ملخص
تحول فشل الشرطة البريطانية في حل الجرائم اليومية إلى تقاعس شبه ممنهج مع تآكل ثقة الجمهور في إنفاذ القانون، وبين أرقام صادمة وغياب للمحاسبة، يحذر الكاتب من أن انهيار العدالة الصامت بات خطراً على سيادة القانون نفسها.
من أنواع الفشل ما هو أسوأ من انعدام الكفاءة، وهو الفشل الذي بات أمراً عادياً ومقبولاً لدرجة أن المسؤولين عنه ما عادوا يشعرون بأي حرج حياله، وهذا هو الوضع الذي وصلت إليه بريطانيا حالياً في ما يتعلق بجرائم السرقة والسطو.
ولا تثير الإحصاءات الجديدة الصادرة هذا الأسبوع أي استغراب، وهذا هو بيت القصيد بالضبط، فهي تؤكد ما يعرفه ملايين الضحايا بالفعل: أنه عندما يقتحم أحدهم منزلك أو يسرق هاتفك فإن الدولة قررت بهدوء ألا تتدخل، وإليك ما تقوله الأرقام بالتحديد:
تركت الشرطة 92 في المئة من جرائم السطو دون حل العام الماضي، وفي ثلث إنجلترا وويلز لم تُحل ولا جريمة سطو واحدة طوال العام، وهذه ليست نتيجة رديئة بل صفر نتيجة.
وماذا عن سرقة الهواتف المحمولة؟ لقد تجاوزت هذه الجرائم مرحلة القصور في تطبيق القانون لتصبح شيئاً يحتاج إلى مصطلح مختلف تماماً، ولم تُوجه اتهامات إلا في أقل من حالة واحدة من كل 100 حالة، أي واحد في المئة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعند هذه النقطة لا يمكنك القول إنك تمارس مهمات الشرطة فعلياً، فأنت تحرر المحاضر فقط لا غير، ومعها لم يعد الأمر إنفاذاً للقانون بل مجرد إجراءات إدارية، فالجريمة حقيقية أما الاستجابة فهي مجرد معاملات ورقية.
بصفتي مدعياً عاماً سابقاً عملتُ ضمن نظام كان، على رغم عيوبه، يتعامل بجدية مع مبدأ ضرورة معاقبة الجريمة، وهذا المبدأ هو الدعامة الأساس لكل شيء آخر وإن أزلناه فسيتداعى كل شيء، وما تخبرنا به هذه الإحصاءات هو أن تلك الدعامة قد انهارت في ما يتعلق بمجموعة كبيرة من الجرائم اليومية، ولم نلغِ رسمياً تجريم جرائم السطو أو سرقة الهواتف بل توقفنا عن تطبيق القانون في هذه الحالات بصورة تدريجية وصامتة عبر أعوام من التراجع المتعمد، ولطالما طالبت بإنشاء وحدة متخصصة للتصدي لسرقة الهواتف، وقد أثمرت العملية الموجهة التي نفذتها لندن ضد شبكات السرقة المنظمة بالفعل، فانخفضت حالات سرقة الهواتف في العاصمة بنحو 10 آلاف حالة في عام واحد.
إن الإجراءات الأمنية المركزة والذكية تحقق نتائج ونحن نعلم ذلك، فقد انخفضت سرقات البنوك بنسبة 90 في المئة خلال العقد الماضي لأنك تحمل مصرفك في يدك، ويجب التعامل مع سرقة الهواتف المحمولة كما كنا نتعامل مع سرقات البنوك من خلال إنشاء وحدة خاصة بها على غرار مسلسل "سويني" البوليسي، ولقد حمينا المال لكننا أهملنا الجهاز.
ومع ذلك فإن القضية لا تقتصر على الشرطة وحدها، ولا فائدة من بذل الجهد في التحقيق في جريمة السطو عندما تعلم أن أي مشتبه به سينتظر ثلاثة أعوام حتى يحين موعد محاكمته، وقد يصدر بحقه حكم بالكاد يُذكر، ونحن لن نستعين بمحاكم خاصة كما نفعل خلال حالات الاضطرابات العامة الكبرى، فلقد توقف النظام بأكمله عن مكافأة التحقيقات الجيدة، وبالتالي توقفت هذه التحقيقات تدريجياً.
أمامنا حلول عملية لا تتطلب أعواماً من الإصلاحات الهيكلية، ويجب فرض حد أدنى من معايير التحقيق في كل جريمة سطو على المنازل: زيارة مسرح الجريمة وجمع الأدلة الجنائية، وعدم إغلاق القضية في غضون 48 ساعة من دون تفسير، واستخدام التكنولوجيا المتوافرة لدينا بالفعل.
إن إنشاء سجل وطني للهواتف المسروقة مرتبط مباشرة بـ "هيئة معايير التجارة" من شأنه أن يقضي على السوق التي تجعل سرقة الهواتف أمراً مربحاً في المقام الأول مع ملاحقة الشبكات، فالهواتف المسروقة تُشحن عادة إلى دبي والصين ورومانيا، وهذه جريمة منظمة ويجب التعامل معها على هذا النحو.
أصدرت الحكومة وثيقة سياسة عامة في شأن الشرطة وعدت فيها بإجراء أكبر تغييرات هيكلية منذ سبعينيات القرن الماضي وهي خطوة طال انتظارها، لكن الأسرة التي اُقتحم منزلها ليلة أمس لا يمكنها انتظار إقرار الوثيقة في البرلمان ووصولها إلى صندوق بريد شخص ما، فالإستراتيجية لا تحل محل الاستجابة.
ما تحتاجه هذه الأسرة وما يستحقه كل من أبلغ عن وقوع جريمة من دون أن يتلقى أي رد هو أن ينظر أحد المسؤولين إلى هذه الأرقام ويشعر بخجل حقيقي، وقد قضيت مسيرتي المهنية أدافع عن أن سيادة القانون ليست مفهوماً مجرداً، فهي ما يشعر به الناس عندما يبلغون عن وقوع جريمة ويثقون بأن شيئاً ما سيحدث فعلاً، لكن هذه الثقة تتآكل لا بضربة واحدة بل مع توالي القضايا، ومن خلال التخلي عن التحقيق في 393 جريمة سطو كل يوم، وعندما يفقد الجمهور ثقته في أن النظام القانوني سيتدخل فسيكون القانون قد بدأ بالفشل فعلاً.
نظير أفزال حائز وسام الإمبراطورية البريطانية (OBE)، وسبق أن شغل منصب المدعي العام في بريطانيا.
© The Independent