ملخص
تحتل طيور الزينة ركناً مهماً في الثقافة الشعبية اللبنانية والعربية، ويحرص الناس على اقتنائها للتمتع بجمال أصواتها ونعومة حركاتها.
وتبذل السلطات المختصة الجهود الممكنة من أجل تطبيق الاتفاقيات الدولية والأطر القانونية للرفق بالحيوان لمواجهة ظاهرة انتشار عمليات تهريب هذه الطيور عبر الحدود والتجارة بها بطريقة غير مشروعة.
ليست مجرد كائنات تملأ الأقفاص بألوانها وزقزقتها، بل تتحول لدى كثيرين إلى أفراد من العائلة ورفقاء للحياة اليومية. وبينما يراها مربوها مصدراً للأنس والراحة النفسية، تعيش آلاف طيور الزينة وجهاً آخر من الحكاية، إذ تقع ضحية التهريب والاتجار غير المشروع، في رحلة تبدأ من البرية أو المزارع، ولا تنتهي عند أسواق البيع. وبين شغف الهواة، وربحية التجارة، ومتطلبات حماية الحياة البرية، تبرز أسئلة حول واقع تجارة طيور الزينة في لبنان، وحدود الهواية عندما تتحول إلى تهديد لبعض الأنواع.
علاقة وجدانية عميقة تربط عصافير الزينة بأصحابها في لبنان، فهي "حاضرة في كل التفاصيل" كما يقول رائد (50 سنة)، "تحول صوت الكنار إلى منبه صباحي يرشدني إلى بداية يومٍ جديد". ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد إنما يتجاوزه ليصبح الطير رفيق القهوة، والصديق الصامت. ويضيف رائد الذي نشأ في بيت يهوى تربية العصافير "أخصص جزءاً من وقتي لإطعامها، وتنظيف قفصها، أشعر أنها تبادلني الاهتمام والامتنان إذ تبدأ بالزقزقة بشكل يبعث على البهجة".
تتكرر هذه الروايات على ألسنة محبي الطيور
بدوره يتحدث عدنان (60 سنة)، وهو أب لأربعة أولاد، عن علاقته بطير الببغاء، الذي يطلق عليه تسمية "كوكو"، وهو يهتم به منذ أكثر من 10 سنوات، وبات يرافقه أخيراً إلى العمل يومياً.
ويصف عدنان ببغاءه بأنه "رفيق دائم"، موضحاً أنه اعتاد التحدث إليه يومياً، وأن الطائر يرد عليه ببعض الكلمات التي تعلمها مع الوقت، ويتفاعل مع صوته وحركاته، حتى بات يشعر بأنه يفتقده إذا غاب عنه لساعات. ويضيف مبتسماً "وجوده يخفف عني ضغوط الحياة والعمل، ويضفي أجواء من الفرح أينما ذهب، حتى إن زملائي في العمل باتوا ينتظرون وصوله كل صباح قبل أن يبدأ يومهم".
تجارة رابحة ومسابقات لأجمل طير زينة
لم تسلم هذه الطيور من مصيدة المهربين والتجار غير الشرعيين، بخاصة طير الحسون، إذ أحبطت وزارة الزراعة قبل أشهر قليلة بالتعاون مع الجيش اللبناني عملية تهريب ضخمة للطيور من لبنان إلى سوريا بواسطة صناديق خشبية موصدة، واستغل هؤلاء المهربون فكرة أن الطيور يمكنها أن تتحمل الجوع والعطش، ساعات عدة، ريثما يتم إطعامها مجدداً، لتطرح ظاهرة تجارة طيور الزينة إشكالية أخلاقية وقانونية لا سيما لجهة تهديد سلامة بعض الفصائل والأنواع منها.
وليس بعيداً، تنتشر محال بيع طيور الزينة في مختلف أرجاء لبنان، كذلك تزدحم الأسواق الشعبية الأسبوعية بالباعة المتجولين الذين يعرضون الطيور على المارة لشرائها. فيما يحتضن لبنان بطولة سنوية دولية لاختيار "ملك جمال الطيور" إذ يتنافس المربون على تقديم وإبراز أجمل طير زينة، وآخرها ما نظمه الاتحاد اللبناني للطيور في المدينة الرياضية لبيروت.
في الموازاة، يحاول الباعة أصحاب الخبرة تمييز أنفسهم عن "تجار البسطات"، ويقول محمد بهلوان (صاحب خبرة منذ 28 عاماً في بيع الطيور) "يجب أن يتوفر البائع على خبرة بيطرية والشغف من أجل التعاطي مع الطيور"، مضيفاً "بدأت الحرفة من حبي للطيور، وأقضي ساعات في تأملها وملاحظة حركاتها، وسماع معزوفاتها المختلفة. مع الوقت بدأت طيوري بالتكاثر".
ويتحدث بهلوان عن ضرورة تعليم الزبون حول كيفية التعامل مع الطيور التي يشتريها والاهتمام بها، موضحاً أنه إلى جانب طيور الزينة الموجودة أصلاً في لبنان، تستورد أعداد كبيرة منها من سوريا وتركيا وإيطاليا وبلجيكا وغيرها من الدول، بحيث تدخل بصورة شرعية وعلى أرجلها حلقات تشير إلى مصدرها وهويتها وسلامتها.
ويقول بهلوان إن بعض الأشخاص يشترون هذه الطيور "لسبب نفسي"، إذ يمكنهم أن يتحدثوا إليها شاكين همومهم.
الرفق بالحيوان
في أواخر شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025، أحبط الجيش اللبناني بالتعاون مع وزارة الزراعة عملية تهريب آلاف طيور الحسون من لبنان إلى سوريا، ومن ثم رعايتها في محافظة عكار شمال لبنان.
في السياق، شدد وزير الزراعة اللبناني نزار هاني على ضرورة تطبيق قانون الرفق بالحيوان رقم 47 الصادر عام 2019، "حيث تلتزم الوزارة بإدارة عملية حماية الحياة البرية وتنظيم انتقال الطيور والحيوانات والكائنات الحية بين الدول، وعبر المعابر البرية والجوية والبحرية"، لافتاً إلى التزام لبنان بالاتفاقيات الدولية التي ترعى الحياة البرية وفي مقدمها اتفاقية "سايتس" (معاهدة التجارة العالمية لأصناف الحيوان والنبات البري المهدد بالانقراض)، وتحدث وزير الزراعة لـ "اندبندنت عربية" عن عملية واسعة لحماية الطيور، وتعقيم وتطعيم وترقيم الكلاب، وغيرها من البرامج، مشيراً أيضاً إلى "تشديد الإجراءات بين لبنان وسوريا لمكافحة عمليات تهريب طيور الزينة".
في الموازاة، يطرح الناشطون البيئيون إشكالية أخلاقية وقانونية تتعلق بالطيور، بشكل عام، وضرورة حمايتها في إطار تعاون دولي واسع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكشف الناشط البيئي ميشال صوان عن التمادي في تهريب طيور الزينة، متحدثاً أيضاً عن انتهاكات بحق طيور الزينة المحلية البرية على غرار الحسون، والبلبل، والخضيري، واصفاً الوضع بالكارثي بسبب استخدام الشباك، وصيدها وحبسها في مواسم خطرة، وبيعها في أماكن غير مرخصة، حيث تنتشر عمليات التبسيط على الطرقات من دون تزويدها بالطعام والشراب أو حتى حبسها في أقفاص مزدحمة وعدم وضعها في الظلال خلافاً للقانون، ورفض صوان "تصنيف تربية الطيور ضمن خانة الهواية" خصوصاً عندما تتخطى حدودها، لافتاً إلى حظر الاتجار بالطيور البرية وفراخها أو اختطاف الطيور وبيوضها أو البالغ منها للاتجار بها إلا لسبب علمي بموجب رخصة وموافقة الوزارة المعنية بحسب مندرجات القانون 580 الصادر في 2004 والمرتبط بالصيد البري.
وتطرق صوان إلى ظاهرة صيد البجع، ونبه من "تراجع كبير في أعداد الحساسين البرية بسبب اختطافها من أجل الإتجار بها وبيعها".
واستهجن ظاهرة يقوم بها بعض التجار من خلال صباغة صيصان الدواجن بما يتماشى مع المونديال من أجل بيعها للأطفال "ما ينافي حقوق الحيوان أو الرفق به، لأن الصباغ يؤدي إلى تسميمها وقتلها".
بالفيديو: وزارة الزراعة تعيد 500 طائر حسون إلى الطبيعة في #عكار بعد ضبطها مهربة pic.twitter.com/1q4dQ3pDrY
— VDL24 صوت لبنان (@sawtlebnan) June 27, 2026
أطر الحماية
وسط هذه الأجواء، يطبق لبنان استراتيجية ذات أبعاد متعددة لتنظيم تجارة طيور الزينة، وعمليات الاستيراد والتصدير والانتقال عبر الحدود. وأوضحت جنى زعرور من وزارة الزراعة اللبنانية أبرز ملامح هذه الخطوات، مشيرة إلى خضوع كل أنواع الحيوانات والطيور لأحكام الاتفاقيات الدولية ذات الصلة والقوانين والقرارات المحلية مرعية الإجراء، لا سيما قانون الحجر الصحي البيطري والقرارات الصادرة عن وزارة الزراعة، أما في ما يتعلق بآلية استيراد الطيور، فأكدت زعرور أن "الإجراءات المتبعة لاستيراد طيور الزينة غير معقدة، وتتم على مرحلتين: بداية لا بدّ من الاستحصال على إذن مسبق صادر عن مديرية الثروة الحيوانية في وزارة الزراعة، وخلال هذه المرحلة يتم التحقق من المستندات والحالة الصحية في البلد المصدر، ليتقرر إعطاء الإذن أو رفض الاستيراد. أما في المرحلة الثانية، وأثناء عملية الاستيراد، فيتم التأكد من اكتمال المستندات والتدقيق بها، أي التحقق من توافر شهادة صحية بيطرية أصلية، ونسخة عن شهادة المنشأ، ونسخة عن الفاتورة، ونسخة عن لائحة الأفراد، والإذن الصحي المسبق للاستيراد الصادر عن مديرية الثروة الحيوانية، كذلك تخضع الطيور للكشف الحسي من قبل مراكز الحجر الصحي البيطري التابعة لوزارة الزراعة المتواجدة عند المعابر الحدودية للتأكد من سلامة الطيور المستوردة وفقاً لأحكام قانون الحجر الصحي البيطري".
وتطرقت زعرور إلى الطيور المهددة بالانقراض والخاضعة لأحكام اتفاقية "سايتس" التي انضم إليها لبنان في عام 2013، إذ "تتطلب ضمن المرحلة الأولى إحالة الملف إلى مكتب سايتس في مديرية الثروة الحيوانية للتحقق مما إذا كانت الأنواع المراد استيرادها تتطلب أذونات سايتس الخاصة من الدول المصدرّة، وفي هذه الحالة يجرى الاطلاع على الأذونات المرفقة بالملف، ومراسلة جهات الإصدار للتأكد من صلاحيتها".
وشددت على أن الطيور البرية المحلية تحظى بحماية قانونية في إطار قانون الصيد البري رقم 580/2004، إذ يمنع على الأفراد اقتناؤها أو احتجازها إلا في مراكز الإيواء والتأهيل.
ماذا يقول القانون؟
أما من ناحية الطيور المهربة التي يتم إدخالها عبر معابر غير شرعية، فلفتت زعرور إلى ازدياد هذه الحالات في السنوات الأخيرة نتيجة الأزمات الحاصلة في لبنان ودول الجوار "نحاول بأقصى جهودنا متابعة هذا الملف مع الجهات الأمنية المختصة، لكننا نصطدم بتحديات عدة لا سيما قلة العديد وضعف الموارد المخصصة لهذا الملف في ظل ما نشهده في لبنان من أزمات متلاحقة". وجزمت أنه "عندما يتم إبلاغنا عن وجود طيور مهربة في أحد المحال في الداخل اللبناني، نتحرك فوراً بمؤازرة الأجهزة الأمنية لضبط المخالفة وتتم مصادرة البضاعة وإحالة المرتكب إلى القضاء المختص". وتابعت "يعهد بالطيور المصادرة من قبل وزارة الزراعة إلى حدائق حيوانات مسجلة، وفي حال كانت أصنافاً برية محلية، نعهد بها إلى مراكز تأهيل ليصار إلى إعادة إطلاقها في البرية في ما بعد، وفي حال كانت برية دخيلة على البيئة الطبيعية في لبنان يُعاد تصديرها إلى مراكز إيواء وتأهيل في بلد المنشأ بالتعاون مع الجمعيات المحلية الناشطة بحماية الحيوانات".
أضافت زعرور "كل المراحل من استيراد الطيور إلى عرضها في محال البيع أو حدائق الحيوانات أو مراكز الإيواء والشروط الصحية اللازمة وحدود التعامل معها، تخضع لقانون رقم 47/2017 المتعلق بحماية الحيوانات والرفق بها. أما بالنسبة إلى نقل الطيور جواً أو براً أو بحراً فبالإضافة إلى القانون رقم 47/2017، فهي تخضع لأنظمة إياتا التي تحدد مواصفات الأقفاص وطرق النقل بما يضمن حماية الطيور والحيوانات كافة". ونبهت إلى ضرورة خضوع محال بيع الحيوانات والطيور لرقابة مستمرة بموجب قرار وزير الزراعة رقم 1238 الصادر بتاريخ 31/12/2015، والذي يوجب تسجيلها في وزارة الزراعة، وعليه "فهي تخضع للرقابة والكشوفات الدورية من قبل المصالح الإقليمية التابعة لوزارة الزراعة والموجودة في كل المحافظات، للحرص على تطبيق القوانين والقرارات النافذة لا سيما أحكام القانون رقم 47/2017 في ما يتعلق بالرفق بالحيوانات وحمايتها"، مطالبة المواطنين بـ"ضرورة التنبه قبل المبادرة إلى اقتناء الطيور أن يسألوا عن مصدرها، وأن يطلبوا من محال البيع المستندات التي تبين منشأها وقانونية استيرادها تحت طائلة المصادرة والملاحقة القانونية، كذلك يطلب من المواطنين إبلاغ وزارة الزراعة بخصوص أي مخالفة تدخل في هذا الإطار".