ملخص
تحول "بريكست" من وعد بالرخاء والسيادة إلى كارثة سياسية واقتصادية فرضت حواجز على بريطانيا وأبعدتها عن أكبر أسواقها، بينما يتزايد اقتناع الناخبين بأن الخروج لم يكن يستحق العناء. قادة حملة المغادرة يتهربون من الاعتراف بالفشل ويلقون اللوم على غيرهم، في وقت تبدو فيه العودة إلى أوروبا ضرورة وطنية لمواجهة ضعف الموارد وتراجع النفوذ.
يموت الناس في أنحاء العالم في صراعات تعكس أسوأ الدوافع البشرية: الجوع إلى السلطة والجشع والعنصرية، وكانت هذه الدوافع نفسها تطبع حياة أسلافنا في هذه الجزر وفي القارة الأوروبية.
ثم اتسع نطاق المذابح البشرية أكثر فأكثر، إلى أن بلغ ذروته خلال الحرب العالمية الثانية، وأنا من جيل لا يزال يتذكر القاذفات وهي تحلق ليلة بعد أخرى فوق سوانزي، ثم تلك الحشود الغارقة في النشوة وهي تحتفل بنهاية الحرب.
لكنني أتذكر أيضاً ذلك الشعور العميق بالعزم على ألا يتكرر ما حدث أبداً، ومن أجل ذلك وُجد الاتحاد الأوروبي، فقد أدرك جيلي الرؤية التي انطوت عليها كلمات ونستون تشرشل حين دعا إلى إنشاء نوع من الولايات المتحدة الأوروبية، قال "نحن" لا "هم".
واليوم ترتبط 27 دولة بمعاهدات ترسي سيادة القانون داخل مؤسسات مشتركة، يديرها مواطنون من هذه الدول القومية جميعاً، وتحمي المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حقوق المواطنين، ويتولى تطبيق القانون فيها محامون من تلك الدول.
وتعد السوق الأوروبية واحدة من أكبر الأسواق في العالم، ومن ثم فإن قواعدها وأنظمتها تُقر غالباً عبر تسويات تراعي مجموعة مقبولة من الشروط، وهذا يضمن عدالة المنافسة، ويمنح الشركات الثقة عندما تكون أمام قرار الاستثمار.
وقد أدت مكانتنا البارزة، بوصفنا منتصرين وشركاء للأميركيين عام 1945، إلى تردد أوليّ، لكن علاقتنا بأوروبا كانت قد اتضحت بحلول مطلع هذا القرن.
كان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) قبل عقد كارثة فرضناها نحن على هذا البلد، فقد أقام حواجز بين صناعاتنا التحويلية والخدمية وبين أكبر أسواقنا، وفصلنا عن طيف من السياسات الثقافية والفنية والبيئية والأكاديمية، وترك ديبلوماسيينا ينتظرون في الأروقة لمعرفة القرارات التي تُتخذ، بما لها من تبعات عميقة علينا.
كان واضحاً في ذلك الوقت ما الذي يحرك الرأي العام، فقد عانى العالم انهياراً اقتصادياً عام 2008، وما تبعه من ضغط على مستويات معيشة الناس، وكان من السهل ربط المطالبة بالتغيير بكلفة العضوية الأوروبية وقواعد السوق الموحدة، فيما أُلقي باللوم في الضغط على الوظائف على تدفق المهاجرين واستغلال التحيزات العنصرية.
وتبلغ هذه النزعة أقصى صورها في خطاب نايجل فاراج وحزب "ريفورم"، الذي يستدعي ذكريات أوزوالد موزلي في ثلاثينيات القرن الماضي، وإينوك باول في ستينياته، ويبدو فاراج مأخوذاً بلغة دونالد ترمب، ويسعى إلى أن يكون دميته في بريطانيا.
أفضى استفتاء "بريكست" إلى حكومة عازمة على استغلال الترتيبات الجديدة وتحقيق المنافع التي زعمت أنها ستترتب عليها، وبعد أعوام أدرك الرأي العام إفلاس تلك الادعاءات.
لقد تبدل المزاج العام، وبات يعكس غالبية تؤيد العودة للاتحاد الأوروبي، وتقوم الحكومة الحالية بمحاولات مترددة للتحرك في هذا الاتجاه، لكن الخوف من "اليمين المتطرف" صار كالقيد الثقيل على الطبقة السياسية.
كان لي شرف دعم حكومات، أو العمل في بعضها، وصارحت الشعب البريطاني أول مرة بحقيقة موقعنا ما بعد الإمبراطورية، وكان ذلك يتطلب شجاعة وإصراراً، ولم تكن مصلحتنا الوطنية في حاجة إلى هذه الشجاعة وهذا الإصرار، أكثر مما هي اليوم.
ينبغي أن نستعيد دورنا التقليدي كدولة أوروبية كبرى، من أجل الأجيال الشابة المقبلة، ومن أجل مصلحتنا كدولة محدودة الموارد، فبشراكتنا مع أوروبا نستطيع أن ننافس أكبر اقتصادات العالم.
وكما كتب البروفسور جون كيرتيس، أبرز خبراء استطلاعات الرأي في بريطانيا، في مقالة نشرتها "اندبندنت"، فإن الناخبين يرون أن "بريكست" كان "خيبة أمل كبيرة"، وأنه "لم يكن يستحق العناء".
وفي رأيي، حتى هذا الوصف لا يفي الحقيقة حقها، فمع اقتراب الذكرى الـ 10 لخروجنا من الاتحاد الأوروبي، يكاد لا يوجد أحد من قادة حملة المغادرة يشيد بـ "بريكست" بوصفه نجاحاً.
وبدلاً من ذلك، يقدمون أعذاراً واهية لتفسير فشل وعودهم الجريئة بمزيد من الوظائف والتجارة والنفوذ لبريطانيا، بعدما ثبت أنها لم تكن سوى خدعة، وكالعادة يلقون باللوم على الجميع إلا أنفسهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يستطيع المنصفون والأذكياء والجادون أن يروا الحقيقة، أياً تكن انتماءاتهم السياسية، وفي مقالة أخرى نشرتها "اندبندنت"، وصف وزير الخارجية العمالي السابق، ديفيد ميليباند، "بريكست" بأنه عمل "تخريبي"، قائلاً إنه يكلف بريطانيا ما يصل إلى 30 مليار جنيه إسترليني سنوياً، وشبّه ذلك بـ "ضريبة 'بريكست' عقابية" تُدفع كل يوم.
أما من فرضوا هذه العقوبة، بحسب التعبير الدقيق لميليباند، فلا يقولون شيئاً يذكر، ويتنصلون من جريمتهم السياسية البشعة، فلقد سخروا من تحذيرات الخبراء التي قالت إن "بريكست" سيجعلنا أسوأ حالاً، وسمّوها "مشروع الخوف"، لكن تلك التحذيرات ثبتت صحتها، وتحول "مشروع الخوف" اليوم إلى "مشروع الواقع".
أين ذهبت عبارات الإشادة بـ "بريكست" التي كان يرددها بوريس جونسون ومايكل غوف ونايجل فاراج ودومينيك كامينغز وشركاؤهم، بعدما وعدونا برخاء عظيم؟
لم يحدث قط أن تسببت قلة قليلة بهذا القدر من الضرر لهذا العدد الكبير من الناس، وهي عاجزة إلى هذا الحد عن تنفيذ ما كذبت في شأنه، فـ "بريكست" لم يكن الخلاص الذي وعدوا به.
هؤلاء لا يكتمون آراءهم عادة. أما صمتهم هذه المرة فسببه واضح، في تقديري: لقد تحول برنامجهم الزائف والفاضح إلى غبار ورماد. هؤلاء هم المذنبون، وحري بهم أن يطأطئوا رؤوسهم خجلاً.
كان اللورد هيزلتاين وزيراً في حكومة رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر، ونائباً لرئيس الوزراء في حكومة جون ميجور.
© The Independent