ملخص
في مراكز الإيواء تحول المونديال إلى هدنة قصيرة من الحرب. لنحو ساعتين، ينسى النازحون أخبار القصف والنزوح، ويستعيد الأطفال بعضاً من طفولتهم. يهتفون للأهداف، لكن أمنيتهم الحقيقية تبقى واحدة: العودة للبيت والقرية والحياة التي توقفت.
في مراكز الإيواء المنتشرة داخل العاصمة بيروت ومناطق أخرى في لبنان، لا تأتي كرة القدم بوصفها ترفاً، لا شاشة المباراة هنا تشبه شاشات المقاهي أو المنازل، ولا الهتاف يشبه هتاف جمهور جاء ليقضي أمسية عادية. في هذا المكان، حيث تختلط الحقائب بالفرش، وحيث تتحول الزوايا إلى غرف موقتة، تصبح المباراة أكثر من 90 دقيقة.
تصبح فاصلاً قصيراً بين خبر عاجل وآخر، وبين ذكرى بيت ترك على عجل، وانتظار عودة لا يعرف أحد موعدها.
هنا لا يشجع الناس منتخباً فحسب، بل يشجعون فكرة الحياة نفسها. يصفقون لهدف، ثم يعودون للحديث عن قراهم. يضحك الأطفال أمام الشاشة، ثم يسألون متى يعودون لمدارسهم. وبين الهجمة والركلة الحرة، يحضر السؤال الأكبر "ماذا تعني مباراة كرة قدم لشخص لا يعرف إن كان سيعود لمنزله غداً؟".
90 دقيقة بلا أخبار عاجلة
في المدينة الرياضية داخل العاصمة اللبنانية، يجلس الأطفال أمام شاشة مضاءة على حائط. يتقاسمون المكان والانتظار والحماسة، يتجادل بعضهم حول الأفضل في عالم المستديرة، يصرخون عند الهجمة، ويرفعون أيديهم كلما اقتربت الكرة من المرمى.
في السياق يشير علي، المسؤول عن مركز الإيواء في المدينة الرياضية، إلى أن "باحة المركز تحولت إلى مساحة تجمع للأهالي والنازحين لمتابعة مباريات كرة القدم عبر شاشة وضعت لهذه الغاية"، موضحاً أن "الموجودين في أكثر من مركز إيواء باتوا على علم بوجود الشاشة، مما يدفعهم إلى التجمع تلقائياً قبل موعد المباريات". وقال "في ظل هذه الظروف الصعبة، تشكل متابعة مباريات المونديال متنفساً للناس، ولا سيما الشباب، إذ تسهم الرياضة في التخفيف عنهم وتقديم دعم معنوي هم بأمس الحاجة إليه"، لافتاً إلى أن "هذه المبادرة تتيح للمقيمين في مراكز الإيواء ملء جزء من وقتهم ومتابعة المباريات في أجواء من الفرح والتسلية".
من جهته، يقول أحد الأطفال في المركز، وهو يدعى حسين، عندما سئل عن الرسالة التي يود إرسالها إلى لاعبه المفضل، قال "أريد يقول لاعبي المفضل، وهو كريستيانو رونالدو، للعالم أننا لا نريد أن نبقى في مراكز الإيواء، وأن نعود إلى ضيعتنا. أريد أن ألعب كرة القدم مع رفاقي، وأن نعود إلى حياتنا القديمة".
طفل آخر اسمه أنور يشجع البرتغال، ولا يتردد في اختيار كريستيانو رونالدو لاعباً مفضلاً. وحين سئل عن الرسالة التي يود أن يوجهها إليه، قال "أحبك كثيراً، ونحن نشجعك من مركز الإيواء".
أما الطفل مهدي، فيشجع فرنسا، لكنه يختار رونالدو أيضاً لاعباً مفضلاً. يتحدث عنه بحماسة مشجع صغير، فيقول إنه "أعظم لاعب"، وإنه "هداف ويجيد المراوغة والتسديد". بالنسبة إليه، تبدو مهارة اللاعب عالماً كاملاً من السرعة والقوة والفرح، عالماً بعيداً من الخوف الذي يسكن يوميات النزوح.
في الملاجئ أيضاً يوجد وقت إضافي
بدورها، تقول ليلى، وهي أم لثلاثة أولاد، إن "متابعة المباريات تمنح الأطفال فرصة كي ينسوا قليلاً. لا تقدم الأمر كعلاج كامل، فالحرب أكبر من أن تمحى بمباراة، لكنها ترى في هذه الساعات مساحة يلتقط فيها الصغار أنفاسهم". وتقول "نحن نحاول أن يعيش الأولاد شيئاً طبيعياً، على رغم كل ما يحدث. المباراة تساعدهم قليلاً. تجعلهم ينسون الخوف لساعات".
وليست المباراة النشاط الوحيد داخل المركز. فتاة صغيرة تدعى زهراء، تستعد هذا العام للاختبارات الرسمية، تتحدث عن يومياتها كما لو أنها تحاول ترتيب حياة لا تستقر. تقول "أدرس قليلا، لأننا لا نعرف إلى أين يمكن أن يصل وضعنا. أحاول أن أفعل أي شيء يطلب مني، وأي شيء أجده أمامي". وتضيف أنها شاركت في فترة من الفترات في تعليم طلاب آخرين كدعم تطوعي، ثم تعود بعد الظهر إلى دراستها، وفي أوقات أخرى تنزل إلى المساحة المشتركة لتلتقي الآخرين وتخرج قليلاً من جو الحرب. وتقول "نأتي إلى هنا لنتعرف إلى بعض ونتسلى. هناك أطفال يلعبون كرة القدم، وآخرون يرسمون. نحاول أن نملأ الوقت بأي شيء يخفف عنا".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ساعتان خارج الحرب
وسط ضجيج الأخبار وثقل الانتظار، يجد محمد، وهو أب لأربعة أولاد، في المباراة مساحة صغيرة يطمئن فيها إلى أن أطفاله ما زالوا قادرين على الفرح. ويقول "نحاول أن نبعد أولادنا قليلاً عن أجواء الدمار والحرب. عندما نتابع المباراة، أشعر أن هاتين الساعتين تُنسيانا كل ما نعيشه".
رجل آخر، نازح من بلدة مركبا على الشريط الحدودي، يعرف نفسه كرب أسرة ويقول إن أولاده معه في النزوح. يتابع كأس العالم، لكنه لا يقدم الأمر بوصفه حباً خالصاً بالمونديال، على رغم أنه من مشجعي "ريال مدريد"، وفي لبنان يشجع فريق "النجمة". يقول "نحن نشاهد كأس العالم كي نخفف قليلاً ليس فقط حباً بالكرة، بل كي نبتعد عن الأخبار، عن الكلام، وعن كل ما نسمعه من كل الجهات".
وحين يسأل عن قريته وبيته، يتغير مسار الكلام. يقول "لا أحد يستغني عن أرضه. حتى لو أعطونا غرفة جميلة، لا شيء يعوض البيت. نحن بعد أرضنا لا شيء لنا، وراجعون إليها بإذن الله".
هدف في المونديال.. وأمل صغير بالعودة للبيت
في مراكز الإيواء، لا يتوقف الزمن عند صافرة البداية، ولا ينتهي عند صافرة النهاية. الحرب تبقى في الخارج والداخل معاً، لكنها، خلال المباراة، تتراجع خطوة إلى الوراء. يعلو صوت الأطفال، يختلفون على لاعب أو منتخب، تلمع وجوههم عند الهدف، ثم يعودون لأسئلتهم الأولى: متى نرجع؟ ومتى تنتهي الحرب؟ ومتى نلعب في قريتنا من جديد؟
هذا هو معنى المونديال في الملاجئ. ليس بحثاً عن بطولة فحسب، ولا عن فوز منتخب على آخر، بل عن لحظة يستطيع فيها الأطفال أن يكونوا أطفالاً، والآباء أن يطمئنوا قليلاً إلى أن أبناءهم لم يفقدوا القدرة على الفرح، والأمهات أن يرين الخوف يبتعد عن الوجوه ولو لساعات.
في مكان لا يملكون فيه ملعباً، ولا منزلاً، ولا يقيناً قريباً بالعودة، ما زالوا يملكون شاشة صغيرة، وهتافاً عابراً، وأملاً بأن الحياة القديمة لم تنتهِ تماماً. طفل يريد أن يلعب كرة القدم في ضيعته من جديد. آخر يرسل حبه إلى رونالدو من مركز الإيواء. فتاة تدرس لاختباراتها كأن الغد لا يزال قابلاً للوصول، وأب يقول إن الأرض لا تعوض.