ملخص
على رغم الضغوط والعقوبات الغربية، لا يبدو الاقتصاد الروسي على وشك الانهيار، إذ لا يزال يستفيد من الإنفاق العسكري الكبير الذي يدعم النمو وسوق العمل.
بحسب مجلة الـ"إيكونوميست"، فإن الاقتصاد الروسي لا يقف على حافة الانهيار على رغم الضغوط المتزايدة، لكنه بات يواجه تحديات متنامية مع استمرار الحرب.
إذ أسهم الإنفاق العسكري المكثف في تحفيز النمو والحفاظ على نشاط سوق العمل، غير أنه أدى أيضاً إلى تصاعد الضغوط التضخمية، وتفاقم نقص العمالة، وإبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، بما يزيد كلفة الاقتراض ويضغط على القطاعات المدنية.
المجلة استندت في تقييمها إلى حقيقة أن الحكومة الروسية ضخت مئات المليارات من الروبلات في الصناعات الدفاعية، مما أدى إلى تشغيل المصانع بكامل طاقتها ورفع الطلب على العمالة، إلا أن هذا النمو يعتمد بصورة أساسية على الإنفاق الحكومي وليس على توسع الإنتاج في القطاعات المدنية.
ويتفق صندوق النقد الدولي مع جانب من هذا التقييم، إذ يرى أن الاقتصاد الروسي تمكن من تحقيق معدلات نمو أفضل من المتوقع بفضل الإنفاق الحكومي القوي ومرونة قطاع الطاقة، لكنه يحذر في الوقت ذاته من أن الضغوط التضخمية تزداد مع استمرار ارتفاع الطلب المحلي وتراجع الطاقة الإنتاجية.
وبحسب الصندوق، فإن أحد أبرز التحديات التي تواجه روسيا يتمثل في نقص العمالة، نتيجة التعبئة العسكرية وخروج أعداد من الكفاءات إلى الخارج، وهو ما دفع الأجور إلى الارتفاع بصورة سريعة وأدى إلى زيادة الضغوط التضخمية.
ورفع صندوق النقد الدولي، في تقريره عن آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في أبريل (نيسان) 2026، توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لروسيا إلى 1.1 في المئة مقارنة بـ0.8 في المئة في يناير (كانون الثاني) الماضي.
ويعود هذا التعديل التصاعدي إلى ارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية نتيجة للاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وشهد الاقتصاد الروسي تباطؤاً حاداً في عام 2025، حيث بلغ معدل النمو حوالى واحد في المئة، بعد أن كان 4.9 في المئة في عام 2024، وذلك نتيجة للسياسة النقدية المتشددة التي انتهجها البنك المركزي والعقوبات الغربية، ويعاني الاقتصاد ضغوطاً ناجمة عن الإنفاق على الحرب في أوكرانيا.
وخفض بنك روسيا سعر الفائدة الرئيس إلى 14.25 في المئة من 14.5 في المئة في 19 يونيو (حزيران) الجاري، في خفض التاسع على التوالي في التيسير النقدي.
وجاء هذا الخفض أقل من توقعات المحللين بمقدار 25 نقطة أساس، حيث أدت الأخطار المؤيدة للتضخم والتوترات الجيوسياسية إلى إبقاء السياسة النقدية متشددة.
الاقتصاد الروسي أظهر قدرة أكبر على التكيف
من جانبه، يقدم الباحث المتخصص في الاقتصاد الروسي والزميل في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) ريتشارد كونولي، قراءة أكثر حذراً للتطورات.
إذ يرى كونولي أن الاقتصاد الروسي أظهر قدرة أكبر على التكيف مع العقوبات مما توقعه كثير من المحللين، مستفيداً من استمرار صادرات الطاقة وتعبئة الموارد المحلية، وهو ما يجعل انهياره في الأجل القصير أمراً غير مرجح.
ويرى كونولي أن كثيراً من التقديرات الغربية أخطأت في توقع سرعة تأثير العقوبات، مؤكداً أن الاقتصاد الروسي أثبت قدرة كبيرة على التكيف مع القيود المفروضة عليه.
ويقول إن موسكو نجحت في إعادة توجيه جزء كبير من تجارتها نحو آسيا، وخصوصاً الصين والهند، كما تمكنت من إيجاد قنوات بديلة للحصول على كثير من السلع والتقنيات التي كانت تستوردها سابقاً من الغرب، الأمر الذي خفف من آثار العقوبات.
ويجادل كونولي في مقال نشر على موقع المعهد في يناير الماضي، بأن الضغوط الاقتصادية وحدها لن تدفع موسكو إلى تغيير مسارها في الحرب، وأن التاريخ يظهر أن الحروب نادراً ما تتوقف بسبب ارتفاع تكلفتها الاقتصادية.
وفي السياق نفسه، يرى محللون في المعهد الملكي للخدمات المتحدة أن روسيا استطاعت تحويل اقتصادها تدريجاً إلى اقتصاد تعبئة عسكرية، وهو نموذج يسمح باستمرار الإنتاج العسكري لفترة طويلة، لكنه يحمل كلفة اقتصادية مرتفعة على المدى البعيد.
أما العقوبات الغربية، التي استهدفت قطاعات الطاقة والتمويل والتكنولوجيا، فقد نجحت في زيادة كلفة الإنتاج وإبطاء وتيرة التطور التكنولوجي الروسي، إلا أنها لم تحقق الهدف المعلن المتمثل في شل الاقتصاد الروسي أو تقويض قدرته على تمويل الحرب.
ويجمع معظم المحللين على أن روسيا لا تزال تستفيد من عائدات صادرات النفط والغاز، رغم الخصومات السعرية التي تقدمها للمشترين الآسيويين، كما أن استمرار الطلب العالمي على الطاقة وفر للحكومة الروسية مورداً مالياً مهماً لتمويل الإنفاق العسكري.
الاستفادة من زخم اقتصاد الحرب
ووفقاً لتقرير الـ"إيكونومست" لا يزال الاقتصاد الروسي يستفيد من زخم اقتصاد الحرب، إذ أدى الإنفاق الحكومي الكبير على الصناعات العسكرية إلى دعم النمو الاقتصادي ووفر دخلاً مرتفعاً لعدد كبير من العاملين في القطاعات المرتبطة بالدفاع.
لكن هذا النمو يأتي بثمن اقتصادي متزايد، فارتفاع الطلب الناجم عن الإنفاق العسكري تسبب في زيادة الضغوط التضخمية، في وقت تعاني فيه روسيا نقصاً في اليد العاملة نتيجة التجنيد العسكري، والهجرة، والتغيرات الديموغرافية، مما أدى إلى ارتفاع الأجور بصورة ملحوظة.
ولمواجهة التضخم، انتهج البنك المركزي الروسي منذ حرب أوكرانيا سياسة نقدية متشددة، فرفع أسعار الفائدة إلى مستويات مرتفعة، وهو ما ساعد في الحد من ارتفاع الأسعار، لكنه زاد في الوقت نفسه كلفة الاقتراض على الشركات والأسر، وأضعف الاستثمار في القطاعات المدنية.
واليوم يشهد الاقتصاد الروسي انقساماً متزايداً بين قطاع الصناعات العسكرية الذي يعمل بكامل طاقته بدعم حكومي، وبين قطاعات مدنية تواجه صعوبات بسبب ارتفاع كلفة التمويل ونقص العمالة، الأمر الذي يحد من قدرتها على التوسع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم أن العقوبات رفعت كلفة الإنتاج، وأعاقت وصول روسيا إلى بعض التقنيات الغربية، فإنها لم تمنعها من مواصلة تمويل العمليات العسكرية أو الحفاظ على النشاط الاقتصادي.
وفي الوقت ذاته، يحذر تقرير المجلة من أن استمرار الاعتماد على الإنفاق العسكري يحمل أخطاراً متزايدة على المدى الطويل، إذ إن الموارد التي تُوجَّه إلى قطاع الدفاع تأتي غالباً على حساب الاستثمارات في البنية التحتية، والتعليم، والرعاية الصحية، والقطاعات الإنتاجية الأخرى.
ويشير إلى أن استمرار نقص العمالة أصبح يمثل أحد أكبر القيود التي تواجه الاقتصاد، مع تنافس الشركات المدنية والعسكرية على عدد محدود من العاملين، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع الأجور والإنتاجية بصورة غير متوازنة.
إنفاق حكومي استثنائي
وتقول المجلة في تحليلها إن السلطات الروسية لا تزال تمتلك أدوات تساعدها على إدارة هذه الضغوط، بما في ذلك السيطرة على السياسة المالية، وإيرادات الطاقة، والقدرة على توجيه الموارد نحو الأولويات العسكرية، وهو ما يقلل احتمالات تعرض الاقتصاد لأزمة مفاجئة.
لكن في المقابل، لفتت "إيكونوميست" إلى أن النمو الحالي لا يستند إلى زيادة في الإنتاجية أو الابتكار، بل يعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق الحكومي الاستثنائي، وهو نموذج يصعب استمراره إلى أجل غير مسمى من دون ظهور اختلالات أعمق.
ويخلص تحليلها إلى أن الاقتصاد الروسي يمر بمرحلة تتسم بالتناقض، فهو يظهر قدرة ملحوظة على الصمود والتكيف مع الحرب والعقوبات، لكنه يواجه في الوقت ذاته تحديات هيكلية متراكمة تتمثل في التضخم، وارتفاع أسعار الفائدة، ونقص العمالة، والاعتماد المفرط على الإنفاق العسكري.
ويتقاطع تقرير تحليل المجلة مع تقييمات صندوق النقد الدولي والمعهد الملكي للخدمات المتحدة ، في أن "الاقتصاد الروسي لا يقف على حافة الانهيار كما توقع بعض المحللين في بداية الحرب، لكنه في الوقت ذاته لا يتمتع بأسس نمو مستدامة"، فالانتعاش الحالي يعتمد بدرجة كبيرة على اقتصاد الحرب والإنفاق الحكومي الاستثنائي، وهي عوامل يصعب الحفاظ عليها لفترات طويلة من دون أن تترك آثاراً عميقة في هيكل الاقتصاد الروسي ومستوى معيشة المواطنين.