ملخص
لا تزال مخزونات النفط الخام التجارية العالمية عند مستويات مرتفعة، وأعلى مما كانت عليه في الأعوام السابقة. وحتى لو استبعدنا بيانات الصين، فإن المستويات الحالية أعلى مما كانت قبل الأزمة الأخيرة.
في الوقت الذي توقع بعض المحللين ارتفاع أسعار خام برنت إلى 150 دولاراً للبرميل، وقام كثيرون بشراء عقود خيار تمكنهم من تحقيق أرباح ضخمة إذا ارتفعت الأسعار بهذا الشكل، حذر آخرون من أن أسعار النفط وصلت إلى أوجها ولن ترتفع، بل على العكس، ستنخفض.
وبالفعل انخفضت الأسعار حتى قبل الإعلان عن مذكرة التفاهم بين إدارة الرئيس دونالد ترمب والنظام الإيراني، ثم انخفضت بصورة أكبر بعد الإعلان عنها. ويرى كاتب هذا المقال أن الانخفاض الكبير الذي حصل أخيراً لا يعود فقط إلى توقيع انتهاء الحرب وتوقيع المذكرة وعودة جزئية لشحن النفط من المضيق، وإنما أيضاً إلى انخفاض الطلب العالمي على النفط من جهة، وقيام الصناديق الاستثمارية بإعادة تدوير الأموال ونقلها من قطاع إلى قطاع، بخاصة مع اكتتاب "سبيس إكس"، أكبر اكتتاب في التاريخ.
في هذا المقال سأشرح نقاط الاختلاف الأساسية وسبب فشل التوقعات المتفائلة بارتفاع كبير لأسعار خامي برنت وغرب تكساس.
أولاً - انخفاض مخزونات النفط العالمية
ثانياً - عدم التفريق بين خسارة الإمدادات من هرمز والفجوة بين الطلب والعرض
ثالثاً - آثار ارتفاع أسعار النفط وكون الأزمة أكبر من النفط والطاقة
رابعاً - انخفاض واردات النفط الصينية
انخفاض مخزونات النفط العالمية
يستند الذين يتوقعون ارتفاعاً كبيراً في أسعار النفط إلى الانخفاض الحاد في المخزونات العالمية، وينشرون رسوماً بيانية تُظهر تراجعاً هائلاً في هذه المخزونات. لكن هذا الاستدلال والرسوم البيانية خاطئان، وغالباً ما يستخدمان لخداع من ليس لديهم معرفة كافية بالسوق.
أولاً: خلط متعمد بين أنواع المخزونات
تشمل البيانات التي يستشهدون بها ثلاثة أنواع مختلفة تماماً:
- المخزونات الاستراتيجية الحكومية.
- مخزونات النفط الخام التجارية.
- مخزونات المنتجات النفطية المكررة.
هذا الخلط يُعد خطأ جوهرياً. فانخفاض المخزونات التجارية للنفط الخام يدفع الأسعار للارتفاع فعلاً، أما انخفاض المخزونات الاستراتيجية فيعني عكس ذلك. الحكومات تفرغ هذه المخزونات في أوقات الأزمات لزيادة المعروض في السوق وخفض الأسعار. لذا فإن سحب النفط من المخزونات الاستراتيجية يُعد عاملاً هبوطياً للأسعار، وليس صعودياً.
ثانياً: الانخفاض ليس عالمياً
معظم الانخفاض المسجل في المخزونات العالمية جاء من المخزونات الاستراتيجية، وتركز هذا الانخفاض في دولتين فقط: الولايات المتحدة واليابان. في اليابان حدث الانخفاض بسبب شح الإمدادات. أما في الولايات المتحدة فحدث بسبب الفائض، إذ أفرجت الحكومة عن جزء من مخزونها الاستراتيجي لمساعدة الدول الأخرى التي تعاني نقصاً (مثل اليابان).
وهذا يعني أن الانخفاض ليس ظاهرة عالمية حقيقية كما يصور. ومن المثير للانتباه أن الهند استطاعت خلال الفترة نفسها زيادة وارداتها بصورة كبيرة وبناء مخزوناتها إلى مستويات هي الأعلى منذ جائحة كورونا. فلماذا نجحت الهند في ذلك، بينما لم تستطع اليابان حتى الآن زيادة وارداتها وإعادة بناء مخزونها؟
ثالثاً: مخزونات النفط الخام التجارية لا تزال مرتفعة
رغم كل ما سبق، فإن مخزونات النفط الخام التجارية العالمية لا تزال عند مستويات مرتفعة، وأعلى مما كانت عليه في الأعوام السابقة. وحتى لو استبعدنا بيانات الصين، فإن المستويات الحالية أعلى مما كانت قبل الأزمة الأخيرة.
رابعاً: الانخفاض في المخزونات التجارية متركز جغرافياً
الانخفاض الذي حدث في المخزونات التجارية ليس عالمياً، بل يتركز بصورة أساسية في الولايات المتحدة والصين. وبالتالي لا يمكن اعتباره مؤشراً إلى نقص عالمي حقيقي في المعروض.
خلاصة الأمر أنه لا يوجد انخفاض "عالمي" حقيقي في مخزونات النفط كما يروج. معظم ما يشار إليه إما انخفاض استراتيجي (يهدف إلى خفض الأسعار) أو انخفاض محلي في دولتين أو ثلاث. أما المخزونات التجارية العالمية فلم تنخفض. لذلك، لا يوجد مبرر أساس قوي يدعم توقع ارتفاع كبير في أسعار النفط بناء على بيانات المخزونات.
عدم التفريق بين خسارة الإمدادات من هرمز والفجوة بين الطلب والعرض
من أكثر الأخطاء الشائعة والمضللة في تحليل سوق النفط القول إن إنتاج دول الخليج انخفض بمقدار 11 مليون برميل يومياً، ومن ثم استنتاج أن هناك "عجزاً" كبيراً في السوق، ومن ثم الترويج لفكرة "خسارة أكثر من مليار برميل" من النفط، مما يستوجب ارتفاعاً كبيراً في الأسعار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذا المنطق خاطئ تماماً. الأسواق لا تعمل بهذه الطريقة. الأسعار هي نتيجة التوازن بين العرض والطلب في الوقت الحالي، وليست مقارنة بين مستوى الإنتاج قبل الأزمة ومستوى الإنتاج الآن.
نعم، انخفض إنتاج دول الخليج بنحو 11 مليون برميل يومياً، لكن الفجوة الحقيقية بين العرض والطلب أقل بكثير من هذا الرقم، وذلك بسبب السحب من المخزونات الاستراتيجية والانخفاض الضخم والمتزامن في الطلب العالمي على النفط. عندما ينخفض الطلب بنسبة كبيرة، فإن انخفاض الإنتاج لا يخلق عجزاً بالحجم الذي يُروج له.
باختصار:
من يروجون لارتفاع كبير وسريع في أسعار النفط يعتمدون على منطق سطحي ومضلل. فهم يركزون على جانب العرض فقط (الإنتاج المنخفض) ويتجاهلون الجانب الأهم: انكماش الطلب. والنتيجة هي توقعات مبالغ فيها لا تعكس واقع توازن السوق الحقيقي.
آثار ارتفاع أسعار النفط وكون الأزمة أكبر من النفط والطاقة
يعتقد بعض المحللين أن أسعار خام برنت سترتفع بصورة كبيرة في المستقبل، لأن الأسعار بقيت منخفضة طوال فترة الأزمة، ومن ثم كان تأثيرها في تخفيض الطلب على النفط ضعيفاً، ولم تعكس الأسعار الانخفاض الكبير في المعروض والإنتاج.
هذه الفكرة خاطئة على عدة مستويات.
أولاً: الأسعار ارتفعت بالفعل بصورة حادة في الأسواق الفعلية
شهدت الأسواق الآسيوية ارتفاعاً كبيراً تجاوزت فيه أسعار الخام 170 دولاراً للبرميل، وبقيت لفترة طويلة فوق مستوى 150 دولاراً. التركيز الأحادي على أسعار خام برنت المستقبلية يُعد خطأً كبيراً، لأن برنت يعكس السوق الأوروبية أساساً، بينما كان العجز الحقيقي والأكثر حدة في آسيا، المنطقة الأكثر تأثراً بإغلاق مضيق هرمز. هذا الارتفاع الشديد في الأسعار أنتج آثاراً اقتصادية سلبية واضحة: تباطؤ نمو الاقتصادات الآسيوية، وانخفاض ملموس في الطلب على النفط نتيجة لذلك.
ثانياً: أزمة هرمز أكبر من النفط والطاقة
الأزمة لم تقتصر على النفط، بل امتدت إلى مواد وسلع حيوية أخرى: الهيليوم المستخدم في صناعة أشباه الموصلات، الأسمدة الضرورية للقطاع الزراعي، والغازات السائلة اللازمة لعديد من القطاعات التصنيعية.
وارتفعت أسعار الألمنيوم والكبريت إلى مستويات تاريخية بسبب الاضطرابات في سلاسل الإمداد.
خلاصة الأمر أن الأسعار ارتفعت بالفعل بصورة كبيرة، والطلب انخفض نتيجة لذلك. ومع ارتفاع تكاليف المواد الأولية والمدخلات الأخرى، أصبح الأثر السلبي الإجمالي على الطلب أقوى بكثير من مجرد تأثير ارتفاع سعر النفط نفسه. وكل العوامل التي يستشهد بها المتفائلون بارتفاع كبير في الأسعار مستقبلاً قد حدثت بالفعل، والآثار الاقتصادية السلبية الناتجة عنها الآن هي بالضبط ما سيمنع حدوث ارتفاعات إضافية كبيرة ومستدامة في أسعار النفط.
انخفاض واردات النفط الصينية
انخفضت واردات الصين من النفط بنحو 5.8 مليون برميل يومياً مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة. هذا الانخفاض الكبير جاء نتيجة مباشرة للارتفاع الشديد في الأسعار، الذي تجاوز 170 دولاراً للبرميل في الأسواق الآسيوية كما ذُكر سابقاً. وبما أن الصين تمثل أكبر مستورد للنفط في العالم، فإن هذا الانخفاض في وارداتها يعني انخفاضاً حقيقياً في الطلب العالمي، وهو ما يفسر بصورة منطقية التراجع الذي شهدناه في أسعار النفط خلال الأسابيع الأخيرة.
الخطأ الجوهري لدى المتفائلين بارتفاع أسعار خام برنت إلى 150 دولاراً أو أكثر لم يدركوا أن الأسعار قد ارتفعت فعلاً فوق 170 دولاراً في آسيا، وأن هذا الارتفاع أنتج انخفاضاً كبيراً في الطلب على النفط، مما أدى إلى انخفاض حاد في الواردات.
ووقع هؤلاء المحللون في أخطاء أخرى مهمة:
ادعاء السحب من المخزونات الاستراتيجية غير صحيح. زعموا أن انخفاض الواردات بمقدار 5.8 مليون برميل يومياً جرى تعويضه بسحب مماثل من المخزون الاستراتيجي الصيني. هذا ادعاء غير صحيح. السحب من المخزونات الاستراتيجية كان محدوداً جداً، والجزء الأكبر من التخفيض جاء من مخزونات المصافي، خصوصاً بعد أن سمحت الحكومة للمصافي بتصدير المنتجات النفطية المكررة.
وأصروا على أن الاستهلاك المحلي لم ينخفض، بينما توجد أدلة كثيرة وواضحة على انخفاض الاستهلاك الفعلي داخل الصين، ليس بسبب انتشار السيارات الكهربائية فحسب، وإنما نتيجة التباطؤ الاقتصادي أيضاً. وتجاهلوا تماماً الارتفاع في إنتاج النفط داخل الصين، الذي أسهم بدوره في تقليل الحاجة إلى الاستيراد.
خلاصة القول إن من يستمرون في توقع ارتفاع كبير لأسعار النفط يتجاهلون التأثير الحقيقي للارتفاع السابق في الأسعار على تقليل الواردات الصينية وانخفاض الاستهلاك. كما يغفلون أن الصين كانت قد بنت مخزونات كبيرة قبل الأزمة، لذا فإن مجرد التوقف عن ملء المخزون يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في الواردات من دون أي تغيير فعلي في مستويات المخزون الحالية. كل هذه العوامل تؤكد أن الطلب العالمي قد تأثر سلباً، وأن الظروف الحالية لا تدعم سيناريو ارتفاع كبير ومستدام في الأسعار.
ختاماً، فشلت رهانات ارتفاع برنت إلى 150 دولاراً لأنها اعتمدت على أخطاء تحليلية جسيمة: خلط المخزونات الاستراتيجية بالتجارية، تجاهل انخفاض الطلب العالمي على النفط نتيجة ارتفاع الأسعار الفعلي فوق 170 دولاراً في آسيا. الأزمة أنتجت تباطؤاً اقتصادياً أقوى من نقص المعروض، فانخفضت أسعار النفط.