ملخص
انكسر جدار صمته عندما احتضن أرنباً.... في خيام غزة المظلمة، تولد مبادرة "صديق الحيوان" كأول برنامج للعلاج بالكائنات الأليفة المنقذة من تحت الركام. طيور وأرانب تداوي "الخرس الارتكاسي" والتروما المركبة لأطفال عصف بهم جحيم الحرب.
تحت سقف لدن من البلاستيك المهترئ، في خيمة نزوح موقتة نُصبت فوق رمال غزة، تجلس الطفلة ريم في حلقة دائرية تضيق بالصغار، تقبض بيدين مرتعشتين على أطراف ثوبها، ونظراتها معلقة بالفراغ وجسدها النحيل الذي ينتفض عندما تسمع ضجيج الطائرات الحربية في السماء، يروي قصة خوف مرير بات يسكن تفاصيل حياتها.
خارج الخيمة البلاستيكية تضج أجواء غزة بصوت أزيز طائرات الاستطلاع والمقاتلات الإسرائيلية التي لا تغادر السماء، وتترك في نفوس سكان القطاع خصوصاً الأطفال حالة صعبة تذكرهم بمأساة النزوح المستمر وفقدان الأمان.
لكن في داخل الخيمة المهترئة، يتبدل المشهد فجأة عندما يحط ببغاء ذي ريش أخضر قرمزي ملون على كتف ريم الصغيرة، في تلك اللحظة الخاطفة، يتوقف ارتعاش جسدها وتتحول نظرتها المتجمدة إلى دهشة بريئة تخالطها ابتسامة خجولة ولِدت من رحم الركام.
إنقاذ بواسطة الببغاء
تمد ريم أصابعها بحذر شديد لتمسح على ريش الطائر الأليف، وكأنها تبحث من خلال ملمسه الدافئ عن واحة أمان تفصلها ولو لدقائق عن واقع الموت والدمار الذي يحيط بها في غزة من كل جانب.
بين وعيد الطائرات خارج الخيمة، والهدوء الذي يبعثه الطائر الملون في الداخل، تتجسد واحدة من أكثر مبادرات الدعم النفسي إنسانية وواقعية في القطاع، حيث يلتقي أطفال فقدوا بيوتهم وعائلاتهم بكائنات أليفة مشردة هي الأخرى جراء القصف.
في الحلقة العلاجية الدائرية، يراقب عشرات الأطفال بحبس أنفاسهم حركات الببغاء والحيوانات الصغيرة الموجودة في الخيمة، لتتحول هذه الكائنات إلى نافذة إنقاذ عاطفية يحاول من خلالها المتخصصون النفسيون ترميم الجراح الغائرة في نفوس جيل كامل عصف به اضطراب ما بعد الصدمة.
"صديق الحيوان"
في خيام بلاستيكية مهترئة وسط قطاع غزة انطلقت مبادرة "صديق الحيوان"، من رحم المعاناة كأول برنامج منظم للعلاج بمساعدة الحيوانات" وجاءت وسط ظروف الحرب المستمرة لتقلل من حدة الصدمات النفسية التي تلقي بظلال قاسية على الأطفال.
يقود المبادرة الأخصائي النفسي والمجتمعي الفلسطيني رشيد عنبر، بالتعاون مع فرق طبية وبيطرية ميدانية، لتشكل جسراً حقيقياً للتعافي النفسي مستخدمة كائنات أليفة جرى إنقاذها هي الأخرى من تحت ركام البيوت المقصوفة.
يقول عنبر، "تهدف هذه الخطوة المبتكرة إلى توظيف الروابط الفطرية بين الطفل والحيوان كأداة لكسر حواجز الصمت والألم النفسي والحد من نوبات الذعر المزمنة، إنها خطوة تتجاوز حدود الترفيه التقليدي، وهي محاولة لمحو الندوب العميقة التي تركتها آلة الحرب في نفوس أشد الفئات هشاشة في القطاع".
في خيمة "صديق الحيوان"، يلتقي طرفان يتشاركان ذات المصير وذات الندوب التي خلفها القصف، حيوانات أليفة مشردة مرعوبة فقدت ملاذها وأصحابها تحت الأنقاض، وأطفال نازحون سُلبت منهم طفولتهم ويبحثون في عتمة الحرب عن أمان مفقود.
يضيف عنبر، "في هذا اللقاء الاستثنائي وسط الجحيم نصنع مساحة تعاف متبادلة، حيث يواسي كل منهما الآخر بصمت، يمنح الحيوان الخائف للطفل المفزوع حباً غير مشروط وأماناً فطرياً، في حين يجد الطفل في رعاية هذا الكائن الضعيف دافعاً لاستعادة إنسانيته ومسؤوليته".
جميع الأطفال يعانون
بسبب الحرب، تتجاوز المشاهد اليومية في مخيمات غزة حدود الوصف، إذ دخلت الحالة العامة للسكان في تصنيف "الكارثة النفسية الشاملة" التي لا يمكن استيعاب عمقها إلا بتفكيك الأرقام الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).
تفيد "اليونسيف" بأن جميع الصغار ويقدَّر عددهم بأكثر من مليون طفل في غزة باتوا بحاجة ماسة وعاجلة لتدخلات الدعم النفسي والاجتماعي جراء الصدمات العصبية المتلاحقة التي عايشوها.
هذه النسبة المفزعة تعني أن رقعة التروما لم تترك طفلاً واحداً من دون ندوب غائرة، وفي مسح "اليونيسف" تبين أن 96 في المئة من الأطفال يسيطر عليهم شعور دائم وجارف بالخوف المستمر من الموت الوشيك، حيث تلازمهم حالة الرعب مع كل حركة لطائرات الاستطلاع أو القذائف المدفعية.
شخصت "اليونيسيف" أن 61 في المئة من المراهقين واليافعين يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة الحاد والمزمن، وهي نسبة تفوق بمراحل المعدلات المسجلة في أعتى النزاعات المسلحة حول العالم.
هذه الأرقام تتجسد داخل خيام النزوح على شكل آثار قاسية، يصفها الأخصائيون بأنها "تروما مركبة ومتجددة"، يقول مدير قسم الاتصالات في "اليونيسف" جوناثان كريكس إن "الطفل في غزة يعيش الصدمة ويعاد صدمه مجدداً من دون مساحة آمنة للتعافي، وقد سجلت الطواقم الطبية تفشياً قياسياً لحالات الصمت الاختياري وهو ما يعرف بالخرس الارتكاسي بين الأطفال، إذ يترجم الصغار عجز عقولهم عن استيعاب مجازر الفقد ورؤية أشلاء عائلاتهم عبر فقدان القدرة على النطق تماماً والانعزال التام".
ويضيف، "الأطفال الذين قابلتهم ميدانياً تظهر عليهم أعراض مفزعة، مثل مستويات عالية للغاية من القلق المستمر وفقدان الشهية وعدم القدرة التامة على النوم فضلاً عن مرورهم بنوبات اهتياج عاطفي حاد أو ذعر هستيري في كل مرة يسمعون فيها صوت القصف".
يوضح كريكس أن خلف كل رقم من هذه الإحصائيات، طفل يحاول التكيف مع واقع جديد مرعب بعدما فقد عائلته أو أحد أطرافه، مشيراً إلى أن الصحة النفسية لأطفال غزة تضررت بصورة مدمرة وغياب أي مكان آمن يعني أن آليات التكيف النفسي الطبيعية لدى هؤلاء الصغار قد تحطمت بالكامل.
المشروع القديم يتحول لمبادرة
من رحم التدمير الممنهج للمنظومة النفسية للأطفال، لم يكن يتوقع الأخصائي العلاجي والنفسي رشيد عنبر أن شغفه القديم وثقافته في الرفق بالحيوان ستتحول وسط أزيز القذائف إلى طوق نجاة نفسي لآلاف الصغار.
قبل الحرب، كان يدير بجهود ذاتية مبادرة "صديق الحيوان" التطوعية لتعليم أطفال المدارس ورياض الأطفال كسر حواجز الخوف عبر رعاية الكائنات الأليفة، ولكن بغارة جوية إسرائيلية واحدة، تحول منزله ومملكته الصغيرة إلى حطام، وفقد معها حديقته وحيواناته التي اعتبرها يوماً جزءاً من عائلته.
عندما وجد شوارع النزوح تضج بكائنات أليفة منزلية مهجورة مصابة وجائعة، استرجع عنبر ذكريات مبادرته، يقول "خلال نزوحنا عثرت على عديد من الحيوانات الأليفة المتروكة في الشوارع، بالنسبة لي كان بقاؤها هناك يعني نفوقها حتماً لكونها غير معتادة على حياة التشرد. من هنا ولدت الفكرة".
سأل عنبر نفسه "لماذا لا ندمج إنقاذ هذه الكائنات بإنقاذ أطفالنا؟"، بدأ يفكر في الموضوع حتى أخرجته الفكرة من أزمته النفسية الخاصة، وتشكل داخله دافعاً قوياً للعودة لـ"صديق الحيوان" وقرر ومساعدة الصغار المصابين بالحرب عبر اللعب والتفريغ النفسي.
يفصل عنبر طبيعة هذه العيادة الأليفة، قائلاً "اختيار أنواع الكائنات لم يكن عشوائياً، بل استند إلى دراسة سلوكية فرضتها جغرافيا النزوح والحصار، في بلدان العالم، يعتمد هذا العلاج على مزارع وخيول، لكننا في غزة طوعنا الفكرة لحيوانات صغيرة تحقق أهدافاً علاجية دقيقة".
ويضيف، "نستخدم ببغاوات وطيور الكوكتيل الملونة ونضعها على أكتاف الصغار، فألوانها وحركاتها المفاجئة تعمل كصدمة بصرية إيجابية تحفز الأطفال الصامتين على الكلام وكسر الخرس الارتكاسي لمجرد محاولة مناداتها، أما الأرانب البيضاء فتمتاز بفراء ناعم ودافئ، وجعل الأطفال يضمونها لصدورهم يسهم فوراً في خفض التشنج العضلي وتهدئة ضربات القلب المتسارعة الناتجة عن الخوف، في حين نستخدم السلاحف والقنافذ لتدريب الأطفال المصابين بالتشتت والاستنفار العصبي على الصبر والمراقبة البطيئة لتشتيت أفكارهم المرعبة، وتكتمل الحلقة بوجود كلب أبيض صغير مدرب كثيف الفراء، وهو مخصص للأطفال الأكبر سناً لتحفيزهم على الأنشطة الحركية واللعب، مما يخرجهم من خمول العزلة والاكتئاب، كل كائن هنا هو معالج حقيقي يداوي جرحاً معيناً".
آليات دفاع نفسي
عالمياً، يعد العلاج بمساعدة الحيوانات بروتوكولاً نفسياً قائماً على تحفيز استجابات بيولوجية وعاطفية متبادلة بين المريض والكائن الحي، وفي أدبيات الطب النفسي الدولي، يعتبر الحيوان الأليف وسيطاً علاجياً كاسراً للمقاومة النفسية.
يوضح عنبر أن الأطفال الذين يتعرضون لصدمات الحروب يطورون آليات دفاعية قاسية مثل الانعزال أو الخرس الارتكاسي لحماية أنفسهم من محيطهم البشري الذي ربطوه بالخطر والدمار، وعندما يزورون خيمة صديق الحيوان يأتي دور الحيوان ككائن محايد لا يصدر أحكاماً ولا يطرح أسئلة استجوابية ويقدم قبولاً عاطفياً غير مشروط مما يدفع الجهاز العصبي للطفل إلى خفض حالة الاستنفار وإفراز هرمونات الأوكسيتوسين والدوبامين التي تقلل من مستويات الكورتيزول وتمنح الطفل شعوراً فورياً بالاسترخاء.
قصة الطفل عماد وتعافيه
بعد نجاة الطفل عماد من قصف مدمر أتى على أجزاء واسعة من حيه السكني وأفقده بعض أصدقائه، انكفأ على ذاته ودخل في حالة حادة من الصمت الاختياري الكامل، فرفض التحدث مع عائلته وهجر اللعب وبات يقضي ساعاته الطويلة في مراقبة الفراغ بنظرات متجمدة.
بدأت نقطة التحول عند عماد عندما جلبته والدته بحذر إلى حلقة الدعم النفسي الدائرية، وحينها وضع الأخصائي عنبر أمامه برفق أرنباً أبيض كثيف الفراء وطلب من الأطفال الآخرين إطعامه.
وبمرور الجلسات المتتالية تحرك الفضول الفطري داخل عماد، فامتدت يده المرتجفة لأول مرة لتمسح على ظهر الأرنب، قبل أن يقوم بضمه فجأة إلى صدره ويدفن وجهه في فرائه الدافئ.
في تلك اللحظة، انكسر جدار الصمت الصلب، واستعاد عماد صوته المفقود مجهشاً ببكاء طويل تلوه كلمات أولى نطق بها بلسانه، ليعبر عن حكايته قائلاً "كنت أخاف من كل الأصوات، وحتى في الحلم كنت أرى الدار وهي تقصف ونسيت كيف أحكي مع أمي، لكن عندما أمسكت الأرنب الأبيض أول مرة، شعرت بدفء كبير بصدري كأنه يحميني، وتوقفت يدي عن الرعشة، صرت أنتظر الجلسة حتى أطعمه بيدي وأسمع صوت عصافير الكوكتيل وهي تغرد فوق رأسي".
حيوانات آمنة بيطرياً
خلف هذا العلاج، شبكة أمان بيطرية وصحية صارمة تضمن خلو هذه البيئة العلاجية من أي أخطار صحية قد تهدد الأطفال في ظل انعدام مقومات النظافة داخل مخيمات اللجوء، يقول الطبيب البيطري المشارك في الإشراف الميداني، عايد أبو نجم، إن "طبيعة هذه المنظومة الوقائية المعقدة، حماية الأطفال الذين يعانون أصلاً من ضعف في المناعة جراء ظروف النزوح، هي أولويتنا القصوى".
ويضيف، "تخضع جميع الحيوانات والطيور المشاركة في المبادرة لبروتوكول فحص بيطري دوري مشدد، نحن نقوم بتطعيمها ضد الأمراض المشتركة، وتطهير فرائها وريشها بصورة يومية بمواد آمنة لضمان عدم نقل أي طفيليات أو أمراض جلدية للأطفال داخل الخيام".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يؤكد أبو نجم أن الرقابة البيطرية لا تقتصر على الجانب العضوي فحسب، بل تمتد لتشمل الصحة النفسية والسلوكية للحيوانات نفسها، التي لا تسلم بدورها من ويلات الحرب.
ويتابع، "الحيوانات كائنات حساسة للغاية، وأصوات الانفجارات العنيفة وأحزمة النار تؤثر على جهازها العصبي وتزيد من معدلات توترها وخوفها تماماً كالبشر، نقوم بمراقبة سلوك واستجابات كل كائن قبل دمجها في حلقات الأطفال، وأي حيوان يظهر عليه أدنى مؤشر من التوجس أو الردود الفجائية الناتجة عن القصف يتم استبعاده فوراً وعزله في مكان هادئ لتلقي الرعاية، وذلك حتى نضمن أن تكون كافة الكائنات التي تتفاعل مع الأطفال مستقرة وهادئة تماماً، وقادرة على تقديم طاقة سكينة وأمان خالص لهؤلاء الصغار".
تحديات
تصطدم جهود التعافي النفسي بتحديات ميدانية معقدة، تجعل العمل مستعصياً، وصرح مدير برنامج غزة للصحة النفسية، ياسر أبو جامع، بأن "التحدي الأكبر والأكثر تعقيداً لا يكمن في ابتكار الأساليب العلاجية، بل في غياب المرتكز الأساس لأي عملية علاجية نفسية حول العالم، وهو الأمان والاستقرار البديهي".
في بيئات النزاع التقليدية، يبدأ العلاج النفسي عادةً بعد انقشاع الخطر وزوال المهدد، أما في غزة، فيواجه المتخصصون متلازمة يطلق عليها علمياً تسمية "الصدمة النفسية المتجددة والمستمرة"، وتحدث أبو جامع عن ذلك قائلاً إن "المعالج النفسي في غزة يعيش ذات الصدمة التي يعيشها المريض، فهو ضحية ومنقذ في آن".
وأضاف، "لا نعالج صدمة حدثت في الماضي وانتهت، بل نتعامل مع تروما حية مركبة ومتجددة على مدار الساعة، فالأطفال الذين يتعرضون لهذه الأهوال العنيفة يدخل جهازهم العصبي في حالة تجمد كاملة كآلية دفاع لا إرادية، مما يؤدي إلى تفشي حالات الخرس الارتكاسي وفقدان الوظائف اللغوية".
ويستطرد أبو جامع، "نحاول غرس الأمل بكل الطرق المتاحة، قد ينجح الطفل في استعادة صوته أو التعبير عن مشاعره الدفينة المخيفة بعد جلسات مكثفة ومساحات تفاعلية داخل خيمة النزوح، لكن غارة جوية واحدة قريبة أو حزاماً نارياً مفاجئاً يكفي لهدم كل ما بنيناه في أسابيع، وإعادة الطفل إلى مربع الصفر من الذعر والخرس الارتكاسي".
أدى الاستهداف والقصف المستمر إلى تدمير شبه كامل للمراكز النفسية المتخصصة والمستشفيات والحدائق التي كانت مؤهلة لاحتضان مثل هذه البرامج قبل الحرب، مما جعل الأخصائيين مشتتين ومحاصرين داخل الخيام البلاستيكية الضيقة التي تفتقر لأبسط المقومات اللوجستية والتنظيمية.
يواجه فريق "صديق الحيوان" أزمة خانقة في توفير الغذاء اللازم لهذه الكائنات، فبسبب الحصار وإغلاق المعابر، شحت الأعلاف والأدوية البيطرية والمطهرات تماماً في الأسواق، يقول الأخصائي عنبر "نقتطع من قوتنا اليومي أحياناً لنطعم الأرانب والطيور لكي نحافظ على استمرار الجلسات، فالكائنات التي تداوي أطفالنا باتت هي الأخرى بحاجة إلى مَن ينقذها ويؤمن غذاءها وسط هذا الحصار المطبق".
الأمل موجود
تبدو مبادرة العلاج بمساعدة الحيوانات الأليفة وورشات الدعم النفسي في غزة على صغر رقعتها الجغرافية وبساطة أدواتها اللوجيستية، بمثابة قشة النجاة العاطفية لجيل يغرق بالكوابيس الأليمة، ومطلوب منها أن تمنح طفلاً فقد عائلته أو صبياً استيقظ على وقع بتر أطرافه فرصة نادرة للهرب المؤقت من عالم القذائف إلى واحة فطرية بدائية مفعمة بالحنان يعجز المجتمع عن تأمينه له خارج حدود تلك الخيام.
تراقب غيداء والدة الطفل عماد، صغيرها وهو يودع الأرنب الأبيض الصغير بابتسامة حذرة في نهاية الجلسة، وتقول "الخيام مليئة بالخوف والجوع ولا يوجد شيء في غزة يجعلك تشعر أنك إنسان، لكن عندما أرى طفلي يحتضن هذا الحيوان الصغير وينطق بكلمات كان قد نسيها لشهور، أشعر أن روحه عادت إليه لدقائق، وأن هناك أملاً".