ملخص
أصبحت الوصفات الطبية العشوائية أسرع انتشاراً من تلك المعلومات الطبية الدقيقة، ويعود ذلك لأسباب عدة، أهمها سهولة الوصول ونشر المعلومة من قبل أي شخص، من دون حماية أو تصفية لما ينشر فيها، وتقوم اليوم بعض الجهات بمتابعة ذلك، كل جهة بما يخصها، وأيضاً يوجد هناك عدم كفاية في هذه المتابعة، وما زالت تنتشر معلومات مغلوطة أو غير دقيقة
كثيراً ما كان المثل الشعبي "اسأل المجرب ولا تسأل الطبيب" وسيلة لإرضاء الضمير لدى البعض بعد اتباع نصيحة من غير متخصص ليقنع نفسه أنه على طريق الصواب. اليوم يتحول هذا المثل من مجرد مأثور شعبي إلى محرك لثقافة تقلل من دور الطبيب المتخصص وتخفف عناء البحث عن مصدر موثوق غير "المجرب"، جعلت هذه الثقافة المريض يرغب في الحلول السريعة أو الهرب من عناء المراجعات الطبية، ليتعلق بأي قشة تمنحه أملاً في الشفاء أو التغيير.
ينشر المجربون أو تحت مسمى مجرب أو صديق مجرب نصائح طبية ذات دراسة ضعيفة لأهداف مختلفة في منصات التواصل، سواء لجلب مشاهدات أو حتى لإعلان غير مباشر، لم تقتصر على الترويج، بل تجاوز ذلك بث تحذيرات عشوائية من إجراءات طبية حيوية بنتها تجارب شخصية فردية، مما تسبب في إرباك خطط علاجية لمجرد "تغريدة" أو "فيديو" حصد ملايين المشاهدات والمفارقة الكبرى التي تكشف عنها استطلاعات الرأي الحديثة، هي أن معظم مستخدمي هذه المنصات يمتلكون ثقة عمياء في قدراتهم الذاتية على فرز الصواب من الخطأ وتمييز المعلومة الزائفة، معتمدين على "منطقية الطرح" أو حجم التفاعل والتعليقات، وهو ما يفسر تراجعهم عن التحقق عبر الأطباء أو المصادر الرسمية، ليقعوا ضحية لخلط رقمي وتضليل تفاقم مع دخول أدوات الذكاء الاصطناعي في صياغة المحتوى الطبي.
ليس الترويج فقط، بل حتى التحذيرات مغلوطة
لا تقتصر المعلومات الطبية المغلوطة على الترويج لدواء أو نظام معين فقط، بل هناك من ينشر تحذيرات من إجراءات طبية بناءً على تجارب شخصية وحالات صحية خاصة.
يذكر الكاتب المتخصص في الشأن الصحي محمد السنان من واقع المتابعة للأخبار والبيانات الصحية خلال السنوات الأخيرة أن التنبيهات تكررت من الجهات المعنية في أكثر من حادثة بالتحذير من معلومات مغلوطة، وينقسم ذلك إلى نوعين، النوع الأول هو معلومات تحث على اتباع تعليمات وإجراءات معينة مثل نظام غذائي معين أو استخدام إبر غير مرخصة من هيئة الغذاء والدواء بالسعودية، وغيرها من الأمور التي قد تؤثر بصورة سلبية جداً على صحة الإنسان ودخوله للمستشفى والعناية المركزة في بعض الأحيان، وشهدت السعودية مراجعات للمستشفيات بهذا السبب بصورة متكررة. أما النوع الثاني فهو التحذير من إجراءات طبية مهمة للعلاج أو تحذير المجتمع من أدوية معتمدة وتساعد على التحسن. ويتابع السنان، "هذه الممارسة أتذكرها لأحد مشاهير التواصل الذي حذر من خطورة صبغة الأشعة بناءً على حال واحدة كان لها ظروف خاصة جداً، وتسبب في رفض عدد من المرضى لهذا الإجراء التشخيصي المهم، مما تسبب في ضعف التشخيص الدقيق، بالتالي التأثير في الخطة العلاجية".
الاستناد إلى أبحاث ضعيفة بهدف الترويج
أصبحت الوصفات الطبية العشوائية أسرع انتشاراً من تلك المعلومات الطبية الدقيقة، ويعود ذلك لأسباب عدة، أهمها سهولة الوصول ونشر المعلومة من قبل أي شخص، من دون حماية أو تصفية لما ينشر فيها، وتقوم اليوم بعض الجهات بمتابعة ذلك، كل جهة بما يخصها، وأيضاً يوجد هناك عدم كفاية في هذه المتابعة، وما زالت تنتشر معلومات مغلوطة أو غير دقيقة.
يشير السنان إلى أن البعض أخذهم الانجراف وراء الانتشار والشهرة، فتجده يستند إلى أبحاث ضعيفة ليروج لرأي يعد شاذاً طبياً بمخالفته العرف الطبي والبراهين المعتمدة من الجهات المتخصصة، وسبب انتشار هذه المعلومات الأول هو الانجراف وراء أضواء الشهرة، والسبب التالي هو الترويج والاستفادة من بيع وتسويق منتجات غير مرخصة أو معتمدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وذكر استشاري السكري والغدد الصماء الدكتور محمد السفياني عبر حسابه في منصة "إكس" أن التمييز بين المعلومة الطبية الصحيحة والمعلومة المغلوطة أصبح في غاية الصعوبة، خصوصاً مع سهولة تأليف المحتوى الطبي باستخدام الذكاء الاصطناعي ونشره على شكل تغريدات "تثقيفية" أو محاضرات "علمية"، والمتضرر الأكبر هو الباحث عن المعلومة غير المتخصص، وكذلك الطالب والمتدرب الصحي.
حلول السمنة أرض خصبة للإشاعات الرقمية
الرغبة في الحلول السريعة هي المحرك الأساس وراء تصديق الناس لهذه الخرافات الرقمية. ويقول السنان إن أصدق مثال لهذا الأمر هو السمنة والبحث عن حلول سريعة لإنقاص الوزن، وتم استغلال هذا الجانب للترويج لأمور عدة أولها العمليات الجراحية ثم الإبر والأدوية التي تساعد على إنقاص الوزن، ثم الأعشاب والمستحضرات الطبيعية، وكأنها أصبحت اليوم ذريعة لنشر وتسويق أي أمر بأن نقول يساعد على إنزال الوزن.
ويضيف "الطبيعي أن نجد المريض يتعلق بقشة من الغرق في المرض ومضاعفاته أمام استعصاء علاج بعضها إلى الآن في الطب الحديث، فيتم اللجوء لأي سبب قد يكون علاجاً أو تخفيفاً للمعاناة والألم".
يظهر أحدث استطلاع رأي أجرته مؤسسة "KFF" الأميركية المتخصصة في استطلاعات الرأي الصحي في يونيو (حزيران) الجاري أن حاجة الأشخاص إلى الاندماج مع مجتمع يشابههم بالمشكلة أو الحالة الصحية والاطلاع على تجارب مماثلة أحد دوافع اللجوء إلى وسائل التواصل، ويمثلون ثلث مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بنسبة 36 في المئة.
وهم القدرة على تمييز المعلومات المزيفة
أشار الاستطلاع نفسه إلى أن معظم مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي يثقون بقدرتهم على تمييز المعلومات الصحيحة من الخاطئة، ولعل هذا ما يفسر قلة من يتخذون خطوات للتحقق من صحة المعلومات من طبيب أو أي مصدر آخر.
وتبرر نورة عبدالكريم لجوءها إلى هذا النوع من المصادر الطبية، وتقول "أنا بطبعي لا أحب تضخيم أي مشكلة صحية أمر بها وأقوم بزيارة الطبيب، وهذا الأمر جعلني قادرة على تمييز ما يناسب جسدي وما يضره، فقد صرت أفهم طبيعتي جيداً من خلال معالجتي لنفسي ومراقبتي لأعراضي لفترة طويلة. أما عن معايير ثقتي بصانع النصيحة الطبية على منصات التواصل، فالأمر يعتمد لديَّ على مدى منطقية الكلام وقدرته على إقناعي بأدلة وإثباتات تبدو واضحة، إضافة إلى رؤية فئة كبيرة من الناس متفقين معه في التعليقات، إضافة إلى أن لأسلوب الطرح وآراء هذا الشخص السابقة ومدى عقلانيتها دوراً كبيراً في جعلي أطمئن للمعلومة وأطبقها دون تردد".
ويقول السنان إن درجة الوعي يجب أن تكون عالية لدى المجتمع وعدم تقبل أي معلومة ما لم تعلنها أو تؤيدها الجهات المتخصصة أو الكيانات العلمية المعتبرة، مثل الجمعيات العلمية والجامعات المعتمدة، ويجب أن نركز على أن أي إجراء طبي لا بد أن يكون معترفاً به في البروتكولات العلاجية بالسعودية، وهذا يتضح لنا عند تطبيقه في المستشفيات المعتمدة في السعودية، وأيضاً عدم استخدام أي منتج أو مستحضر إلا بعد اعتماده وترخيصه من هيئة الغذاء والدواء بالسعودية، حتى وإن تم ترخيصه في دول أخرى فهذا لا يعني مأمونيته للاستخدام في السعودية.