ملخص
تترقب الأسواق خطاب آندي بيرنهام المرتقب وسط توقعات بإعادة النظر في سياسات الطاقة البريطانية، بخاصة بعد تراجع إنتاج بحر الشمال. ويواجه زعيم العمال المحتمل ضغوطاً متزايدة لتحقيق التوازن بين أهداف المناخ، وأمن الطاقة، وحماية الوظائف في قطاع النفط والغاز.
تنتظر الأسواق والمستثمرون وقطاعات الأعمال كلمة مهمة سيلقيها النائب البريطاني آندي بيرنهام الأسبوع المقبل، يُتوقع أن تتضمن الخطوط العريضة لسياسته الاقتصادية والمالية إذا أصبح زعيماً لحزب "العمال" الحاكم ورئيساً للوزراء.
ومنذ فوز بيرنهام بعضوية البرلمان في الانتخابات التكميلية بدائرة ماركفيلد شمال إنجلترا قبل أيام، وإعلان رئيس الوزراء كير ستارمر الاستقالة وترك منصبه ما إن يختار الحزب زعيماً جديداً، والكل يعتبر آندي بيرنهام رئيس وزراء بريطانيا المقبل، ربما بعد أسابيع قليلة.
وعلى رغم الترقب الحذر من الأسواق في شأن توجهات بيرنهام، التي يُخشى أن تأخذ الحزب وسياسات الحكومة نحو اليسار، إلا أن هناك تفاؤلاً بأن سياسات بيرنهام ستختلف عن سياسات ستارمر التي كانت سبباً في الهزيمة الكبيرة للحزب في الانتخابات المحلية الشهر الماضي.
كان أول تصريح للرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد إعلان استقالة ستارمر انتقاده لسياسة رئيس الوزراء البريطاني التي عطلت إنتاج النفط والغاز من بحر الشمال.
ثم، في أول رد على سؤال حول آندي بيرنهام كخليفة محتمل لستارمر، قال ترمب إنه يسمع عنه أنه "ليبرالي جداً"، ولا يعرف إذا كان سيعيد نشاط إنتاج النفط والغاز من بحر الشمال أم لا.
لكن الموقف من إنتاج بريطانيا للنفط والغاز من بحر الشمال ليس فحسب قلقاً أميركياً، إنما هو قضية داخلية تتعلق بعدد كبير من الوظائف للبريطانيين في قطاع الطاقة، خصوصاً في اسكتلندا.
معضلة بحر الشمال
يرى كثير من المحللين والمراقبين أن أمام آندي بيرنهام فرصة لتغيير سياسة حكومة العمال التي طبقتها حكومة كير ستارمر، وأدت إلى انهيار إنتاج بريطانيا من النفط والغاز وزيادة وارداتها من الطاقة، بما أثقل كاهل الموازنة العامة، خصوصاً خلال أزمة حرب إيران الأخيرة.
وفي تصريح لشركة S&P Global Platts لمعلومات الطاقة، قال الرئيس التنفيذي لمجموعة Offshore Energies UK، إن "الوقت قد حان لإعادة ضبط سياسة الطاقة، وهو وقت لا تغير فيه الحكومة سياساتها فحسب بل ورسالتها (لقطاع الطاقة) أيضاً، وأن تقدر جهود الناس الذين يحرصون على توفير الطاقة لهذا البلد".
لم يبدِ بيرنهام أي إشارة إلى تغيير سياسة الحكومة في شأن نفط وغاز بحر الشمال، لكن ترشيحات حكومته المتوقعة قد تمثل إشارة إلى السياسة التي سيتبعها.
ومن المنتظر معرفة مصير اثنين من الوزراء كان لهما الدور الأكبر في انهيار نشاط التنقيب والإنتاج والاستثمار في بحر الشمال خلال العامين الأخيرين.
الوزيران هما وزير الطاقة إد ميليباند ووزيرة الخزانة راشيل ريفز، مع أن التكهنات حول حكومة بيرنهام، التي بدأت بالفعل، تتحدث عن احتمال تولي ميليباند وزارة المالية.
وكانت حكومة ستارمر قد واصلت سياسة فرض ضريبة إضافية، "رسوم أرباح الطاقة"، على شركات الطاقة ورفعتها أكثر، ووصلت نسبة الضرائب على الشركات العاملة في بحر الشمال إلى 78 في المئة.
يذكر أن إد ميليباند من أشد المتحمسين لسياسة "صفر كربون"، وكل جهده منذ تولي حزب "العمال" الحكم عام 2024 هو تقليل الاعتماد على النفط والغاز لمصلحة مصادر الطاقة المتجددة.
ونتيجة تلك السياسة، خرجت بعض الشركات من بحر الشمال وقلصت أخرى أعمالها هناك، ما أدى إلى تراجع هائل في إنتاج بريطانيا من النفط والغاز وزيادة اعتمادها على الاستيراد.
اختبارات الطاقة
سيكون الاختبار الأهم لحكومة آندي بيرنهام المتوقعة، في غضون أسابيع، هو الموافقة على ثلاثة مشروعات طاقة في بحر الشمال.
تلك المشروعات التي تنتظر الموافقة الحكومية هي مشروع "كامبو" لشركة Ithaca Energy لإنتاج 44 ألف برميل يومياً من مكافئ النفط، ومشروع "روزبانك" للتطوير النفطي لتحالف Shell وEquinor لإنتاج 70 ألف برميل يومياً، وحقل الغاز التابع لتحالف شركة "شل" وشركة "جاك دو".
لم يصدر إد ميليباند موافقة على تلك المشروعات، التي يرى منتقدوها من أنصار البيئة أنها لن تسهم في خفض أسعار الكهرباء والغاز للمواطنين، بينما يصر مؤيدوها على أهمية تلك المشروعات لأمن الطاقة السيادي لبريطانيا.
ويقول ديفيد وايتهاوس إننا "اليوم نستورد مشتقات مثل الديزل ووقود الطائرات المكررة من نفط روسي، بينما نفشل في دعم مصادرنا السيادية للنفط والغاز. وهذا أمر ليس فحسب متناقضاً، بل هو خطأ". ويضيف أنه "في وقت عدم اليقين العالمي غير المسبوق، فإن المسألة واضحة أن تكون الأولوية لإنتاج الطاقة بكل أشكالها محلياً، ودعم توفير الوظائف في بريطانيا، وزيادة القيمة المضافة داخلياً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هناك ضغط من الأجنحة النقابية في حزب "العمال" لعدم تولية إد ميليباند وزارة الخزانة، وحذرت الأمينة العامة لنقابة Unite the Union شارون غراهام بيرنهام من تعيين ميليباند وزيراً للمالية، لأن إصراره على الوصول إلى أهداف "صفر كربون" يهدد الوظائف في شمال شرقي اسكتلندا.
وفي مقابلة مع صحيفة The Observer، أشارت إلى أن ميليباند في الحكومة سيكون "عقدة خانقة لما نريد أن نحققه بالنسبة لتوفير الوظائف".
وأضافت أن الإصرار على استبدال الوقود الأحفوري بالطاقة النظيفة يعني أن ميليباند يريد "التخلص من سبيل قبل التمكن من سبيل آخر".
هناك اعتقاد بأن آندي بيرنهام يناقش هذه القضايا بالفعل مع إد ميليباند، حتى قبل بدء عملية اختيار زعيم جديد للحزب ورئيس للوزراء خلفاً لكير ستارمر.
ويرى أغلب المعلقين أن توجهات بيرنهام في شأن سياسات الطاقة، بخاصة إنتاج النفط والغاز من بحر الشمال، تختلف كثيراً عن قناعات ميليباند. ويدرك بيرنهام أهمية إحياء قطاع الطاقة، خصوصاً في بحر الشمال، كقضية محلية تتعلق بالتوظيف أيضاً.
خيارات صعبة
في الوقت الذي فاز فيه بيرنهام بالانتخابات التكميلية في دائرة ماركفيلد في وقت سابق من هذا الشهر، فاز مرشح حزب "المحافظين" المعارض، الذي تتزعمه كيمي بادنوك، بانتخابات مماثلة في دائرة جنوب أبردين باسكتلندا. وكانت الحملة الانتخابية للمحافظين تركز أساساً على قطاع النفط والغاز.
وبعد الفوز، قالت بادنوك إن الانتخابات "كانت تدور حول الوظائف في كل أنحاء البلاد، ولكن بصورة خاصة حول الوظائف في قطاع النفط والغاز"، وأضافت أنه "لن يتم تجاهل أبردين، ولن يتم تجاهل القطاع (النفط والغاز)".
بل إن زعيم حزب المحافظين في اسكتلندا راسل فيندلاي قال إن نتيجة الانتخابات كانت "استفتاءً حول النفط والغاز".
ويعني ذلك أن جمهور الناخبين يشهد تحولاً في مزاجه في شأن الطاقة، بعيداً من أهداف "صفر كربون" ونحو الوقود الأحفوري مثل النفط والغاز، وذلك ما يضع آندي بيرنهام أمام خيارات صعبة بالنسبة لسياسات الطاقة التي تتبناها حكومته المحتملة.
فإنتاج بريطانيا من النفط والغاز يشهد تدهوراً مضطرداً في السنوات الأخيرة، وهوى إنتاج بريطانيا النفطي من 2.6 مليون برميل يومياً عام 1999 إلى 583 ألف برميل يومياً فحسب في مارس (آذار) الماضي، بحسب الأرقام الرسمية من وزارة الطاقة.
وهبط إنتاج الغاز الطبيعي إلى 29.68 مليار متر مكعب في العام الماضي 2025، مقابل طلب على الغاز عند 60 مليار متر مكعب، بحسب بيانات الوزارة. وأدى ذلك إلى زيادة اعتماد بريطانيا على استيراد الغاز عبر خطوط الأنابيب من النرويج.
تبقى مشكلة حكومة آندي بيرنهام المتوقعة أنها ملزمة بالبيان الانتخابي لحزب "العمال" الذي فاز على أساسه بالانتخابات قبل عامين، وبالتالي، قد لا يكون سهلاً على الحكومة المقبلة فتح بحر الشمال على مصراعيه أمام شركات النفط والغاز. إنما هناك خيارات متاحة، مثل خفض ضريبة أرباح الطاقة والعودة إلى الموافقة على تصاريح التنقيب والإنتاج.