Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من يراقب مَن؟ جدل التصوير والشرطة في بريطانيا

التشريعات تسمح بتصوير عمليات الضباط شرط عدم إعاقة عملهم أو إلحاق الضرر بهم

لا تمنع القوانين البريطانية تصوير الشرطة إلا في حالات محددة (اندبندنت عربية)

ملخص

في عصر الهواتف الذكية ووسائل التواصل، باتت كاميرا المواطن في بريطانيا توثق ما تقوم به الشرطة في الأماكن العامة، غير أن هذه الظاهرة المتنامية أصبحت تطرح تساؤلات جوهرية، أين تنتهي حرية التوثيق وتبدأ عرقلة العدالة؟ وماذا يحدث حين تصطدم حقوق المواطن بحاجة الشرطة إلى أداء مهماتها من دون تدخل؟

في بريطانيا يحق لأي مواطن تصوير عناصر الشرطة في الأماكن العامة من دون الحاجة إلى إذن مسبق، إذ لا يوجد في المملكة المتحدة أي قانون يحظر تصوير الأنشطة في الفضاء العام، بيد أن هذا الحق ليس مطلقاً، فقد يتحول التصوير إلى نشاط غير مشروع إذا أعاق عمل الضباط، أو تدخل في العمليات الأمنية، أو انتهك قوانين مثل تشريعات مكافحة الإرهاب، أو شكل مضايقة أو إخلالاً بالنظام العام.

تجرم المادة 89 من قانون الشرطة البريطانية لعام 1996، عرقلة الضابط أثناء أداء مهماته القانونية عمداً، وتشمل "العرقلة" الأفعال الجسدية وغير الجسدية على السواء، أما عقوبتها فهي غرامة مالية أو سجن.

وفق المادتين (58) و(58أ) من قانون مكافحة الإرهاب لعام 2000، يمكن لعناصر الشرطة منع الناس من تصويرهم إذا اعتقدوا بأن المقطع المسجل قد يُستخدم لأغراض إرهابية، غير أن المبادئ التوجيهية الرسمية لشرطة "متروبوليتان" لا تسمح بتوظيف هذه المادة لاعتقال من يصورون الضباط أثناء الأنشطة العادية، بما في ذلك تصويرهم خلال تعاملهم مع الاحتجاجات والتظاهرات.

كذلك تنص المادة (43) من القانون ذاته على أن للشرطة الحق في تفتيش الأشخاص المشتبه فيهم إرهابياً وفحص أجهزتهم، لكن ذلك لا يخولها حذف صور أو فيديوهات. وفي حين يحظر قانون النظام العام 1986، أي تصوير يسبب قصداً مضايقة أو إنذاراً أو ضائقة، يغطي قانون الحماية من المضايقة 1997، الأنماط الممنهجة من التصوير "التحرشي" الموجه ضد أفراد بعينهم من الضباط.

ويستخدم بعض الضباط أحياناً قانون حماية البيانات 2018 لمنع الناس من التصوير، غير أن هذا القانون يستثني التصوير للأغراض الصحافية والأكاديمية والفنية والأدبية، كما أن التصوير في الأماكن العامة يقع عموماً خارج نطاق تطبيقه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قوانين داعمة

وفق إرشادات شرطة "متروبوليتان" التي تعتمد توجيهاتها جميع أجهزة القطاع في عموم بريطانيا، لا يمكن منع أفراد الجمهور ووسائل الإعلام من التصوير في الأماكن العامة، ولا حذف الصور الرقمية أو تدمير الأفلام في التفتيش إلا بأمر قضائي، ويمنع عليهم أيضاً مصادرة الهواتف لمنع التصوير، إذ تجوز المصادرة فقط بموجب المادة 19 من قانون الأدلة الجنائية، حين يكون الجهاز دليلاً على جريمة، ولا يمكنهم أيضاً التذرع بقانون حماية البيانات لوقف التصوير العلني.

وتشكل وثيقة التوجيهات المنشورة على موقع شرطة لندن، المرجعية الأساسية لقوات الشرطة البريطانية، وهي تنص على أن الشرطة "تحث الضباط والجمهور على اليقظة، لكنها تعترف في الوقت ذاته بأهمية حماية الناس من الإرهاب، وتعزيز حرية الجمهور ووسائل الإعلام في التقاط الصور ونشرها."

وفي ما يخص العلاقة مع الصحافيين ووسائل الإعلام، ترشد الوثيقة ذاتها الضباط إلى أن "التواصل مع المصورين والمراسلين وأطقم التلفزيون أمر معتاد لكثير من الضباط والموظفين، ولأن الإعلام يؤثر في سمعة الشرطة، فإن الحفاظ على علاقات عمل جيدة مع أفراده أمر بالغ الأهمية حتى في الظروف الصعبة."

في ردها على سؤال برلماني مكتوب حول التصوير المقصود منه التحرش بالضباط، قالت وزارة الداخلية إنه "لا توجد أحكام تحظر التقاط الصور أو التصوير في الأماكن العامة، ويمتد ذلك ليشمل تصوير الضباط والمباني، ما لم يمثل سلوك المصور تهديداً أمنياً أو خطراً على المعلومات الشخصية للموظفين بما يُفضي إلى إساءة استخدامها."

المجلس الوطني لرؤساء الشرطة (NPCC) يمضي في الأمر أكثر ويلزم العناصر والضباط تشغيل الكاميرات المثبتة على بدلاتهم، وحدّث إرشادات الكاميرا الجسدية في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2024، لتتضمن الحث على "مبدأ الشفافية الذي يقع في صميم استخدام الشرطة لهذه التقنية، لذا تحتاج إلى ترسيخ هذا المبدأ في الطريقة التي توظَف بها الكاميرا الجسدية للحفاظ على ثقة الجمهور وصدقيته."

كذلك تلزم الإرشادات الضباط أن يسجل كل منهم بكاميرته الخاصة، فلا يجب الاكتفاء بتسجيل مستخدم واحد نيابة عن الجميع، كما أن "الاستخدام مشروط بأن يكون "مبرراً وقانونياً ومتناسباً وضرورياً وأخلاقياً في كل مرة".

وتحدد كلية الشرطة، وهي الجهة الرسمية التي تحدد معايير ممارسة المهنة، ضوابط نشر اللقطات المسجلة عبر الكاميرات الجسدية، فتنص إرشاداتها على أن توزيع تلك اللقطات على وسائل الإعلام أو الجمهور يجب أن يكون "قانونياً وضرورياً ومتناسباً" مع الهدف منه، وأن القرار في حالات تصحيح المعلومات المضللة أو الحوادث البارزة يعود للمسؤول الأول عن التحقيق بالتنسيق مع رئيس قسم الاتصالات.

كذلك تؤكد الإرشادات الرسمية للشرطة على ما يسمى "الحق العرفي" لالتقاط الصور والاحتفاظ بها، استناداً إلى حكم قضائي صادر عام 2009 في دعوى رفعها موظف ضمن حملة مناهضة تجارة الأسلحة صُوِّر من قبل الشرطة، وهذا الحق يسري على المواطنين تماماً كما يسري على المؤسسات الإعلامية.

 

حوادث أشعلت الجدل

في بعض الأحيان تكون الكاميرا هي العين التي لا تغفل، وأحياناً أخرى تتحوّل إلى مصدر توتر بين المواطن والضابط، وثمة أمثلة كثيرة تدلل على هذه المفارقة، من بينها ما حدث في مطار مدينة مانشستر في الـ23 من يوليو (تموز) عام 2024، حيث اندلع شجار عنيف بين عناصر الشرطة والأخوين محمد فاهيز عماز ومحمد عماز، ووثقت كاميرات المراقبة والكاميرات الجسدية للضباط الحادثة من زوايا متعددة.

ولم تشكل تلك اللقطات مشكلة، ولكن الصور التي تناقلها مواطنون عاديون عبر هواتفهم أشعلت فتيل أزمة وطنية حول الحادثة، إذ أظهر تحليل خمسة مقاطع مشتركة على وسائل التواصل الاجتماعي أن الضابط الذي دهس رأس الموقوف بقدمه، عاد ليقترب من شخص آخر وضربه على فخذه ومؤخرة رأسه، كذلك يبدو في المقاطع أن ضابطاً آخر رش رذاذ الفلفل على جمهور المتفرجين الذين كانوا يصورون الحادثة، واللحظة الأخيرة تحديداً تحولت إلى رمز للجدل الدائر.

وفتح المكتب المستقل لسلوك الشرطة تحقيقاً فورياً في الحادثة، وطلب ممن شهدها أو صورها التواصل معه، وأسفر التحقيق عن قرار النيابة العامة بتوجيه اتهامات للأخوين وليس إلى الضباط، على رغم أن محامي المتهمين ادعى أن أحد موكليه تعرض لمزيد من سوء المعاملة في منطقة من المطار خالية من الكاميرات.

وثمة حادثة أخرى وقعت في يونيو (حزيران) عام 2023، اعتقلت خلالها سيدة بسبب تصويرها عملية للشرطة، وكانت ناتالي، وهي موظفة حكومية، تشاهد من منزلها في منطقة ميرسيسايد توقيف شقيقتها في الشارع، فخرجت تسجل ما يجري بهاتفها من مسافة آمنة، من دون أن تحاول التدخل أو إعاقة عمل الضباط بأية طريقة، غير أنها اعتُقلت وقيدت بالأصفاد، واحتجزت 47 دقيقة وصودر هاتفها.

استند الضباط إلى المادة 19 من قانون الأدلة الجنائية التي تخول الضباط الموجودين قانونياً داخل مبنى مصادرة أشياء تشكل أدلة جنائية، غير أن هذه المادة، وفقاً لتفسير المحاكم، لا تسري البتة على التصوير في الطريق العام، مما وصفه محامي الدفاع بـ"التوظيف الملتوي" للقانون، لتنتهي القضية باعتراف شرطة ميرسيسايد بالمسؤولية، ودفع 25 ألف جنيه استرليني، كتعويض عن أضرار نفسية وفيزيولوجية لناتالي.

وفي قضية كريس كابا، أنقذت الكاميرا الضابط وليس الضحية، ففي الخامس من سبتمبر (أيلول) عام 2022، لقي شاب يبلغ من العمر 24 سنة حتفه برصاص رقيب في الشرطة يدعى مارتن بليك، بعد مطاردة سيارته في منطقة ستريثام جنوب لندن، واتُهم الرقيب حينها بتجاوز القانون وقتل الشاب كابا، لكن صور الكاميرا الجسدية للرقيب أكدت أنه تصرف في حال دفاع عن النفس وعن زملائه، وتمت تبرئته من التهمة.

وبعد قضية كابا، أبدى كبار مسؤولي الشرطة قلقهم من أن يحجم الضباط عن الانضمام إلى وحدات الأسلحة النارية بسبب التدقيق الذي يواجهونه حين يضطرون إلى إطلاق النار، فيما تشير الإحصاءات إلى أن إنجلترا وويلز شهدتا عام 2023 وحده أكثر من 18 ألف عملية أمنية بالأسلحة، ولم تُطلق الشرطة النار إلا في 10 حالات فقط.

وفي يوليو عام 2023، صوّر عدد من المواطنين اعتقال امرأة أمام طفلها في منطقة كرويدون جنوب لندن، بعد اتهامها زوراً بالتهرب من أجرة الحافلة، وانتشرت الصور على نطاق كبير وأثارت موجة غضب واسعة، بعدما كشفت عن أن المرأة دفعت الأجرة، مما اضطر المكتب المستقل لسلوك الشرطة إلى فتح تحقيق في الحادثة.

في هذه الحادثة لم تعوّق المقاطع المصورة عمل الشرطة، بل كشفت عن خطئها وعجلت بمساءلتها، وتكرر ذلك في قضية جورج ويلسون عام 2014، حين اعتقل ويلسون البالغ من العمر 20 سنة، بعد أن أعطى جنيهاً استرلينياً لمشرد في ليفربول، فظن الضابط أن المسألة تتعلق بتجارة المخدرات، وحين صودر هاتف ويلسون، قام الضابط خطأ بتشغيل التسجيل ووثق زوراً ادعاءه بنفسه، فانتهت القضية بتسوية بلغت قيمتها 5 آلاف جنيه استرليني كتعويض للضحية.

 

مؤيدون ومعارضون

عقب إصلاحات مساءلة الشرطة عام 2024، قالت مديرة المكتب المستقل لسلوك الشرطة (IOPC) راشيل واتسون إن "الرقابة المستقلة الصارمة ركيزة أساسية في نظام الشرطة بالتراضي، ويجب تحقيق التوازن بين رقابة تحمي الجمهور، ورقابة لا ترهب الشرطة من استخدام صلاحياتها لحفظ الأمن من جهة أخرى."

ويرى المدافعون عن حق التصوير أنه ركيزة أساسية للرقابة المدنية، وقد أكدت المحاكم البريطانية مراراً أن "التصوير العام جانب جوهري من جوانب الديمقراطية الشفافة"، وأن الضباط موظفون عموميون يؤدون مهماتهم في فضاءات عامة.

يقول موقع "القوانين والتشريعات الحكومية" إن "الشرطة تتصرف على نحو مختلف حين يتوقف المارة لتصوير تصرفاتهم، ويجعل التصوير من التجربة أقل إرهاباً وتهديداً أثناء عمليات التوقيف والتفتيش"، فيما تشير منظمة "ليبرتي" لحقوق الإنسان إلى أن "التوثيق الشعبي للأحداث أصبح خط الدفاع الأول في ظل نظام مساءلة تعترف الحكومة نفسها بأنه لا يحظى بثقة الجمهور ولا الشرطة."

في المقابل يطرح الضباط مخاوف جدية في تقرير "حال الشرطة" لعام 2025، حول ما يعانيه العاملون في القطاع من أعباء التصوير التي تتمحور في ثلاثة محاور، أولها الإعاقة الميدانية، إذ يضيق تجمع المصورين في موقع الحادثة الفضاء المتاح أمام الضباط ويشتّت انتباههم في لحظات تتطلب حسماً سريعاً، والمحور الثاني هو الهوية والأمان، فالبث المباشر لعمليات حساسة قد يكشف عن هوية ضباط سريين أو تفاصيل تكتيكية تعرض حياة الضباط للخطر، والمحور الأخير يتعلق بالمقاطع المجتزأة، حين تنتشر على وسائل التواصل صور تخرج من سياقها لتقدم مشهداً مشوهاً لتدخلات أمنية مشروعة، فتلحق الأذى بسمعة عناصر الشرطة وسلامتهم الشخصية.

وبعد كل تصوير لحادثة أمنية، تشهد قاعات البرلمان نقاشاً متصاعداً يعكس واقعاً ميدانياً معقداً في عمل الشرطة البريطانية اليوم، فثمة فجوة موثقة بين التوجيهات الرسمية وما يطبق على أرض الواقع، وفي بعض القضايا، يلجأ الضباط إلى مواد قانونية لا تخولهم فعل ما أقدموا عليه، وقد يكون ذلك ناتجاً من ضعف في فهم التشريعات، أو من ضغط ميداني أفضى إلى قرارات متسرعة، أو استخدام متعمد لصلاحيات غير موجودة، كما يرى المحامي المتخصص في قضايا الشرطة إين غولد.

ومن وجهة الأكاديمي المتخصص في علم الجريمة أندرو غولدسميث، فإن الشرطة في الدول الغربية باتت تعمل في ظروف "هشة جداً"، إذ تهدد بيئة التواصل الاجتماعي الثقة العامة بالمؤسسات الأمنية، ليبقى سؤال "من يراقب الحارس؟" محوراً لجدل بريطاني متجدد بين من يرى الكاميرا درعاً للمواطن لا غنى عنه في مواجهة أي انتهاك، ومن يراها سيفاً يعوّق العدالة ويربك المدافعين عن الأمن في أصعب اللحظات.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير