ملخص
"الهدف هو تكوين قاعدة بيانات وتحديد هوية من يقيمون على أراضيها بطريقة غير نظامية، وذلك بغاية التفاوض مع بلدانهم الأصلية وترحيل من لا تحتاج إليهم البلاد كقوة عمل".
أثارت دعوات نادرة إلى دمج المهاجرين غير النظاميين في تونس بسوق العمل ومنحهم بطاقات إقامة وقتية صخباً غير مسبوق خصوصاً أنها تأتي في سياق تسعى فيه السلطات إلى تسريع وتيرة العودة الطوعية لهؤلاء.
واقترح حزب التيار الديمقراطي المعارض منح المهاجرين غير النظاميين بطاقات إقامة وقتية، ودان بشدة أي خطابات أو ممارسات عنصرية تجاههم، داعياً إلى توفير "حماية إنسانية" لهؤلاء.
وجاءت دعوة حزب التيار الديمقراطي غداة جدال عرفته البلاد حول اعتداء جنسي مزعوم على مهاجرة غير نظامية في ولاية (محافظة) صفاقس جنوب تونس، وسط تداول واسع لمقطع فيديو حول ذلك، وهو جدال لم تعلق عليه السلطات.
اقتراح عملي
تأتي هذه الدعوة في وقت ذكر فيه المتحدث الرسمي باسم الحرس الوطني العميد حسام الدين الجبابلي أن السلطات تمكنت من تأمين عودة طوعية لـ27 ألف مهاجر غير نظامي إلى بلدانهم الأصلية، وذلك ضمن محاولاتها لحل أزمة اللجوء والهجرة التي تعرفها.
وتعد هذه الدعوة تحدياً لغضب يعرفه الشارع في تونس حيال المهاجرين، حيث نظم المئات من أنصار السلطة قبل أيام احتجاجاً طالبوا من خلاله بترحيل هؤلاء، فيما تعول الحكومة على خيار العودة الطوعية للمهاجرين غير النظاميين.
وعد الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي هشام العجبوني أن "في بيانه الأخير، قدم التيار بعض الاقتراحات المتعلقة بأزمة الهجرة غير النظامية ومنها منح المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء بطاقات إقامة وتراخيص عمل لفترة محددة بشرط الإدلاء بما يفيد الهوية. والهدف هو تكوين قاعدة بيانات وتحديد هوية من يقيمون على أراضيها بطريقة غير نظامية، وذلك بغاية التفاوض مع بلدانهم الأصلية وترحيل من لا تحتاج إليهم البلاد كقوة عمل".
وتابع العجبوني في حديث خاص قائلاً إن "من أكبر المشكلات التي تعترض السلطات التونسية هو عدم القدرة على تحديد هوية المهاجرين غير النظاميين، فقدمنا اقتراحاً عملياً يمكن أن يساعد السلطات على ذلك، وفي الوقت ذاته يسمح للمهاجرين للعمل وقتياً ويحفظ كرامتهم ويقلل من الأخطار الأمنية ذات الصلة". وشدد على أن "المهاجر غير النظامي الذي لا يسمح له بالعمل ولا السكن ولا العلاج ولا الهجرة نحو أوروبا ولا الرعاية الإنسانية يمثل خطراً على المجتمع، ويمكن أن تستغله جهات معينة لغايات إجرامية".
مقترح منطقي بشروط
تتحدث بيانات صادرة من المنظمة الدولية للهجرة ومنظمات أخرى أن عدد المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء في تونس يظل في حدود عشرات الآلاف، إذ أكد مسؤولون بالحكومة، في تصريحات تعود لعام 2025، من بينهم كاتب الدولة لدى وزير الخارجية ومسؤولون بالحرس الوطني، أن عددهم في البلاد يقدر بنحو 20 ألف شخص.
وتشهد ولايات مثل صفاقس احتقاناً شعبياً تجاه المهاجرين غير النظاميين الذين يسعون إلى العبور للضفة الأخرى من الأطلسي، فيما أبرمت الحكومة اتفاقات مع الاتحاد الأوروبي وإيطاليا في شأن صد المهاجرين.
وقال الباحث السياسي التونسي المنذر ثابت "مبدئياً، في التعاطي مع المهاجرين غير النظاميين الذين هم في وضع من الناحية القانونية والشكلية غير مطابقة للإجراءات، فإن تشغيلهم يناقض مسألة التشجيع على المغادرة الطوعية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأردف ثابت في تصريح خاص أنه "بناءً على ذلك، الإجراء المتعلق بتمكينهم من بطاقة إقامة ولو وقتية لغاية الشغل تحتاج إلى تحديد حاجات السوق الداخلية على مستوى العمالة الخارجية، وما إذا كانت تونس تحتاج بالفعل إلى يد عاملة خارجية". وذكر أن "الإجراء الذي اقترحه ‘التيار الديمقراطي‘ غير مناقض لمنطق الحاجات الاقتصادية والاجتماعية، لكنه مشروط بتحديد دقيق لهذه الحاجات، ومن المفترض أن يندرج ضمن استراتيجية لا تناقض السعي نحو تشجيع هؤلاء على العودة الطوعية لدولهم".
ولفت ثابت إلى أن "المقترح في حد ذاته منطقي بشرط أن يندرج ضمن تصور دقيق وواقعي لحاجات سوق العمل في تونس، وبناءً على ذلك يمكن تبني هذا التمشي القانوني لتمكين هؤلاء ببطاقة إقامة ونظام تأجير".
لا استجابة محتملة
على رغم الصخب الذي أثارته الدعوة، امتنعت السلطات عن التعليق عليها وسط انتقادات من منظمات غير حكومية حيال تعاملها مع ملف المهاجرين، ولا سيما العودة الطوعية التي وضعتها حكومة الرئيس قيس سعيد ضمن أولوياتها في الأعوام الماضية.
وفي ظل الغموض الذي يكتنف موقف السلطات في تونس حيال هذا المقترح، فإن الاستجابة له ستكون بمثابة كسر لتابو محلي وإقليمي، حيث يتصاعد العداء تجاه المهاجرين غير النظاميين، إذ أغلق محتجون أخيراً المفوضية السامية للأمم المتحدة للشؤون اللاجئين في العاصمة الليبية، طرابلس، احتجاجاً على "مخطط مزعوم لتوطين المهاجرين".
وقال العجبوني "طبعاً، لا نعتقد أن السلطة ستستجيب لاقتراحنا لأنها ترفض كل صور الحوار مع الأجسام الوسيطة، بالتالي لا تستمع لاقتراحات المعارضة، ولأنها تفتقد لرؤية متكاملة لإدارة أزمة الهجرة غير النظامية".
وحول الجدال الذي أثارته دعوة حزبه، يرى العجبوني أنه "عادي في مجال السياسة، وبعض الأطراف المحسوبة على السلطة القائمة شوهت اقتراح التيار ومقاصده، وروجت أننا اقترحنا دمج المهاجرين غير النظاميين في سوق الشغل لإثارة مخاوف التونسيين من التوطين، ولم تتعرض عمداً للشرط الأساس الذي اقترحناه، وهو ضرورة الإدلاء بما يفيد الهوية".