ملخص
في الأسواق الشعبية والمراكز التجارية، أصبح المشهد مختلفاً عما كان عليه قبل أعوام، إذ لم تعد قرارات الشراء تُتخذ بالسهولة ذاتها، بل باتت تخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالأسعار وتغيراتها المستمرة، فيما أصبحت الأسر أكثر ميلاً إلى التركيز على الضرورات وتقليص النفقات المرتبطة بالكماليات والترفيه وبعض السلع المعمرة، في محاولة للحفاظ على مستوى مقبول من الاستقرار المعيشي.
لم يعد الحديث عن غلاء المعيشة في العراق مقتصراً على ارتفاع أسعار بعض السلع أو الخدمات، بل تحوَّل إلى ظاهرة اقتصادية واجتماعية تؤثر بصورة مباشرة في أنماط الإنفاق والعادات الاستهلاكية للأسر العراقية، وتفرض أولويات جديدة على المواطنين الذين باتوا يراجعون تفاصيل مصروفاتهم اليومية، ويعيدون ترتيب حاجاتهم وفقاً لما تتيحه دخولهم الشهرية.
وفي الأسواق الشعبية والمراكز التجارية، أصبح المشهد مختلفاً عما كان عليه قبل أعوام، إذ لم تعد قرارات الشراء تُتخذ بالسهولة ذاتها، بل باتت تخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالأسعار وتغيراتها المستمرة، فيما أصبحت الأسر أكثر ميلاً إلى التركيز على الضرورات وتقليص النفقات المرتبطة بالكماليات والترفيه وبعض السلع المعمرة، في محاولة للحفاظ على مستوى مقبول من الاستقرار المعيشي.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء إلى أن الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك بلغ خلال أبريل (نيسان) الماضي نحو 112.5 نقطة، مقارنة بـ110.6 نقطة في مارس (آذار) من العام نفسه، ليسجل معدل التضخم الشهري ارتفاعاً بنسبة 1.7 في المئة، في حين ارتفع الرقم القياسي مقارنة بأبريل 2025 عندما بلغ 107.9 نقطة، مسجلاً تضخماً سنوياً نسبته 4.3 في المئة، مما يعكس استمرار الضغوط التضخمية على الاقتصاد العراقي.
المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء مظهر محمد صالح يرى أن أثر غلاء المعيشة يتركز بصورة أكبر على الأسر ذات الدخل النقدي الشهري الثابت، إذ يدفع ارتفاع كلف الحياة إلى إعادة هيكلة السلوك الاستهلاكي للمواطنين وفق سلم أولويات جديد تتقدم فيه الحاجات الأساس على غيرها.
وقال صالح إن الأسر تسعى إلى تحقيق نوع من التوازن بين الإنفاق على الضرورات والمحافظة بالحد الأدنى على نمط الحياة المعتاد، مشيراً إلى أن الإنفاق يصبح أكثر توجهاً نحو السلع والخدمات الأساس، وأقل ميلاً إلى الكماليات، بما يعكس عملية مواءمة مستمرة بين تراجع أو ركود القدرة الشرائية من جهة، وتصاعد الضغوط الواقعة على موازنات الأسر من جهة أخرى.
وبحسب صالح، فإن هذه التحولات تعكس استجابة طبيعية للمتغيرات الاقتصادية، خصوصاً لدى الموظفين وأصحاب الدخول الثابتة الذين يجدون أنفسهم أمام تحديات متزايدة للحفاظ على مستوى الإنفاق نفسه الذي اعتادوا عليه في الأعوام الماضية.
السلوك الاستهلاكي يتغير
من جانبه، يؤكد المتخصص في الشأن الاقتصادي الدولي نوار السعدي أن غلاء المعيشة لا يعني بالضرورة ارتفاع الأسعار فحسب، بل يشمل أيضاً تراجع القدرة الشرائية الحقيقية للأسر.
ويقول السعدي إن الأعوام الأخيرة شهدت تغيراً واضحاً في السلوك الاستهلاكي للعراقيين، إذ أصبحت العائلات أكثر ميلاً للتركيز على السلع الأساس وتقليص الإنفاق على الكماليات والترفيه وبعض السلع المعمرة.
وأضاف أن المستهلك العراقي أصبح أكثر حساسية للأسعار، إذ يلجأ إلى مقارنة البدائل والبحث عن المنتجات الأقل كلفة، أو تأجيل قرارات الشراء غير الضرورية، مما يعكس محاولة الأسر الحفاظ على توازن موازناتها في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع كلف المعيشة.
ويشير السعدي إلى أن استمرار هذا النمط من الاستهلاك قد يؤدي إلى تباطؤ الطلب في بعض القطاعات التجارية والخدمية، مقابل زيادة التركيز على السلع الغذائية والأساس، مؤكداً أن تعزيز الدخل الحقيقي للمواطن ودعم فرص العمل وتنشيط القطاع الخاص، تمثل أدوات مهمة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
في بغداد، يقول الموظف الحكومي أحمد جاسم (45 سنة) إن راتبه الشهري لم يعد يوفر القدرة الشرائية ذاتها التي كان يتمتع بها قبل أعوام، مبيناً أن عائلته أصبحت تعتمد بصورة أكبر على الأسواق الشعبية لشراء المواد الغذائية والخضراوات.
وأضاف أن الأسرة كانت تخصص جزءاً من دخلها للترفيه والسفر الداخلي وشراء الأجهزة المنزلية بصورة دورية، إلا أن الأولوية حالياً أصبحت لتأمين الحاجات الأساس من الغذاء والتعليم والدواء.
أما أم محمد، وهي ربة منزل من محافظة بابل، فتؤكد أن أسعار عدد من السلع شهدت ارتفاعات متتالية، مما دفعها إلى تغيير أسلوب التسوق المعتاد. وتقول إن العائلة باتت تعتمد على إعداد قوائم مسبقة للمشتريات لتجنب الإنفاق غير الضروري، فضلاً عن متابعة العروض والأسعار المخفضة، مشيرة إلى أن شراء الملابس أو بعض الأجهزة المنزلية أصبح يخضع لضرورات ملحة وليس لمجرد الرغبة.
تأجيل المشاريع العائلية
في محافظة نينوى، يقول الموظف المتقاعد أبو علي، إن ارتفاع الأسعار دفع أبناءه إلى تأجيل شراء سيارة جديدة، إضافة إلى تأخير خطط ترميم المنزل، موضحاً أن غالب دخل الأسرة يذهب حالياً لتغطية المصروفات الأساس، مثل الغذاء والكهرباء والاتصالات والتعليم، بينما تراجعت القدرة على الادخار أو تنفيذ المشاريع العائلية التي كان مخططاً لها.
ويشير إلى أن كثيراً من العائلات باتت تفضل إصلاح الأجهزة المنزلية القديمة بدلاً من استبدالها، وهو ما يعكس تغيراً في الثقافة الاستهلاكية لمصلحة الترشيد وتقليل النفقات.
يرى مراقبون أن التغيرات التي طرأت على سلوك المستهلكين بدأت تنعكس بصورة واضحة على حركة الأسواق، إذ تراجعت مبيعات بعض السلع الكمالية والأجهزة الإلكترونية، في حين حافظت المواد الغذائية والحاجات الأساس على مستويات طلب مرتفعة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقول المحلل الاقتصادي محمد الساعدي إن ارتفاع كلف المعيشة يدفع الأسر إلى إعادة توزيع الإنفاق، مما يؤدي إلى تغير هيكل الطلب داخل الاقتصاد.
وأضاف أن القطاعات المرتبطة بالترفيه والسلع المعمرة قد تشهد تباطؤاً نسبياً في النشاط، بينما تستمر القطاعات المرتبطة بالمواد الغذائية والخدمات الأساس في استقطاب الجزء الأكبر من إنفاق الأسر.
وأوضح أن هذه التحولات ليست عراقية فحسب، بل شهدها عدد من الاقتصادات التي واجهت ضغوطاً تضخمية، غير أن خصوصية الحال العراقية تكمن في اعتماد نسبة واسعة من السكان على الدخول الثابتة، مما يجعل تأثير ارتفاع الأسعار أكثر وضوحاً على مستوى المعيشة.
ثقافة استهلاكية جديدة
يرى متخصصون أن الأعوام الأخيرة أسهمت في ظهور ثقافة استهلاكية جديدة لدى العراقيين تقوم على ترشيد الإنفاق والبحث عن البدائل الأقل سعراً، فضلاً عن زيادة الاهتمام بالعروض التجارية والتنزيلات الموسمية.
وبدأت بعض الأسر تتجه إلى شراء السلع بالجملة لتقليل الكلفة، أو الاستفادة من المنصات الإلكترونية لمقارنة الأسعار، في حين عاد كثر إلى الاعتماد بصورة أكبر على المنتجات المحلية الأقل سعراً مقارنة بالمستوردة.
ويشير المتخصص في الشأن الاقتصادي الدولي نوار السعدي إلى أن هذا التحول لا يرتبط فقط بالظروف الاقتصادية الحالية، بل قد يتحول إلى نمط دائم إذا استمرت الضغوط على القدرة الشرائية، موضحاً أن سلوك المستهلكين يتغير عادة استجابة للمتغيرات الاقتصادية طويلة الأمد.
وعلى رغم استمرار مؤشرات التضخم ضمن مستويات أقل من تلك المسجلة في بعض دول المنطقة، فإن المواطنين يلمسون تأثير ارتفاع الأسعار بصورة مباشرة في تفاصيل حياتهم اليومية، خصوصاً مع ثبات الدخول وعدم مواكبتها للزيادة في كلف المعيشة.
ويرى متخصصون أن معالجة هذه التحديات تتطلب مجموعة من الإجراءات تشمل تعزيز فرص العمل وتشجيع القطاع الخاص، وتوسيع القاعدة الإنتاجية المحلية ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بما يسهم في زيادة الدخل الحقيقي للمواطنين وتحسين قدرتهم الشرائية.
وفي ظل المتغيرات الاقتصادية الحالية، يبدو أن العائلة العراقية دخلت مرحلة جديدة عنوانها "إدارة الإنفاق بحذر"، إذ لم تعد قرارات الشراء مرتبطة بالرغبات فحسب، بل أصبحت محكومة بمعادلة دقيقة توازن بين الإمكانات المتاحة ومتطلبات الحياة المتزايدة.
وبينما تواصل الأسعار تسجيل ارتفاعات متفاوتة، يواصل العراقيون بدورهم تعديل أنماط استهلاكهم، في محاولة للتكيف مع واقع اقتصادي يفرض أولويات جديدة، ويجعل الحفاظ على الاستقرار المعيشي هدفاً يومياً تسعى إليه ملايين الأسر في مختلف المحافظات.