرياضية في أسواق التنبؤ، وغياب أي حد أقصى فعلي للرهانات، لم تسر الأمور كما كان متوقعاً.
قال أستاذ جامعة "ميشيغان" ومحلل بارز في أسواق التنبؤات، والمؤلف المشارك لدراسة نشرت عام 2008 جاستن وولفرز "هذا ليس المستقبل الذي كنا نأمله".
التداول مقابل المقامرة
في الوقت الحالي، تتركز الغالبية العظمى من عمليات التداول في أسواق التنبؤات الرائدة على الرياضة والثقافة الشعبية (رهانات على ركلات الترجيح في كأس العالم أو حفل زفاف تايلور سويفت وترافيس كيلسي) وهي رهانات، وإن كانت مسلية، إلا أنها ليست الأحداث "ذات الأهمية الاقتصادية" التي كان الاقتصاديون يقصدونها. وتعد الرياضة جانباً مثيراً للقلق بصورة خاصة لمتخصصي الصحة العامة.
خلال الشهر الماضي، شكلت أسواق المراهنات الرياضية، وخصوصاً الرهانات المتعددة التي تركز على الرياضة، نحو 84 في المئة من إجمال حجم التداول على منصة "كالشي"، أي ما يعادل 18.5 مليار دولار تقريباً، وفقاً لبيانات شركة الأبحاث "تيكر تراكر".
وأشار مسؤول في "كالشي"، إلى لوحة التحكم العامة الخاصة بالمنصة، إذ تشكل المراهنات الرياضية، باستثناء الرهانات المتعددة، نحو نصف حجم التداول على المنصة.
وتشير بيانات "تيكر تراكر" إلى أن أسواق المراهنات الرياضية، التي أطلقت في مايو (أيار) الماضي، شكلت نحو 99 في المئة من إجمال حجم التداول على موقع "بوليماركت" الموجه للولايات المتحدة، والذي أُطلق في مايو الماضي، أي ما يعادل 2.1 مليار دولار تقريباً.
أما على موقع "بوليماركت"، الدولي الأوسع نطاقاً، فيمثل متوسط حجم التداول السنوي للمراهنات الرياضية أقل من 50 في المئة من الإجمالي.
وتؤكد كل من شركتي "كالشي" و"بوليماركت" أن التداول على منصتيهما يختلف عن المقامرة. فهما تقدمان "عقوداً" خاصة بالأحداث لا تختلف هيكلياً عن تداول العقود الآجلة للسلع.
وعلى عكس الكازينوهات أو مكاتب المراهنات الرياضية، لا تمتلك الشركتان "جهة وسيطة" أو وكيل مراهنات لتحديد احتمالات الفوز وإدارة الرهانات.
عملياً، لا يختلف شراء "سهم" يشير إلى فوز فريق نيويورك نيكس ببطولة الدوري الأميركي لكرة السلة للمحترفين على منصتي "كالشي" أو "بوليماركت"، عن المراهنة على منصات المراهنات مثل "فاندويل" أو "درافت كينغز".
ولأن القانون الأميركي لا يعامل العقود المالية معاملة المراهنات، فإن أسواق التنبؤ متاحة لأي شخص يزيد عمره على 18 سنة.
3 اقتصاديين وراء فكرة المراهنات في عام 1988
بصورة عامة، المراهنة على الأحداث المستقبلية ليست جديدة، لكن الإطار الحديث لأسواق التنبؤ التي تديرها "كالشي" و"بوليماركت"، يعود إلى غداء ودي عام 1988 في مطعم "إيرلاينر" بمدينة آيوا.
فهناك التقى ثلاثة اقتصاديين من جامعة آيوا هم روبرت فورسايث وجورج نيومان وفورست نيلسون لتناول الطعام، وتبادلوا الشكاوى حول مدى خطأ استطلاعات الرأي في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي داخل ميشيغان في اليوم السابق، عندما اكتسح جيسي جاكسون منافسه مايكل دوكاكيس.
وفق شبكة "سي أن أن"، يتذكر فورسايث في مقابلة "قلنا نحن الثلاثة، حسناً، لو أردنا التنبؤ بنتيجة الانتخابات، فماذا سنفعل؟".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأطلق الثلاثة سوق "آيوا" السياسي، الذي يعرف الآن باسم أسواق "آيوا" الإلكترونية، كتجربة لمعرفة ما إذا كانت حكمة الجماهير تزداد دقة عندما يخاطر المشاركون بأموال حقيقية.
بمشاركة 200 متداول فحسب من موظفي الجامعة (وبحد أقصى للرهانات 500 دولار)، تنبأ سوق "آيوا" بدقة بفوز جورج بوش الأب بنسبة 53.2 في المئة من الأصوات الشعبية. وكانت توقعات "دوكاكيس" خاطئة بفارق طفيف (45.2 في المئة مقابل النسبة الفعلية البالغة 45.4 في المئة).
جمع المعلومات يظل على رأس التحديات
لا يزال فورسايث مثله مثل عدد من الاقتصاديين الذين يؤمنون بالفائدة الأساس لأسواق التنبؤ. حتى وولفرز، الذي يعد على الأرجح الأكثر صراحة في شأن الأضرار الناجمة عن مواقع مثل "كالشي" و"بوليماركت"، لا يزال متمسكاً بالفرضية الأساس.
يقول وولفرز "تكمن إحدى المشكلات الاقتصادية الجوهرية في كيفية تجميع المعلومات... كنت أعتقد حينها، ولا أزال أعتقد، أن الأسواق وسيلة فعالة للغاية لتحقيق ذلك... معظم البدائل سيئة للغاية، ويبدو أن الأسواق أقل سوءاً".
يشير الاقتصاديون أيضاً إلى المزايا المحتملة في توقع طلب العملاء، ففي وقت سابق من هذا الشهر، أطلقت إحدى حانات مانهاتن عرضاً ترويجياً يعد بتقديم مشروبات مجانية للزبائن في حال فوز فريق "نيويورك نيكس" بالمباراة الأولى من نهائيات الدوري الأميركي لكرة السلة للمحترفين.
وكإجراء احترازي، راهنت الحانة بمبلغ 5000 دولار على فوز "نيكس"، مما درَّ عليها ربحاً صافياً قدره 8000 دولار، أي ما يقارب تغطية فاتورة المشروبات.
بل قد تسهم الأسواق في مكافحة المعلومات المضللة. فقد وجد باحثون من جامعة كولومبيا، أن المشاركة في "سوق التنبؤ بالمناخ" حفزت المتشككين على التعرف على علوم المناخ ودعم السياسات الصديقة للمناخ في نهاية المطاف. قال الباحثون لمجلة "إنسايتس" التابعة لجامعة كولومبيا "عندما يضع الناس أموالهم على المحك، فإنهم يميلون إلى الاعتماد بصورة أكبر على الحقائق".
ارتفاع حالات التخلف عن سداد القروض
لقد تحقق، بصورة أو بأخرى، حلم الاقتصاديين بسوق معلوماتية عالية السيولة، مع بعض التحفظات.
ويقول مؤلف كتاب "الجميع خاسر" داني فانت، الذي يؤرخ لازدهار المراهنات الرياضية في أميركا "تتزايد الأدلة بصورة لا ينكرها على ارتفاع معدلات الإدمان، خصوصاً بين الشباب".
ويرى أنه لم تجر دراسة وطنية شاملة حول انتشار المقامرة منذ أكثر من 25 عاماً، لكن دراسة أجراها بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك في مارس (آذار) الماضي، وجدت أن حالات التخلف عن سداد القروض، وخصوصاً بين الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 40 سنة، قد ارتفعت بصورة كبيرة في أكثر من 30 ولاية شرَّعت المراهنات الرياضية منذ عام 2018، عندما ألغت المحكمة العليا الحظر الفيدرالي.